لم يعد امام ابنك سوى اربعه عشر يوما على قيد الحياه

لمحة نيوز

لم يعد أمام ابنك سوى أربعة عشر يومًا على قيد الحياة.
كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تجعل العالم يتوقف أمام سليم القاسمي.
نظر إلى ابنه مجد النائم على سرير المستشفى، يحتضن دبه الصغير ويبتسم في نومه، بينما كانت الأجهزة حوله تصدر أصواتًا منتظمة كأنها تعدّ ما تبقى من الوقت.
رفض سليم الاستسلام، واستدعى أشهر أطباء القلب في البلاد، ثم تواصل مع أطباء من الخارج، لكن الجميع قالوا الجملة نفسها
حالته نادرة جدًا، والعملية مخاطرة كبيرة.
عاد إلى قصره محطمًا، لكنه قرر أن يجعل الأيام القادمة أجمل أيام يعيشها ابنه مهما كانت النتيجة.
وفي اليوم التالي وصلت ممرضة جديدة تُدعى نورة.
كانت هادئة، لطيفة، وتعرف كيف تجعل الأطفال يبتسمون.
خلال ساعات، استطاعت أن تجعل مجد يضحك لأول مرة منذ أسابيع.
تعجب سليم وسألها
كيف فعلتِ ذلك؟
ابتسمت وقالت
الأطفال لا يحتاجون دائمًا إلى الدواء... أحيانًا يحتاجون فقط إلى من يشعر بهم.
ومع مرور الأيام، بدأت نورة تهتم بطعام مجد، وتحكي له القصص، وتغني له قبل النوم.
وفي إحدى الليالي، صنعت له كعكة ريد فيلفيت.
تذوق مجد قطعة صغيرة وقال مبتسمًا
دي أحلى كعكة دوقتها.
ابتسمت نورة وقالت
لأن الوصفة من والدتك.
تجمد سليم في مكانه.
تعرفين وصفة زوجتي؟
أخرجت نورة دفترًا صغيرًا وقالت
قبل سنوات كانت والدتكما تزور مستشفى الأطفال متطوعة كل أسبوع، وكانت تعلمنا وصفاتها حتى نصنعها للأطفال المرضى. قبل وفاتها أهدتني هذا الدفتر، وقالت إذا احتاج مجد يومًا إلى ابتسامة... اصنعي له هذه الكعكة.
أخذ سليم الدفتر، فوجد بخط زوجته رسالة قصيرة
إذا قرأت هذا يومًا، فأرجوك لا تجعل الحزن يسرق ما بقي لك من عمر مع ابننا. امنحه الحب قبل العلاج، والوقت قبل المال.
بكى لأول مرة منذ وفاة زوجته.
ومنذ ذلك اليوم تغيّر كل شيء.
أصبح

