كنت بروح اساعد
المحتويات
من البيت، وهو لا يعرف إلى أين يذهب أولًا...
إلى بيت أمه...
أم إلى كل مكان يمكن أن يجدها فيه...
وكان قلبه يردد جملة واحدة
يارب ألحقها قبل ما تقفل بابها في وشي للأبد...أحمد نزل يجري على السلم حتى إنه نسي يركب الأسانسير.
راح على بيت أمه...
طلع الدور وهو بينهج، وخبط على الباب بعنف.
يا أمي!... افتحي... أنا أحمد!
مفيش رد.
خبط تاني، وتالت...
لحد ما الجارة اللي قدامها فتحت الباب وقالت بحزن
بتدور على والدتك يا ابني؟
لف ناحيتها بسرعة.
أيوه... هي فين؟
تنهدت وقالت
مشيت من الفجر.
اتجمد مكانه.
مشيت؟ راحت فين؟
معرفش... بس قبل ما تمشي نادتني، وسلمتني مفتاح الشقة وقالت لو أحمد جه، اديله المفتاح وقوله البيت مفتوح، لكن يمكن أول مرة يحس قد إيه البيت ده كان وحيد.
أخد المفتاح وإيده بترتعش.
فتح الشقة...
أول ما دخل، حس إن البيت رغم هدوئه بيصرخ.
كل حاجة مكانها...
السجادة اللي كان بيلعب عليها وهو صغير.
صورته وهو لابس بدلة التخرج.
ألعابه القديمة مترتبة في صندوق.
حتى الكوب اللي كان بيشرب فيه وهو طفل، أمه محتفظة بيه.
لكن أكتر حاجة وجعته...
كانت السفرة.
طبق واحد...
وكوباية واحدة.
عرف ساعتها إن أمه كانت بتعيش سنين لوحدها، ومستنية مكالمة منه أو زيارة.
قعد على الكنبة وهو بيبكي.
وفجأة لمح ورقة تحت إطار صورته.
سحبها بسرعة.
كان مكتوب فيها
كل سنة في عيد ميلادك، كنت بعمل أكلة بتحبها، حتى لو كنت مبتجيش. كنت بحطلك الطبق قدامي، وأقول يمكن السنة دي يفتكر أمه.
أحمد انفجر في البكاء.
في اللحظة دي...
رن تليفونه.
كان رقم غريب.
رد بسرعة.
ألو!
جاله صوت راجل كبير في السن.
حضرتك ابن الحاجة فاطمة؟
أيوه... حضرتك تعرف أمي؟
الحاجة فاطمة عندنا من الصبح... كانت جاية تتبرع بحاجات للأسر المحتاجة، لكن للأسف وهي خارجة تعبت فجأة، والدكتور قال ترتاح
أحمد حس إن روحه رجعت.
قال بسرعة
العنوان... بالله عليك اديني العنوان.
الراجل قاله العنوان...
فقفل أحمد التليفون، وجرى ناحية عربيته بكل قوته...
وقلبه بيدعي
يارب تكون لسه قدامي فرصة أصلح اللي انكسر...
لكن أول ما وصل للمكان...
شاف منظر خلى قلبه يقف لحظة... ولم يعرف هل جاء في الوقت المناسب... أم تأخر بالفعل أحمد وقف بالعربية قبل ما يطفي الموتور.
نزل يجري وهو بينادي
أمي!... يا أمي!
دخل الجمعية وهو نفسه مقطوع.
لقى الناس واقفين في هدوء، وكلهم باصين ناحية أوضة صغيرة آخر الممر.
قلبه وقع.
جري عليها، وفتح الباب بعنف.
لكن أول ما دخل...
اتنفس الصعداء.
أمه كانت قاعدة على كرسي، والدكتور بيقيسلها الضغط.
وشها كان شاحب، لكنها كانت واعية.
أول ما شافته...
بصتله ثانية واحدة، وبعدين حولت وشها الناحية التانية.
أحمد وقع على ركبته قدامها.
ومسك إيدها وهو بيعيط زي الطفل.
سامحيني يا أمي... والله أنا غلطت... أنا استاهل أي عقاب.
سحبت إيدها بهدوء.
وقالت بصوت مكسور
أنا ربيتك سبعة وعشرين سنة يا أحمد... والثقة اللي بينا وقعت في سبع ثواني.
أحمد معرفش يرد.
كانت كل كلمة بتدخل في قلبه.
دخلت مرات أحمد في اللحظة دي وهي بتجري.
وشها كله دموع.
وأول ما شافت حماتها...
وقعت عند رجلها.
حقك عليا يا ماما... أنا ظلمتك... سامحيني.
الحاجة فاطمة بصتلها بحزن.
وقالت
أنا كنت هسامحك من أول لحظة... لأنك مش بنتي وتقدري تغلطي.
وسكتت لحظة...
وبعدين بصت ناحية أحمد.
لكن إنت... إنت ابني.
نزل أحمد برأسه للأرض.
معرفش يبصلها.
في اللحظة دي...
دخلت والدة مرات أحمد وهي شايلة علبة الدهب.
وقالت وهي بتلهث
لقيت الأسورة في جيب شنطة البيبي الصغيرة... واضح وإحنا بننقل الحاجات بعد الولادة اتحطت فيها من غير ما حد ياخد باله.
وسلمت العلبة للحاجة فاطمة.
لكن الحاجة
قالت بهدوء
الأسورة رجعت... لكن الكلمة اللي اتقالت مش هترجع.
