بعد وفاة اختى
المحتويات
راتبه كل شهر لصندوق يساعد الأطفال الأيتام في دفع مصاريف الدراسة وشراء الكتب والملابس.
ونظر إليّ أمام الجميع وقال
كل طفل هيتعلم بسبب الصندوق ده، هيكون ليك فيه أجر، لأنك كنت السبب إني أكمل تعليمي وما أحسش يوم إني لوحدي.
لم أتمالك نفسي، واحتضنته وسط تصفيق الجميع.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن أختي، أينما كانت، مطمئنة على ابنها.
فقد تركت طفلًا يتيمًا...
وأصبح رجلًا يصنع الأمل لغيره بعد مرور عامين، طرق باب المؤسسة شاب في أوائل العشرينات، وبصحبته طفل صغير لا يتجاوز السابعة.
كان الطفل ممسكًا بيده بقوة، وكأنه يخشى أن يتركه.
استقبله ياسين بنفسه.
وسأله
أقدر أساعدكم؟
قال الشاب
أنا اتربيت في دار أيتام... وما لقيتش حد يسندني غير ناس طيبين. دلوقتي أخويا الصغير بقى لوحده بعد وفاة والدتي، وأنا خايف عليه يعيش اللي أنا عشته.
ابتسم ياسين، وجلس أمام الطفل.
وقال له
اسمك إيه؟
رد الصغير بصوت خافت
آدم.
ابتسم ياسين.
يا آدم... من النهارده، إنت مش لوحدك.
كان المشهد يعيدني سنوات طويلة إلى الوراء.
رأيت في آدم ملامح ياسين وهو طفل.
ورأيت في ياسين نفسي عندما احتضنته لأول مرة.
بعد عدة أشهر، نجحت المؤسسة في توفير منحة دراسية لآدم، وساعدت أخاه في الحصول على عمل ثابت، حتى استطاعا الوقوف على أقدامهما.
وفي يوم
وقال أمام الجميع
الناس فاكرين إن البطل هو اللي ينقذ حد مرة واحدة... لكن البطل الحقيقي هو اللي يفضل واقف جنبك سنين من غير ما يزهق.
نظر إليّ ياسين وابتسم.
ثم همس لي
فاكر لما كنت بجمع ثمن الأكل؟
ضحكت لأول مرة كلما تذكرت تلك الحصالة.
قلت له
الحمد لله إنك فهمت إن الحب عمره ما كان له تمن.
ابتسم وأخرج من جيبه الورقة القديمة التي كتب عليها يومًا
ثمن الطعام الذي أكلته عند خالي.
ثم مزقها إلى قطع صغيرة، وتركها تطير مع الهواء.
وقال
النهارده انتهى آخر دين كنت متخيله... وما بقاش في قلبي غير الامتنان.
نظرت إلى السماء، وتمتمت
رحمكِ الله يا أختي... لقد تركتِ لي أمانة، وكانت أعظم نعمة في حياتي.
النهاية مرّت خمس سنوات أخرى.
وفي إحدى الأمسيات، عاد ياسين إلى البيت وهو يحمل ملفًا أزرق.
قال لي بابتسامة
يا أبي... عندي خبر.
توقفت عن قراءة الجريدة.
خير يا ابني؟
وضع الملف أمامي.
فتحته، فوجدت عقد تأسيس مؤسسة خيرية.
رفعت رأسي إليه.
مؤسسة؟
قال
اسمها بيت الأمان.
سألته
وإيه هدفها؟
ابتسم وقال
أي طفل يفقد أبوه أو أمه، يلاقي حد يقف جنبه من غير ما يحس إنه عبء... زي ما أنت عملت معايا.
لم أستطع أن أتكلم.
كانت الكلمات تخونني.
