لم يعد امام ابنك سوى اربعه عشر يوما على قيد الحياه
المحتويات
رمزًا للرحمة والعطاء.
أما سليم، فكان يجلس كل صباح في حديقة المؤسسة، يراقب الأطفال وهم يضحكون، ويقول في نفسه
كنت أظن أن المال هو أعظم ما أملك... ثم اكتشفت أن أعظم ثروة هي أن تكون سببًا في ابتسامة طفل.
وهكذا انتهت رحلة الألم، لكنها كانت بداية لآلاف قصص الأمل التي كُتبت بفضل طفل صغير اسمه مجد، رفض والده أن يستسلم، فكتب الله له حياةً أصبحت نورًا لغيره. بعد سنوات قليلة، قرر سليم أن يبتعد عن إدارة شركاته، وسلّمها إلى مجلس إدارة محترف، وتفرغ بالكامل للمؤسسة.
وفي يوم الاحتفال بمرور ثلاثين عامًا على افتتاح مركز ثرية، امتلأت القاعة بأسرٍ جاءت من مختلف المحافظات.
وقف أحد الشباب على المسرح وقال
أنا أول طفل اتعالج هنا... الأطباء قالوا زمان إني مش هكمل سنة، لكن النهارده أنا مهندس، ومتجوز، وجاي أقول شكرًا.
ثم وقفت فتاة أخرى وقالت
أنا كنت يتيمة، والمؤسسة علمتني وصرفت عليا لحد ما بقيت دكتورة أطفال.
وبعدها توالت الكلمات...
كل شخص يحمل قصة نجاة، أو حلمًا تحقق، أو حياة بدأت من جديد.
جلس سليم في الصف الأول، ولم يستطع منع دموعه.
اقترب منه مجد، الذي أصبح مدير المركز، وقال مبتسمًا
فاكر يا بابا أول يوم سمعت الدكتور وهو بيقول إن معنديش غير 14 يوم؟
أخذ سليم نفسًا عميقًا وقال
أيوه... كان أصعب يوم في حياتي.
ابتسم مجد وقال
يمكن لو اليوم ده ما حصلش... مكانش كل الخير ده حصل.
ربت سليم على كتف ابنه وقال
ربنا أحيانًا يبتلينا، لكن لو صبرنا، بيعوضنا بأكتر مما نتخيل.
وفي نهاية الحفل، أزيح الستار عن تمثال بسيط عند مدخل المؤسسة.
لم يكن لسليم...
ولا لمجد...
بل كان يحمل اسم ثرية القاسمي، وتحت الاسم كُتبت عبارة واحدة
الإنسان لا يُقاس بما يملك... بل بما يتركه من رحمة في قلوب الآخرين.
وقف الجميع يصفقون، بينما نظر سليم إلى
الحمد لله... لقد أوفيتُ بالعهد.
النهاية. بعد انتهاء الحفل، وبينما كان الجميع يغادر، اقترب طفل صغير من مجد، لا يتجاوز السادسة من عمره.
شد طرف معطفه الأبيض وقال بخجل
هو حضرتك الدكتور مجد؟
ابتسم مجد وانحنى إلى مستواه.
أيوه يا بطل... اسمك إيه؟
اسمي آدم.
خير يا آدم؟
أخرج الطفل ورقة مطوية من جيبه وقال
ماما قالتلي أديهالك.
فتح مجد الورقة، فوجدها رسالة من أم الطفل.
كان مكتوبًا فيها
من عشرين سنة، كنت أنا أول طفلة دخلت مركز ثرية، وأنتم عالجتموني مجانًا، واليوم جئت بابني ليجد نفس الرحمة التي وجدتها وأنا صغيرة.
ابتسم مجد، ثم خرج بنفسه ليستقبل الأم.
وما إن رآها حتى تعرف عليها فورًا.
كانت الفتاة الصغيرة التي أنقذها والده منذ سنوات، والتي كانت تبكي لأنها لا تملك ثمن العلاج.
قالت وهي تمسح دموعها
لو مكنتشوا وقفتوا جنبي زمان... مكنتش هبقى أم النهارده.
رد مجد بابتسامة
وإحنا النهارده هنقف جنب ابنك، زي ما وقفنا جنبك.
دخل آدم غرفة الفحص، وبعد سلسلة من التحاليل، اكتشف الأطباء أن حالته بسيطة، ويمكن علاجها بالأدوية فقط.
خرجت الأم وهي تبكي من شدة الفرح.
وقبل أن تغادر، قالت لسليم
حضرتك أنقذت حياتي وأنا طفلة... والنهارده أنقذت ابني.
ابتسم سليم وقال
لا... اللي أنقذكم هو فضل ربنا، وإحنا كنا مجرد سبب.
وفي تلك الليلة، أغلق سليم باب مكتبه للمرة الأخيرة.
كتب خطابًا قصيرًا، وسلمه إلى مجد.
وجاء فيه
يا بني... لقد قضيت عمري أبني شركات، لكن أعظم إنجاز حققته لم يكن شركة ولا قصرًا... بل إنسانًا يحمل الرحمة في قلبه.
اليوم أسلمك الأمانة كاملة.
احرص دائمًا أن يخرج كل طفل من هذا المكان وهو يشعر أنه وجد أسرة، لا مجرد مستشفى.
أغلق مجد الرسالة، واحتضن والده.