ساد الصمت.
وكل اللي في الأوضة كانت عيونهم مليانة دموع.
أما أحمد...
فقال بصوت مخنوق
يا أمي... ارجعي البيت... وأنا أوعدك عمري ما هسيبك لوحدك تاني.
الحاجة فاطمة بصت له طويلًا...
ثم قالت بهدوء
الرجوع سهل يا ابني... لكن استرجاع الثقة محتاج وقت.
وسكتت.
ثم أضافت
ولو فعلًا ندمان... أثبتلي بأفعالك، مش بكلامك.
وانتهى الموقف على نظرات صامتة...
وأحمد أدرك لأول مرة أن بعض الجروح قد تُسامَح... لكنها لا تُنسى بسهولة مرت أيام...
وأحمد كان كل يوم بعد الشغل يروح يقف قدام بيت أمه.
يرن الجرس...
ولو فتحت، يسيبلها أكلة كان عاملها بإيده أو دوا كانت بتحتاجه، ويمشي من غير ما يضغط عليها.
ولو مفتحتش...
كان يحط الحاجة قدام الباب ويمشي في هدوء.
الحاجة فاطمة كانت بتشوف كل ده من عين الباب...
لكن قلبها كان لسه موجوع.
أما دنيا...
فمن يوم اللي حصل، مبقتش تعرف تنام.
كل ما تبص في وش ابنها الصغير، تفتكر إن الست اللي كانت بتسهر تشيله بالساعات هي نفسها اللي اتهمتها بالسرقة.
وفي يوم...
قالت لأحمد
أنا لازم أروح أعتذرلها قدام كل الناس... بنفس الطريقة اللي جرحتها بيها.
أحمد وافق من غير تردد.
وفي الجمعة اللي بعدها...
كانت كل العيلة متجمعة في بيت خال أحمد، عشان سبوع ابنهم.
وأول ما الحاجة فاطمة دخلت...
الكل قام يسلم عليها.
لكن فجأة...
دنيا وقفت في نص القعدة.
وقالت بصوت عالي
استنوا يا جماعة... قبل أي حاجة، أنا لازم أقول كلمة.
كل الموجودين بصوا لها باستغراب.
قربت من حماتها...
وبدون أي تردد...
انحنت وباست إيدها قدام الجميع.
وقالت وهي بتبكي
أنا ظلمتك يا ماما... واتهمتك في شرفك، وأذيتك قدام ابنك. والأسورة طلعت عند أمي، وأنا السبب في كل اللي حصل. سامحيني لو تقدري.
القاعة كلها سكتت.
حتى اللي مكانوش يعرفوا الحقيقة، عرفوها في اللحظة دي.
الحاجة فاطمة سحبت إيدها برفق.
ورفعت دنيا من على الأرض.
وقالت بهدوء
أنا مش مستنية اعتذار قدام الناس... أنا كنت مستنية إنكم تتعلموا إن سمعة الإنسان أغلى من أي دهب.
وفجأة...
قام عم أحمد، وكان أكبر واحد في العيلة، وقال
من النهارده... أي حد يفكر يتهم حد من غير دليل، يفتكر اللي حصل للحاجة فاطمة. لأن الكلمة ممكن تهد بيت كامل.
الجميع هز رأسه في صمت.
لكن في نفس اللحظة...
دخل شاب صغير من الباب وهو بينادي
الحاجة فاطمة... في واحد بره بيسأل عليكي، وبيقول إنه يعرف المرحوم جوزك، ومعاه أمانة بقالها أكتر من عشرين سنة ولازم تتسلم ليكي النهارده.
الحاجة فاطمة عقدت حاجبيها بدهشة...
وقالت
أمانة؟!... بعد عشرين سنة؟!
ونظرت إلى أحمد...
ثم اتجهت نحو الباب، دون أن تعرف أن الرجل الذي ينتظرها سيكشف سرًا قديمًا سيغيّر نظرتها لأحداث كثيرة في حياتها الحاجة فاطمة خرجت بخطوات بطيئة.
كل اللي في البيت خرجوا وراها بدافع الفضول.
كان واقف قدام الباب راجل كبير في السن، شعره كله أبيض، وساند على عصاية.
أول ما شافها، ابتسم وقال
إنتِ فاطمة؟
هزت رأسها.
قال
أنا اسمي الحاج عبد الرحيم... كنت شريك جوزك الله يرحمه.
اتسعت عيناها.
شريك جوزي؟! بس هو عمره ما قالي إنه كان ليه شريك.
ابتسم الرجل بحزن.
لأنه كان راجل كتوم... وكان بيحب يعمل الخير في السر.
فتح شنطة جلد قديمة، وأخرج منها دفتر صغير أصفر.
وقال
قبل ما يتوفى بأسبوع، اداني الدفتر ده وقاللي لو جرالي حاجة، متسلمهوش لمراتي غير لما تحس إنها محتاجاه بجد.
الحاجة فاطمة أخذت الدفتر وهي ترتجف.
فتحت أول صفحة...
ولقت خط جوزها.
يا فاطمة... لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا خلاص بقيت عند رب كريم. سامحيني إني مخبي عليكي حاجات، لكني كنت
دموعها نزلت من غير ما تحس.
قلبت الصفحة...
فلقت إيصال أمانة قديم، وعقد وديعة باسمها.
الحاج عبد الرحيم قال
جوزك كان كل شهر يحوش جزء من شغله معايا، ولما مات،
متابعة القراءة