سيبيه
آدم وقال
إنتِ أنقذتِ حياتي... وأنا وعدت نفسي أعيش عمري كله وأنقذ حياة غيري.
في تلك اللحظة، دخلت مجموعة من الأطباء الشباب، وصفقوا للدكتورة ريم، بعدما عرفوا أنها صاحبة القصة التي كانت تُدرَّس في دورات الإسعافات الأولية لسنوات.
وقفت ريم تنظر إليهم، ثم قالت بهدوء
افتكروا دايمًا... الطبيب بينقذ بالمعلومة قبل الدواء، والإنسان ممكن يغيّر مصير حد بشجاعة في دقيقة واحدة.
خرجت من المستشفى للمرة الأخيرة، ونظرت إلى المبنى الذي شهد أصعب لحظة في حياتها، ثم ابتسمت وهي ترى آدم يدخل لاستلام نوبته الأولى كطبيب.
وأدركت أن أجمل النهايات هي التي تصبح بداية لحكاية جديدة مع شخص آخر. بعد سنوات قليلة...
في إحدى ليالي الشتاء، دوّى جرس الإنذار داخل مستشفى الأطفال.
وصلت سيارة إسعاف تحمل رضيعًا عمره ستة أشهر، وقد توقف قلبه في الطريق.
كان الدكتور آدم هو أول من استقبل الحالة.
وقف للحظة، ثم قال للفريق بثبات
ابدأوا الإنعاش... وما حدش يوقف غير لما أقول.
بدأ الجميع يعمل بسرعة، لكن بعد دقائق بدأ بعض الموجودين يفقدون الأمل.
أحد الأطباء قال مفيش استجابة...
لكن آدم رد بحزم
كمّلوا.
كانت نفس الكلمة التي قيلت لريم قبل أكثر من عشرين عامًا عبر هاتف الإسعاف.
بعد لحظات... عاد النبض.
انطلقت الأجهزة تعلن استقرار القلب، وارتفعت تكبيرات الفرح داخل غرفة الطوارئ.
خرج آدم إلى أسرة الطفل، وقال بابتسامة
ابنكم بخير... الحمد لله.
انفجرت الأم في البكاء، وهي تردد ربنا يجازيك خير... أنقذت ابني.
ابتسم آدم وقال
أنا بس كنت سبب... وربنا هو المنجي.
وفي المساء، ذهب إلى بيت والده محمود.
كان محمود قد شاب شعره، لكنه ما زال يحتفظ في غرفة المعيشة بالميدالية القديمة التي أهدوها لريم يوم تكريمها.
قال آدم وهو ينظر إليها
كل اللي حصل في حياتي بدأ من اللحظة دي.
رد محمود وهو يبتسم
وأجمل حاجة إن الخير عمره ما وقف عند شخص واحد... فضل ينتقل من قلب لقلب.
وفي تلك الليلة، أرسل آدم رسالة قصيرة إلى الدكتورة ريم، التي كانت قد تقاعدت
النهارده أنقذت أول طفل بإيدي... ولو لا شجاعتك من سنين، ما كنتش وصلت للي أنا فيه. شكرًا لأنك علمتيني، حتى من غير ما تعرفي.
قرأت ريم الرسالة، وابتسمت في هدوء، ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت
الحمد لله... الأثر الطيب عمره ما بيموت.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن رسالتها بقيت ربما تنقذ حياة شخص اليوم، فينقذ هو مئات الأرواح غدًا. بعد أربعين عامًا...
كانت الدكتورة ريم قد تجاوزت الستين، وجلست في بيتها تقلب ألبومًا قديمًا مليئًا بالصور والذكريات.
رن جرس الباب.
فتحت، فوجدت عشرات الأشخاص يقفون أمام منزلها، رجالًا ونساءً وأطفالًا، وكل واحد منهم يحمل وردة بيضاء.
استغربت وسألت
حضراتكم مين؟
ابتسم شاب وقال
يمكن حضرتك ما تعرفيناش... لكن إحنا كلنا اتولدنا من جديد بسبب قرار خدتيه في يوم واحد.
ثم تقدم الدكتور آدم، وقد أصبح مديرًا لمستشفى الأطفال، وقال
كل واحد واقف هنا ليه حكاية.
وأشار إلى رجل في الثلاثين من عمره.
قال الرجل أنا الطفل اللي أنقذني الدكتور آدم.
وأشار إلى فتاة صغيرة.
ودي بنتي... عايشة لأنه هو أنقذ حياتي.
ثم أشار إلى طبيبة شابة.
قالت وهي تبتسم أنا دخلت كلية الطب بعدما سمعت قصة حضرتك في المدرسة.
وفجأة أدركت ريم أن الخير الذي بدأ بضغطات على صدر طفل صغير، لم يتوقف عند ذلك الطفل.
امتد إلى أطباء... وممرضين... وأسر كاملة... وأطفال لم تكن تعرف أسماءهم.