يجلس بجوار مجد، يقرأ له القصص، ويلعب معه، ويترك هاتفه وأعماله خارج الغرفة.
وبعد أيام، أرسل الطبيب ملف مجد إلى مركز طبي متخصص في الخارج كان يجرّب علاجًا جديدًا للأطفال المصابين بحالته.
وافق سليم فورًا.
سافر مع ابنه، وخضع مجد للعلاج وسط دعوات الجميع.
مرت أسابيع عصيبة...
حتى خرج الطبيب مبتسمًا وقال
استجاب للعلاج بصورة أفضل مما توقعنا... الخطر انتهى بإذن الله.
احتضن سليم ابنه بقوة، وشكر الله على هذه النعمة.
وعندما عاد إلى وطنه، أسس مركزًا مجانيًا لعلاج أمراض قلب الأطفال، وأطلق عليه اسم زوجته الراحلة، حتى تبقى ذكراها سببًا في إنقاذ حياة آلاف الصغار.
النهاية. مرّت خمس سنوات...
كبر مجد، وأصبح يجري في حديقة القصر بلا أجهزة ولا أدوية، بينما كان سليم يراقبه من الشرفة وعيناه تمتلئان بالامتنان.
وفي صباح أحد الأيام، دخل مجد إلى مكتب والده وهو يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قال بابتسامة
بابا... طنط نورة قالتلي إن ده لازم أديهولك النهارده.
فتح سليم الصندوق، فوجد داخله ساعة يد قديمة كانت تخص زوجته، ورسالة أخرى بخطها.
كتب فيها
إذا وصلت هذه الرسالة إليك، فهذا يعني أن مجد تعافى... وهذا كان أكبر حلم عندي.
ارتجفت يدا سليم وهو يواصل القراءة.
أعرف أنك ستبحث عن سبب إخفائي لهذه الرسائل، لكن الحقيقة بسيطة... كنت أخشى أن يسرق الحزن منك سنوات لن تعود. أردتك أن تنشغل بإنقاذ ابننا، لا بالبكاء عليّ.
أغلق الرسالة وهو يمسح دموعه.
وفي المساء، جلس مع نورة في حديقة المنزل وقال لها
أنتِ لم تكوني مجرد ممرضة... أنقذتِ ابني وأنقذتِني أنا أيضًا.
ابتسمت وقالت
أنا فقط نفذت وصية إنسانة كانت تحب أسرتها أكثر من نفسها.
في الأسبوع التالي، افتتح سليم مركز ثرية لعلاج الأطفال مجانًا.
وفي يوم الافتتاح، كان أول طفل يدخل المركز لا يملك
ثمن العلاج.
ابتسم سليم وقال لموظفي الاستقبال
من اليوم... لا يُرفض أي طفل بسبب المال.
انتشر خبر المركز في كل أنحاء البلاد، وتحول إلى أكبر مؤسسة خيرية لعلاج أمراض قلب الأطفال.
أما مجد، فكلما رأى طفلًا يخرج من غرفة العمليات مبتسمًا، كان يقول بفخر
أنا كمان كنت مريض زيكم... وربنا كتبلي عمر جديد، وعشان كده لازم نساعد غيرنا.
وهكذا تحولت أكبر محنة في حياة سليم إلى رسالة أمل أنقذت آلاف الأسر، وبقي اسم ثرية حيًا في قلوب كل طفل عاد إلى الحياة بفضل هذا المركز.
تمت. بعد سنوات، أصبح مركز ثرية من أشهر مراكز علاج قلب الأطفال في الوطن العربي، وكان مجد، الذي بلغ الثامنة من عمره، يصر على استقبال الأطفال بنفسه.
وفي أحد الأيام، دخلت أم تحمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيها، وكانت تبكي لأنها لا تملك ثمن العلاج.
اقترب منها مجد وقال بابتسامة
متقلقيش... هنا محدش بيدفع فلوس.
نظرت الأم إلى سليم وقالت
ربنا يجازيك خير... ابني كان هيموت.
ابتسم سليم، ثم نظر إلى صورة زوجته المعلقة في بهو المركز وهمس
الفضل لله... ثم لوصيتك يا ثرية.
في تلك الليلة، عاد إلى القصر، وفتح الخزانة التي احتفظ فيها بكل ذكريات زوجته.
وجد صندوقًا صغيرًا لم يفتحه من قبل.
كان بداخله دفتر بعنوان
أحلامي التي لم أحققها.
فتح أول صفحة، فوجدها كتبت
إذا سبقني القدر، أتمنى أن يتحول بيتنا الكبير إلى مكان يملؤه الأطفال بالضحك، لا الصمت.
أغلق الدفتر وهو يبتسم لأول مرة دون ألم.
وفي العام التالي، نفذ أمنيتها بالكامل.
تبرع بالقصر ليصبح دارًا لرعاية الأطفال المرضى وأسرهم أثناء رحلة العلاج، وانتقل هو ومجد إلى منزل أصغر وأكثر دفئًا.
قال له مجد وهو ينظر إلى الأطفال يلعبون في الحديقة
ماما كانت هتفرح أوي.
ربت سليم على كتفه وقال
أكيد... لأنها كانت تؤمن إن الخير هو الحاجة
الوحيدة اللي بتعيش بعد صاحبها.
مرت الأعوام...
وكبر مجد، وتخرج طبيبًا متخصصًا في جراحة قلب الأطفال، وعاد ليعمل في المركز الذي حمل اسم أمه.
وفي أول عملية أجراها بنجاح، خرج إلى والد الطفل وقال
ابنك بخير... والحمد لله العملية نجحت.
انفجر الأب في البكاء من شدة الفرح، تمامًا كما بكى سليم يومًا عندما سمع الجملة نفسها.
وقف سليم يراقب ابنه من بعيد، وابتسم وهو يقول
الحمد لله... ربنا كتب لمجد عمرًا جديدًا، فجعله سببًا في منح الحياة لغيره.
النهاية الحقيقية
قد يرحل أشخاص نحبهم، لكن أثرهم الطيب يبقى حيًا في كل قلب لمسوه، وفي كل خير تركوه خلفهم. وبعد مرور عشرين عامًا...
وقف الدكتور مجد القاسمي داخل غرفة العمليات، ينزع قفازيه بعد نجاح عملية قلب استغرقت سبع ساعات.
خرج إلى أسرة الطفل وقال بابتسامة
الحمد لله... العملية نجحت، وابنكم هيعيش حياة طبيعية.
ارتمت الأم تبكي من الفرح، بينما احتضن الأب ابنه بعد نقله إلى العناية.
كان سليم يقف في آخر الممر، وقد غزا الشيب شعره، لكنه شعر يومها أن كل ما مر به لم يذهب هباءً.
وفي المساء، عاد الأب والابن إلى المقبرة لأول مرة منذ سنوات.
وضع مجد باقة من الزهور أمام قبر والدته، وقال
يا أمي... يمكن أنا معرفتكيش كويس، لكن كل يوم في المستشفى بحس إنك معايا.
ابتسم سليم والدموع في عينيه وقال
لو كانت شايفاكي دلوقتي... كانت هتبقى فخورة بيك.
وبينما كانا يستعدان للمغادرة، لمحا طفلًا صغيرًا يقف بجوار قبر قريب، يبكي وحده.
اقترب منه مجد وسأله برفق
مالك يا بطل؟
قال الطفل وهو يمسح دموعه
ماما ماتت... وأنا بقيت لوحدي.
نظر مجد إلى والده، ثم أمسك بيد الطفل وقال
محدش هيبقى لوحده.
ومنذ ذلك اليوم، أطلق مجد مبادرة داخل مؤسسة ثرية لرعاية الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم بسبب المرض، فكانت المؤسسة
لا تعالج أجسادهم فقط، بل تحتضنهم نفسيًا وتعليميًا حتى يقفوا على أقدامهم.
كبر اسم المؤسسة أكثر، وأصبحت
تم نسخ الرابط