لم يعد امام ابنك سوى اربعه عشر يوما على قيد الحياه

لمحة نيوز

بصوت خافت
يوسف.
ليه قاعد لوحدك؟
نظر يوسف إلى الأرض وقال
كلهم عندهم بابا أو ماما قاعدين معاهم... وأنا محدش جه.
ظل مجد صامتًا لثوانٍ، ثم جلس بجواره وقال
تعرف؟ وأنا صغير كنت فاكر إن القوة معناها إننا منعيطش... لكن اكتشفت إن القوة الحقيقية إننا نفضل متمسكين بالأمل.
رفع يوسف رأسه لأول مرة وابتسم ابتسامة صغيرة.
في اليوم التالي، علم مجد أن الطفل يتيم، ولا يزوره أحد.
فأصدر قرارًا جديدًا داخل المؤسسة
أي طفل يدخل المستشفى بمفرده، يكون له متطوع يرافقه من أول يوم حتى يخرج معافى.
انتشرت الفكرة في أنحاء البلاد، وتقدم مئات الشباب والفتيات للتطوع.
لم يعد أي طفل يشعر بالوحدة.
وفي مساء أحد الأيام، وقف مجد أمام شرفة مكتبه يتأمل غروب الشمس.
تذكر كلمات والده
الثروة الحقيقية... هي دعوة صادقة من قلب إنسان ساعدته.
ابتسم وقال لنفسه
فعلاً يا بابا... كنت على حق.
وفي الأسفل، كان الأطفال يجرون في الحديقة، يضحكون، ويلهون، وكأن المكان لم يعرف يومًا معنى اليأس.
عندها أدرك مجد أن رسالة والديه لم تكن بناء مستشفى فقط...
بل بناء أملٍ يعيش في قلوب الناس، جيلًا بعد جيل.
وهكذا استمرت الحكاية... لأن الخير لا يعرف نهاية. بعد عامين...
استيقظ مجد ذات صباح على اتصال من وزارة الصحة.
قال المسؤول
دكتور مجد، عندنا مستشفى أطفال قديم في إحدى القرى، والمكان حالته صعبة جدًا... والأهالي طالبين إن مؤسستكم تتولى تطويره.
نظر مجد إلى صورة والده المعلقة في مكتبه، ثم ابتسم وقال
هنبدأ من النهارده.
وخلال أشهر قليلة، تحوّل المستشفى الصغير إلى مركز حديث يستقبل الأطفال من القرى المجاورة مجانًا.
وفي يوم الافتتاح، اقترب طفل من مجد وسأله ببراءة
هو أنت غني؟
ضحك مجد وقال
الحمد لله.
قال الطفل
طب ليه بتساعدنا من غير فلوس؟
جلس مجد على ركبتيه وقال
لأن زمان كان في ناس ساعدتني من غير ما تستنى مني أي حاجة.
ابتسم الطفل واحتضنه.
في تلك اللحظة، شعر مجد
أن أعظم إرث تركه له والداه لم يكن المال ولا الشركات...
بل قلبًا يعرف معنى الرحمة.
ومع مرور السنوات، أصبحت مؤسسة ثرية تمتلك عشرات المراكز في مختلف المحافظات، وكلها ترفع الشعار نفسه
لا يُحرم طفل من العلاج بسبب الفقر.
وفي إحدى الليالي، دخل مجد إلى قاعة الاستقبال بعد انتهاء العمل.
كانت القاعة هادئة...
لكن شيئًا لفت انتباهه.
على أحد المقاعد، وجد دبدوبًا قديمًا، يشبه تمامًا الدبدوب الذي كان يحتضنه وهو صغير.
ابتسم، وحمله بين يديه، ثم قال بهدوء
شكراً يا صاحبي... كنت معايا في أصعب أيام حياتي.
وضع الدبدوب داخل صندوق زجاجي عند مدخل المؤسسة، وأسفله لوحة صغيرة كتب عليها
هذا الدبدوب كان شاهدًا على رحلة طفل ظن الجميع أن أيامه معدودة... لكنه عاش ليمنح الحياة لآلاف الأطفال.
وقف الزوار يتأملون الدبدوب، بينما كان الأطفال يمرون بجواره بابتسامة، لا يعرفون أن وراء تلك اللعبة الصغيرة قصة صنعت آلاف النهايات السعيدة.
وهنا... لا تنتهي الحكاية، لأن كل طفل يشفى يكتب فصلًا جديدًا منها. وبعد مرور سنوات طويلة...
أصبح مجد في الستين من عمره، تمامًا كما كان والده عندما بدأ يبتعد عن العمل.
وفي أحد الأيام، دخلت عليه حفيدته الصغيرة ليان إلى مكتبه، وهي تمسك بالدبدوب القديم المحفوظ داخل الصندوق الزجاجي.
قالت ببراءة
جدو... ليه الدبدوب ده مهم أوي؟
ابتسم مجد، وحملها بين ذراعيه، وقال
لأن الدبدوب ده كان معايا وأنا كنت مريض قدك تقريبًا. كل الناس كانت خايفة عليا، لكنه كان صاحبي الوحيد.
سألته
وإنت خفيت إزاي؟
نظر إلى السماء وقال
برحمة ربنا... وبناس مخلصين رفضوا يفقدوا الأمل.
أمسكت ليان يده وقالت
وأنا لما أكبر هبقى دكتورة زيك.
ضحك مجد وقال
أهم حاجة تبقي إنسانة رحيمة... وبعدها أي مهنة هتنجحي فيها.
بعد أيام قليلة، اجتمع مجلس أمناء المؤسسة.
وقف مجد وقال
النهارده هأسلم الإدارة لجيل جديد.
ساد الصمت في القاعة.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا
قديمًا، كان أول مفتاح للمؤسسة عندما افتتحها والده.