أخرج آدم صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحه أمامها.
كان بداخله جهاز الإنعاش اليدوي
وتحته لوحة صغيرة مكتوب عليها
أحيانًا... أربع دقائق من الشجاعة تصنع أربعين سنة من الحياة.
لم تتمالك ريم نفسها.
جلست تبكي، لكن دموعها هذه المرة لم تكن دموع خوف...
كانت دموع امتنان.
رفع الجميع أيديهم وصفقوا لها طويلًا.
ابتسمت وهي تنظر إلى السماء، وقالت بهدوء
يا رب... تقبل مني هذا الأثر.
وانتهى اليوم، لكن القصة بقيت تتناقلها الأجيال، لتذكر الجميع أن عملًا صغيرًا بإخلاص قد يغيّر مصير أناس لا يمكن عدّهم.
النهاية الأخيرة حقًا. بعد وفاة الدكتورة ريم بسنوات...
أُطلق اسمها على مركز جديد لتدريب الإسعافات الأولية للأطفال.
وفي يوم الافتتاح، وقف الدكتور آدم أمام مئات المتدربين، وخلفه صورة كبيرة لريم وهي تبتسم.
قال
الناس فاكرة إن بطلة قصتنا كانت دكتورة... لكن الحقيقة إنها كانت بنت عندها خمس عشرة سنة، وكل اللي كان معاها وقتها شجاعتها وسماعة تليفون بتسمع منها تعليمات الإسعاف.
ساد الصمت.
ثم أخرج من جيبه ورقة قديمة جدًا، أطرافها اصفرّت من الزمن.
وقال
دي أول شهادة حصلت عليها ريم بعد الحادثة. كانت محتفظة بيها طول عمرها، ووصّتني قبل وفاتها أقرأ الجملة المكتوبة فيها كل سنة.
فتح الورقة وقرأ
لا تخف من إنقاذ حياة... حتى لو اتهمك الجميع في البداية.
وقف الحضور يصفق لدقائق.
وفي نهاية الاحتفال، تقدمت طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات، وقالت لآدم
أنا لما أكبر... عايزة أبقى زي ريم.
ابتسم آدم وقال
لا... كوني أحسن منها.
سألته الطفلة باستغراب
إزاي؟
ابتسم وهو ينظر إلى صورة ريم وقال
لأن ريم نفسها كانت تتمنى إن كل جيل يبقى أفضل من اللي قبله.
خرج الجميع من القاعة، لكن صورة ريم ظلت
يمكن أنت تكون الشخص اللي هينقذ حياة حد بكرة... فلا تتردد.
وهكذا تحولت قصة فتاة خافت وهي تنقذ طفلًا، إلى رسالة بقيت حية حتى بعد رحيلها، تُلهم كل من يسمعها بأن الخير لا ينتهي، بل يعيش في قلوب من يواصلونه.
تمت النهاية
في الذكرى الخمسين لليلة التي توقّف
فيها قلب الطفل ياسين، اجتمع في قاعة كبيرة أطباء ومسعفون وأسر كثيرة.
وقف رجل خمسيني على المنصة، وقال
أنا ياسين... الطفل اللي قالوا زمان إنه مات.
ساد الصمت.
أكمل وهو ينظر إلى صورة ريم المعلقة على الحائط
وأنا عايش النهارده بسبب بنت صغيرة رفضت تستسلم، حتى لما كل الناس افتكروها مجرمة.
ثم أخرج هاتفًا قديمًا محفوظًا داخل صندوق زجاجي.
وقال
ده نفس الهاتف اللي كانت ريم بتتكلم منه مع الإسعاف وهي بتحاول تنقذني.
تم تشغيل التسجيل الأصلي للمكالمة.
سمع الجميع صوت المسعفة يقول
كملي... ما توقفيش.
ثم سُمع صوت ريم وهي تبكي وتقول
أنا خايفة... بس هكمّل.
انفجر كثير من الحضور في البكاء.
بعد انتهاء التسجيل، أعلن ياسين قرارًا لم يكن أحد يتوقعه.
قال
من النهارده، كل مدرسة في المحافظة هتتقدم فيها دورات مجانية للإسعافات الأولية، وكل طفل هيتعلم إزاي ينقذ حياة غيره.
ثم رفع عينيه إلى صورة ريم وقال
إنتِ ما أنقذتيش حياتي أنا بس... أنقذتي حياة آلاف الناس اللي اتعلموا من قصتك.
في نهاية الحفل، أُزيح الستار عن تمثال بسيط لريم، لم يكن مكتوبًا عليه اسمها ولا لقبها.
كان مكتوبًا فقط
هنا نُكرّم إنسانة لم تهرب عندما خاف الجميع.
وانصرف الناس، لكن بقيت أمام التمثال وردة بيضاء يضعها كل من تعلّم الإسعافات الأولية، وكل من أنقذ روحًا بسبب الدرس الذي بدأ من تلك الليلة.
وهكذا انتهت