وفي يوم افتتاح المؤسسة،
وقف ياسين على المنصة وقال
وأنا عندي تماني سنين، فقدت أمي وأبويا. كنت فاكر إن حياتي انتهت، لكن ربنا رزقني برجل علمني إن الأب مش لازم يكون اللي خلّفك... الأب هو اللي يحتويك ويحميك ويخاف عليك.
ثم أشار إليّ أمام الجميع.
وقف الحاضرون يصفقون بحرارة.
شعرت بالخجل، لكن قلبي كان يمتلئ بالفخر.
وبعد انتهاء الحفل، اقترب مني طفل صغير كان يمسك يد أخته.
قال
حضرتك بابا ياسين؟
ابتسمت وقلت
أيوه.
ابتسم الطفل وقال
نفسي لما أكبر أبقى زي ياسين... وألاقي حد يحبني زي ما حضرتك حبيته.
ركعت أمامه وربتُّ على كتفه.
وقلت
وأنت كمان هتكبر، وهتبقى إنسان طيب، ويمكن في يوم من الأيام تكون سبب في إنقاذ حياة طفل تاني.
نظر إليّ ياسين وابتسم.
وقال بهدوء
الخير عمره ما بيقف عند شخص... الخير بيكبر، وكل واحد بيسلمه للي بعده.
عدنا إلى المنزل في تلك الليلة، وجلست أنظر إلى صورة أختي المعلقة على الحائط.
ابتسمت وقلت في سري
اطمني... ابنك بقى راجل، وخلّى إحسانك يعيش في قلوب ناس كتير.
وانتهت القصة، لكن أثر الرحمة الذي بدأ بقرار احتضان طفل يتيم... ظل يكبر عامًا بعد عام، ويصنع حياةً جديدة لكل من احتاج إلى يدٍ حانية بعد انتهاء الحفل، وبينما كنا نستعد لإغلاق المؤسسة، اقترب مني ياسين وقال
يا أبي...
سألته
إيه هي؟
ابتسم وقال
تعال معايا.
ركبنا السيارة، وتوجهنا إلى المقبرة.
وقف أمام قبر أمه، ووضع باقة من الزهور، ثم جلس على ركبتيه.
قال بصوت اختلطت فيه الدموع بالابتسامة
يا أمي... زمان كنت بخاف إنك تكوني زعلانة إني بقيت يتيم. لكن دلوقتي أنا مطمن، لأن ربنا عوضني بأب ما حرمنيش من الحنان يوم.
ثم التفت إليّ.
وقال
تعالى.
وقفت بجواره.
فقال وهو يمسك يدي
لو ماما كانت عايشة، كانت أول واحدة تشكرك.
لم أتمالك نفسي، وانهمرت دموعي.
قلت له
أنا ما عملتش غير الواجب.
ابتسم وقال
لا... الواجب بيخلص، لكن الحب اللي قدمته عمره ما خلص.
وفي طريق العودة، توقف أمام محل صغير.
دخل واشترى إطارًا خشبيًا أنيقًا.
ثم أخذ الورقة القديمة التي كانت فوق الحصالة.
لم يمزقها هذه المرة.
بل وضعها داخل الإطار، وأسفلها كتب جملة جديدة
كنت أظنها ثمن الطعام... ثم اكتشفت أنها كانت ثمن الخوف الذي عشته صغيرًا.
وعلّق الإطار في مكتبه داخل المؤسسة.
كل من كان يسأله عن القصة، كان يبتسم ويقول
أوعوا تخلوا طفل يحس إنه حمل على حد... لأن الكلمة اللي بتتقال لطفل، ممكن يعيش عمره كله وهو بيصدقها.
وبمرور السنوات، كبرت المؤسسة، وأصبح لها فروع في أكثر من مدينة.
وكان ياسين يزور كل فرع بنفسه، ويجلس مع الأطفال،
ماحدش فيكم مديون لحد لأنه اتربى واتحب... دي حقوقكم، مش منّة من حد.
وفي عيد ميلادي السبعين، جمع ياسين
متابعة القراءة