سلمه إلى أصغر طبيبة في الفريق، وقال
المكان ده عمره ما كان ملك شخص... ده أمانة.
صفق الجميع بحرارة، بينما وقف مجد ينظر إلى صور والده ووالدته المعلقتين في القاعة.
ابتسم وقال في نفسه
اطمنوا... الرسالة وصلت، ولسه مكملة.
وفي نهاية اليوم، خرج من المؤسسة للمرة الأخيرة كمدير، لكنه لم يشعر بالحزن.
فقد التفت خلفه، ورأى عشرات الأطباء الشباب يستقبلون الأطفال بابتسامة، كما كان يفعل هو يومًا.
ابتسم في رضا، ثم همس
الحمد لله... الخير كبر وبقى أكبر من أي حد فينا.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت حكاية سليم وثرية ومجد تُروى لكل طبيب جديد يدخل المؤسسة، ليعرف أن أعظم علاج قد يبدأ بابتسامة، وأصدق ميراث يتركه الإنسان هو الرحمة.
تمت حقًا. بعد أكثر من خمسين عامًا...
لم يعد هناك أحد يتذكر القصر الفخم الذي كان يملكه سليم، ولا الشركات التي كانت تحمل اسمه.
لكن الجميع كانوا يعرفون مدينة ثرية الطبية للأطفال، التي أصبحت تضم مستشفيات، ومراكز أبحاث، وكلية لتدريب أطباء قلب الأطفال.
وفي صباح يوم هادئ، دخلت طفلة في العاشرة من عمرها إلى متحف صغير داخل المدينة الطبية.
توقفت أمام صندوق زجاجي بداخله دبدوب قديم، ولوحة كتب عليها
كان هذا الدبدوب رفيق طفل قال الأطباء إنه لن يعيش أكثر من أربعة عشر يومًا... لكنه عاش، وأنقذ بعد ذلك حياة آلاف الأطفال.
رفعت الطفلة يدها وسألت المرشدة
هو الطفل ده كان بطل؟
ابتسمت المرشدة وقالت
لأ... كان طفلًا عاديًا جدًا.
استغربت الطفلة.
أمال ليه الناس فاكراه؟
أجابتها
لأن أبوه رفض يستسلم، ولأن أمه علمتهم إن الرحمة أكبر من أي ثروة، ولأن الطفل لما كبر، استخدم عمره في مساعدة غيره.
ظلت الطفلة تنظر إلى الدبدوب طويلًا، ثم قالت
لما أكبر... هبقى دكتورة هنا.
ابتسمت المرشدة وربتت على كتفها.
وفي الخارج، كانت أشجار الحديقة التي زرعها سليم بيده قبل عشرات السنين ما زالت
تظلل الأطفال وهم يركضون ويضحكون.
وفي مدخل المدينة الطبية، كانت هناك لافتة كبيرة لا تحمل أسماء مؤسسين أو رجال أعمال، بل عبارة واحدة فقط
إذا استطعت أن تنقذ حياة إنسان... فلا تؤجل ذلك إلى الغد.
ومرت الأجيال...
وتغيرت الوجوه...
لكن كل طفل خرج من ذلك المكان معافى، كان يحمل جزءًا صغيرًا من قصة بدأت يوم قال طبيب لأبٍ مكسور
لم يعد أمام ابنك سوى أربعة عشر يومًا.
إلا أن رحمة الله كانت أوسع من كل التوقعات، فتحولت الأيام الأربعة عشر... إلى عمرٍ كاملٍ مليء بالخير.
النهاية الأبدية. النهاية
وقف مجد أمام قبر والديه في صباح هادئ، وقد غزا الشيب شعره، ووضع باقتين من الزهور البيضاء.
قال بصوتٍ امتزج فيه الحنين بالرضا
يا أمي... يا أبي... كنتما تخافان أن تنتهي حياتكما، لكنني اليوم أرى أن الإنسان لا يموت ما دام الخير الذي صنعه ما زال حيًا.
رن هاتفه في تلك اللحظة.
كان مدير المؤسسة يقول بفرحة
يا دكتور مجد... الطفل رقم 100000 خرج من غرفة العمليات، والعملية نجحت.
أغمض مجد عينيه، وابتسم ابتسامة هادئة، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال
الحمد لله... هذا كله من فضل الله.
عاد إلى المؤسسة، فوجد الأطباء والممرضين والأطفال ينتظرونه.
لم يكن هناك احتفال كبير، ولا كاميرات، ولا خطابات.
اقترب منه طفل صغير، واحتضنه وهو يقول
شكرًا يا دكتور... أنا هروح ألعب مع إخواتي تاني.
ابتسم مجد، وانحنى يقبّل رأسه، ثم نظر إلى الفريق الطبي وقال
أوصيكم بشيء واحد... لا تجعلوا أي طفل يشعر بالخوف وهو هنا. الدواء يشفي الجسد، لكن الرحمة تشفي القلب.
صفق الجميع، بينما دقت ساعة المؤسسة الثانية عشرة ظهرًا.
وفي تلك اللحظة، أُنزلت لوحة جديدة عند المدخل
كُتب عليها
هذه المؤسسة لم تُبنَ بالحجارة... بل بالدعاء، والرحمة، والأمل.
وبعد سنوات، رحل مجد بهدوء كما عاش، تاركًا وراءه آلاف الأطباء، ومئات الآلاف من الأطفال الذين عادوا إلى الحياة.
وظلت الحكاية تُروى
لكل من يدخل المكان، لتؤكد حقيقة واحدة
قد لا يستطيع الإنسان أن يطيل عمره، لكنه يستطيع أن يجعل أثره يعيش إلى الأبد.
تمت.

تم نسخ الرابط