كنت بروح اساعد
الفلوس فضلت أمانة عندي. فضلت أدور عليكي سنين، لكن سافرت من البلد، ولما رجعت عرفت اللي حصل معاكي الأيام اللي فاتت، فعرفت إن الوقت جه أسلمك الأمانة.
أحمد بص للرجل بدهشة.
وقال
يعني... بابا كان سايب فلوس؟
رد الرجل
أكتر من فلوس... كان سايب وصية.
طلع ظرفًا صغيرًا وسلمه للحاجة فاطمة.
فتحت الظرف...
وكانت آخر جملة فيه
لو في يوم حسّيتي إن الدنيا كسرتك، افتكري إن كرامتك أغلى من أي مال، وإن ابننا لو غلط، اديله فرصة يتعلم... لأنه اتربى على إيدك، وأنا واثق إن الخير اللي غرستيه فيه عمره ما هيموت.
أحمد لم يتمالك نفسه.
احتضن أمه وهو يبكي لأول مرة منذ وفاة والده.
هذه المرة...
لم تبعده.
وضعت يدها على رأسه وقالت بصوت هادئ
أنا مسامحاك يا ابني... لكن أوعى
سادت لحظة صمت...
ثم ابتسمت وهي حملت حفيدها بين ذراعيها.
وقالت وهي تقبّل جبينه
أنا مش عايزة من الدنيا غير إن الولد ده يكبر ويتعلم إن أغلى حاجة يملكها الإنسان... سمعته وثقة أهله فيه.
وانتهت الأزمة، لكن الدرس الذي تعلمه أحمد وزوجته ظل يرافقهما طوال حياتهما، وأصبحا يرويانه لكل من يظن أن الاتهام أسهل من التثبت من الحقيقة النهاية
مر شهر كامل...
وخلال الشهر ده، أحمد ودنيا كانوا كل يوم يزوروا الحاجة فاطمة، لكنها كانت تتعامل معاهم بأدب... وبحدود.
سامحتهم...
لكن الجرح كان لسه محتاج وقت.
وفي يوم، الحاجة فاطمة عزمتهم على الغدا في بيتها.
أحمد استغرب، لأن دي كانت أول
دخلوا البيت...
لقوه متروق، وريحة الأكل مالية المكان.
الحفيد أول ما شاف جدته جري عليها، حضنته وباسته وهي بتضحك لأول مرة من أيام طويلة.
بعد الغدا...
قامت الحاجة فاطمة وجابت علبة خشب صغيرة.
حطتها قدام أحمد وقالت
افتحها.
فتحها...
لقى فيها كل المصوغات الذهبية اللي كانت تملكها.
وقال بدهشة
إيه ده يا أمي؟
ابتسمت وقالت
دي كل تحويشة عمري... كنت مخبياها ليك من يوم أبوك مات.
أحمد رجع العلبة بسرعة.
لا يا أمي... أنا مليش حق فيها.
قالت وهي تنظر له بثبات
عارف ليه رجعتها؟
هز رأسه بالنفي.
قالت
لأنك اتعلمت إن الذهب بيتعوض... لكن الأم لأ.
ثم التفتت إلى دنيا.
وقالت
وإنتِ يا بنتي... خلي اللي حصل بينا درس ليكي. قبل ما تتهمي
انفجرت دنيا في البكاء، وحضنت حماتها وهي بتقول
وعد... عمري ما هحكم على حد من غير دليل.
ابتسمت الحاجة فاطمة، وربتت على رأس حفيدها.
وقالت
أنا مش عايزة منكم فلوس، ولا هدايا... عايزة بس لما ابنكم يكبر، يطلع راجل يعرف يحفظ كرامة الناس، ويقف مع المظلوم حتى لو كان أقرب الناس ليه.
خرج أحمد من بيت أمه وهو ماسك إيدها.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يتركها تعود وحدها.
ومن يومها، أصبح يمر عليها كل صباح قبل شغله، ويتغدى معها كل جمعة، وأصبحت دنيا تعتبرها أمًا ثانية، لا حماة.
أما الأسورة...
فبقيت محفوظة داخل العلبة، ليس لأنها أغلى قطعة ذهب...
بل لأنها أصبحت تذكارًا لليوم الذي كادوا
تمت.