وبعد أشهر قليلة، رحل سليم بهدوء، وقد ترك خلفه إرثًا
وفي كل صباح، كان الأطفال يمرون أمام صورته المعلقة عند مدخل المؤسسة، وتحتها عبارة واحدة
من عاش لنفسه عاش قليلًا... ومن عاش لغيره عاش إلى الأبد.
تمت. بعد رحيل سليم بسنوات، أصبح مجد هو الوجه الذي يعرفه الجميع للمؤسسة.
وفي أحد الأيام، كان يتفقد أقسام المستشفى، عندما رأى طفلًا صغيرًا يجلس وحده في الممر، يحتضن دمية دب قديمة.
توقف مكانه...
فقد أعاد إليه المشهد ذكرى نفسه وهو في الثالثة من عمره، يحتضن دبه الصغير على سرير المستشفى.
جلس بجواره وسأله
بتحب الدبدوب ده؟
ابتسم الطفل وقال
أيوه... بحس إنه بيطمني.
ابتسم مجد وقال
وأنا كمان كان عندي واحد زيه، وكان صاحبي طول فترة علاجي.
وفي اليوم التالي، أصدر قرارًا جديدًا داخل المؤسسة
كل طفل يدخل المستشفى لأول مرة، يحصل على دمية هدية، عشان ميحسش إنه لوحده.
تحولت الفكرة إلى عادة جميلة، وأصبح الأطفال يبتسمون منذ اللحظة الأولى لدخولهم.
ومرت السنوات...
وفي الذكرى الخمسين لتأسيس مؤسسة ثرية، حضر آلاف الأشخاص، بينهم أطباء كانوا يومًا مرضى، ومهندسون، ومعلمون، وأمهات وآباء جاءوا مع أبنائهم الذين أنقذتهم المؤسسة.
وقف مجد على المسرح وقال
زمان، قالوا لوالدي إنني لن أعيش أكثر من أربعة عشر يومًا...
لكن الله كتب لي عمرًا طويلًا، ليس لأعيش لنفسي، بل لأكون سببًا في حياة غيري.
ولهذا، أوصي كل من يسمعني اليوم
إذا استطعت أن تخفف ألم إنسان، فلا تتردد... فقد تكون أنت الأمل الذي ينتظره.
وقف الحضور جميعًا يصفقون، بينما ارتفعت صورة كبيرة لسليم وثرية خلفه.
وفي أسفل الصورة كُتبت العبارة التي أصبحت شعار المؤسسة
الأمل قد يبدأ بكلمة... لكنه يغيّر حياة كاملة.
وهكذا بقي اسم الأسرة حيًا، لا بسبب ثروتها، بل بسبب الرحمة
النهاية الحقيقية. بعد انتهاء الاحتفال، وبينما كان الجميع يغادر، بقي مجد وحده في بهو المؤسسة.
كان يتأمل صور الأطفال التي تملأ الجدران، وكل صورة تحمل اسم طفل نجا وعاد إلى حياته.
وفجأة...
دخل شاب في أواخر العشرينات، يحمل حقيبة صغيرة.
اقترب من مجد وقال
حضرتك متعرفنيش... لكن أنا مدين لك بحياتي.
ابتسم مجد وقال
اتفضل... احكيلي.
قال الشاب
وأنا عندي أربع سنين، المؤسسة عملتلي عملية قلب. والدي كان عامل نظافة، ومكنش يقدر يدفع جنيه واحد. النهارده أنا دكتور قلب... وراجع أشتغل هنا من غير أي مقابل.
لم يتمالك مجد نفسه، واحتضنه.
وفي الأشهر التالية، عاد عشرات الأطباء الذين عالجتهم المؤسسة وهم أطفال، ليعملوا فيها متطوعين.
تحول المكان إلى بيت كبير، لا مجرد مستشفى.
وفي يوم من الأيام، وقف أحد الصحفيين يسأل مجد
إيه سر نجاح المؤسسة؟
ابتسم مجد وقال
السر إننا عمرنا ما شوفنا المريض على إنه رقم في ملف... كنا بنشوفه ابن أو بنت محتاجين حد يطمنهم.
انتشرت كلماته في كل مكان، وأصبحت تُدرَّس في كليات الطب ضمن محاضرات عن أخلاقيات المهنة.
وفي ليلة هادئة، دخل مجد إلى مكتب والده القديم.
فتح الدرج الذي لم يفتحه منذ سنوات، فوجد ساعة سليم، ونظارته، وقلمه.
ابتسم وهو يلمس القلم وقال
وحشتني يا بابا...
ثم أغلق المكتب، وأطفأ النور، لكنه قبل أن يغادر نظر إلى صورة والديه المعلقة على الحائط وقال
متقلقوش... الوصية لسه عايشة، وهتفضل تكبر طول ما في طفل محتاج أمل.
خرج مجد إلى ساحة المؤسسة، حيث كان الأطفال يضحكون ويلعبون تحت الأشجار.
رفع عينيه إلى السماء، وابتسم في هدوء...
فقد أدرك أن بعض القصص لا تنتهي أبدًا، لأنها تتحول إلى أثر طيب يبقى في حياة الناس.
ستار. بعد أشهر...
كان مجد يتفقد قسم الأطفال
اقترب منه وسأله بلطف
اسمك إيه يا بطل؟
أجاب الطفل
متابعة القراءة