بعد وفاة اختى

لمحة نيوز

كل أفراد العائلة وأطفال المؤسسة.
ثم وقف أمام الجميع وقال
لو سألني حد مين أغنى إنسان شفته في حياتي؟
هقول الراجل اللي فتح بيته لطفل صغير، وما استنى منه أي مقابل.
ثم اقترب مني، وعانقني طويلًا، وهمس في أذني
شكرًا يا أبي... لأنك من يوم دخلت بيتك، عمري ما حسيت إني يتيم. بعد أشهر من عيد ميلادي، كنت أجلس في شرفة المنزل أحتسي الشاي، عندما جاء ياسين وجلس بجانبي.
ظل صامتًا لدقائق، ثم قال
يا أبي... أنا هتجوز.
ابتسمت وقلت
أخيرًا! ومن هي العروسة؟
أخرج صورة من محفظته.
كانت فتاة تعمل متطوعة في المؤسسة منذ سنوات، معروفة بأخلاقها وحبها للأطفال.
قلت وأنا أبتسم
ربنا يتمم لكم على خير.
ابتسم ياسين وقال
لكن عندي طلب.
اطلب.
يوم كتب الكتاب... أنت اللي هتقف مكاني، وتقول للمأذون إنك ولي أمري، لأنك أبويا.
لم أستطع الرد.
احتضنته فقط.
وفي يوم الزفاف، امتلأت القاعة بالأقارب والأصدقاء، ومعهم عشرات الأطفال الذين ساعدتهم المؤسسة على مر السنين.
وعندما سأل المأذون
والد العريس؟
رفع ياسين يده نحوي وقال بصوت واضح
هو.
التفتت كل الأنظار إليّ.
اقتربت بخطوات بطيئة، والدموع تملأ عيني.
وضعت يدي على كتف ياسين، وقلت
يشرفني يا ابني.
تم عقد القران وسط فرحة الجميع.
وبعد انتهاء الحفل، فاجأني ياسين مرة أخرى.
أعطاني علبة صغيرة.
فتحتها.
وجدت بداخلها مفتاح سيارة جديدة.
قلت بدهشة
إيه ده؟
ابتسم وقال
أول ما اشتغلت، وعدت نفسي إن أول نعمة كبيرة ربنا يرزقني بيها، هيكون ليك نصيب منها.
قلت له
وجودك في حياتي أكبر هدية.
هز رأسه وقال
وأنت وجودك هو السبب في حياتي كلها.
مرّت السنوات، ورُزق ياسين بطفل.
وحين حمله بين يديه لأول مرة، نظر إليّ وقال
عرفت دلوقتي معنى الأب الحقيقي.
ثم وضع الطفل بين ذراعي، وقال
اتفضل يا جدو... شيل حفيدك.
حملت الصغير،
وشعرت أن الحياة دارت دورتها كاملة.
طفل فقد كل شيء...
كبر، وصنع بيتًا مليئًا بالمحبة، ثم صار أبًا يمنح ابنه الأمان الذي عاش يبحث عنه يومًا.
وفي تلك اللحظة، أيقنت أن الخير الذي يُزرع في قلب طفل، قد يثمر أجيالًا كاملة من الرحمة والمحبة. بعد عدة أشهر، بدأت أشعر بتعب شديد.
في البداية أخفيت الأمر عن الجميع، وكنت أقول
مجرد إرهاق.
لكن ياسين لاحظ أنني لم أعد أقوى على صعود السلم، وأن يدي أصبحت ترتجف كلما أمسكت كوب الشاي.
وفي صباح أحد الأيام، دخل غرفتي وقال بحزم
يلا يا أبي... هنروح المستشفى.
حاولت أرفض.
لكنه ابتسم وقال
فاكر لما كنت صغير وكنت بتجبرني آخذ الدوا؟ النهارده الدور عليّا.
ضحكت ووافقت.
بعد الفحوصات، قال الطبيب
الحمد لله، مفيش حاجة خطيرة، لكن لازم ترتاح وتقلل المجهود.
من يومها، تغيّر كل شيء.
كان ياسين يمر عليّ كل صباح قبل شغله.
يحضر لي الإفطار بنفسه.
ويتأكد أنني أخذت الدواء.
وإذا احتجت شيئًا، كان يترك كل ما في يده ويأتي.
وفي إحدى الليالي، استيقظت على صوت خافت في غرفة الجلوس.
خرجت لأرى ماذا يحدث.
فوجدت ياسين يجلس وحده، ينظر إلى صورتي مع أمه.
وكان يبكي.
لم يشعر بوجودي.
سمعته يقول
يا أمي... زمان هو أنقذني من الوحدة... وأنا خايف ييجي اليوم اللي أصحى فيه وما ألاقيهوش.
رجعت إلى غرفتي دون أن يشعر.
وفي الصباح، ناديته.
ولما دخل، قلت له
اقعد جنبي.
جلس وهو يبتسم.
أمسكت يده وقلت
اسمعني كويس... العمر بيد ربنا، لكن أهم حاجة إنك تكمل الطريق.
هز رأسه وهو يحاول يخفي دموعه.
قلت
أوعى توقف المؤسسة... وأوعى تخلي طفل يحس إنه وحيد.
وعدني وهو يمسك يدي بقوة.
وبعد سنوات، رحلت بهدوء، وأنا محاط بعائلتي.
وفي جنازتي، وقف ياسين أمام الناس، لكنه لم يتحدث عن نجاحي في العمل، ولا عن المال الذي جمعته.
قال فقط
هذا
الرجل لم يكن أبي بالدم... لكنه علّمني أن الأبوة موقف، وليست نسبًا.
ثم أخرج من جيبه مفتاح البيت القديم.
ورفعه أمام الجميع وقال
هذا البيت فتح بابه لطفل صغير قبل عشرات السنين... واليوم، بسببه، آلاف الأطفال وجدوا بيوتًا وقلوبًا تحتضنهم.
وبينما كان الجميع يغادر المقبرة، بقي ياسين وحده.
وضع يده على شاهد قبري وقال بصوت مملوء بالامتنان
نم مطمئنًا يا أبي... سأظل أفتح الباب لكل طفل يحتاج إلى بيت، كما فتحت بابك لي يومًا.
ثم ابتسم، ومسح دموعه، وعاد ليكمل الرسالة التي بدأت قبل سنوات... رسالة الرحمة التي لا تموت. مرت عشرة أعوام أخرى.
كبر حفيدي، وكان اسمه سليم.
وفي أحد الأيام، دخل غرفتي وهو يحمل حصالة زرقاء صغيرة.
ابتسم وقال
جدو... ممكن أسألك سؤال؟
قلت مبتسمًا
طبعًا يا حبيبي.
وضع الحصالة أمامي وقال
بابا اداني مصروف كل أسبوع، وأنا كنت بجمعه. النهارده عايز أفتحه.
فتحتها معه.
وجدت بداخلها بعض النقود، وورقة صغيرة مطوية.
فتحت الورقة.
كان مكتوبًا بخط ياسين
لو فتحت الحصالة مع جدك، قوله يقرأ الرسالة بصوت عالي.
نظرت إلى ياسين، الذي كان يقف عند الباب مبتسمًا.
بدأت أقرأ
يا أبي... من سنين طويلة، فتحت حصالة كانت مليانة خوف. النهارده بنفتح حصالة مليانة أمل. زمان كنت طفل فاكر إن الحب له تمن. أما ابني، فأول حاجة هيتعلمها إن الحب رزق من ربنا، وما بيتحاسبش عليه. ولو في يوم سألك مين أحسن أب في الدنيا؟ قوله الحقيقة... إنه جده.
لم أستطع إكمال القراءة.
اختنق صوتي بالبكاء.
ركض سليم نحوي، واحتضنني وهو لا يفهم سبب دموعي.
قال ببراءة
جدو... زعلت؟
ضحكت وسط دموعي.
وقلت
دي دموع فرحة يا حبيبي.
اقترب ياسين، وقبّل رأسي كما كنت أفعل معه وهو صغير.
وقال
الدور جه عليّ أرد جزءًا صغيرًا من اللي عملته معايا.
ابتسمت وقلت
أنت رديته
من زمان... يوم ناديتني لأول مرة يا
أبي.
في تلك الليلة، جلست وحدي أتأمل صور العائلة.
صورة أختي...
وصورة ياسين وهو طفل...
وصورة زفافه...
وصورة حفيدي وهو يضحك.
وأدركت أن الإنسان قد لا يترك وراءه ثروة أو قصورًا...
لكنه إذا ربّى قلبًا صالحًا، فقد ترك ميراثًا لا ينتهي.
وهكذا استمرت الحكاية... من قلبٍ احتضن طفلًا يتيمًا، إلى عائلة كاملة تعلّمت أن الرحمة هي أغلى ما يمكن أن يورثه الإنسان. بعد أربعين يومًا من رحيلي، اجتمعت العائلة كلها في البيت الذي شهد بداية الحكاية.
كان ياسين يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا كنت قد تركته له مع وصية، وطلبت ألا يفتحه إلا بعد وفاتي.
فتح الصندوق أمام الجميع.
وجد بداخله ساعة قديمة كنت أرتديها دائمًا، ومفتاح البيت الأول، ورسالة بخط يدي.
فتح الرسالة، وبدأ يقرأ بصوتٍ مرتجف
يا ياسين... إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني رحلت، لكن لا تحزن. يوم دخلت بيتنا طفلًا صغيرًا، كنت أظن أنني أنقذك من اليُتم. وبعد سنوات، اكتشفت أنك أنت من أنقذت قلبي من الوحدة. لم أرزق بابنٍ أنجبه، لكن الله رزقني بابنٍ اختاره لي. وإذا أردت أن ترد لي الجميل، فلا تضع وردًا على قبري كل أسبوع، ولا تبكِ عليّ طويلًا. افتح باب بيتك لمن يحتاج الأمان، كما فتحتُ باب بيتي لك. عندها فقط سأكون مطمئنًا.
ساد الصمت.
لم يتمالك أحد دموعه.
طوى ياسين الرسالة، وقبّلها، ثم قال أمام الجميع
أوعدك يا أبي... إن باب بيتي هيبقى مفتوح لكل محتاج، طول ما أنا عايش.
وبعد سنوات، كبر أحفاده، وكان كل طفل يسأل
مين الراجل اللي صورته معلقة في كل غرفة؟
فيبتسم ياسين ويجيب
ده أبويا... الراجل اللي علمني إن الإنسان ممكن يغيّر حياة طفل بقرار واحد... إنه يحبه.
وهكذا بقي اسمه حيًا، لا على لافتة شارع، ولا في حساب بنكي، ولا في ميراث كبير.
..
بل في دعوة صادقة من يتيمٍ وجد بيتًا، ومن أسرةٍ عادت إليها الطمأنينة، ومن طفلٍ كبر وهو يعرف أن الرحمة هي أعظم إرث يمكن أن يتركه الإنسان.
تمت.

تم نسخ الرابط