طول منا موجوده
المحتويات
مش هو الشخص الوحيد اللي كان له حق يعرف بوجودك.
رفعت عيني ناحية أمي.
يعني إيه الكلام ده؟
ما ردتش.
كانت أول مرة أشوفها مكسورة بالشكل ده.
عم فؤاد قعد على الكرسي، وأخذ نفس طويل وقال
يا محمود... قبل ما تسمع أي حاجة، لازم تعرف إن أمك عملت أخطاء، لكن كان عندها أسباب.
ضحكت بمرارة.
أسباب؟ يعني نخبي عني حاجة تخص حياتي ٣٠ سنة ونقول أسباب؟
أبويا كان ساكت.
وده كان أكتر شيء وجعني.
لأن سكوت أبويا معناه إن الموضوع أكبر مما كنت متخيل.
قلبت الورقة.
كان فيها كلام مكتوب بخط امرأة.
خط مش مألوف.
بدأت أقرأ
محمود... لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى الوقت جه تعرف الحقيقة.
توقفت لحظة.
أنا ما كنتش عايزة أختفي من حياتك، لكن الظروف خلتني أعمل قرار صعب...
رفعت رأسي بسرعة.
مين اللي كاتبة الرسالة دي؟
عم فؤاد بص لأمي.
أمي أغمضت عينيها.
ثم قالت بصوت ضعيف
أمك.
تجمدت.
إيه؟
أشارت ناحية الورقة.
أمك اللي ولدتَك.
حسيت إن الكلام فقد معناه.
يعني إيه؟ إنتِ أمي!
بكت لأول مرة.
أنا ربيتك يا محمود... لكن قبل ما أكون أمك، كان فيه حكاية تانية.
سادت لحظة صمت طويلة.
ندى كانت بتسمع، لكن التعب غلبها، فشدت على إيدي وقالت
محمود... اقعد الأول.
جلست وأنا مش قادر أستوعب.
عم فؤاد قال
أمك كانت صغيرة جدًا وقتها، وحصلت ظروف خلتها تسيبك عندي فترة... وبعدها أنا وأبوك خدناك وربيناك.
بصيت لأبويا
وأنت كنت عارف؟
هز رأسه ببطء.
عرفت بعدين.
وسبتوني أعيش كل السنين دي وأنا فاكر إن الحكاية كلها واضحة؟
أبويا نزل عينه.
لكن قبل ما يكمل...
صدر صوت من موبايل أمي.
رسالة جديدة وصلت.
المرة دي لمحت الاسم.
لم يكن اسم منى.
كان اسم شخص غريب.
فتحت أمي الرسالة بسرعة، لكني كنت أسرع.
وقعت عيني على أول سطر
لقد عرفت أنه بدأ يسأل... لازم ننفذ الخطوة الأخيرة قبل ما محمود يعرف كل شيء.
رفعت الموبايل ببطء.
وبصيت لأمي.
مين الشخص ده؟
ولأول مرة...
أمي قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
محمود... الموضوع مش بس عن الماضي... في حد دلوقتي بيحاول ياخد منك حاجة بصيت للموبايل في إيدي، والكلمات قدامي واضحة
لازم ننفذ الخطوة الأخيرة قبل ما محمود يعرف كل شيء.
حسيت إن البيت كله بقى غريب.
نفس الحيطان اللي عشت فيها... نفس الناس اللي وثقت فيهم... لكن فجأة بقيت حاسس إن فيه حاجات كتير بتحصل ورا ضهري.
رفعت عيني لأمي
مين
سكتت.
قلت بصوت أعلى
بسألك مين ده؟
أبويا قرب منها وقال
كفاية يا أم محمود... خلاص اتكشف كل شيء.
أمي قعدت على الكرسي، وحطت إيديها على وشها.
لأول مرة ما شفتهاش قوية.
قالت بصوت مبحوح
الشخص ده... هو اللي كان بيساعدني.
استغربت.
يساعدك في إيه؟
بصت ناحية ندى والبيبي.
وسكتت.
فهمت من نظرتها إن الموضوع له علاقة بالبيت.
قربت خطوة.
ماما... انطقي.
قالت
كان المفروض إنك تفضل محتاجني.
اتجمدت.
يعني إيه؟
دموعها نزلت.
لما اتجوزت يا محمود... حسيت إنك بتبعد عني. كل وقتك بقى لندى، وكل اهتمامك بقى بيتك الجديد.
ندى بصت للأرض بحزن.
أمي كملت
كنت خايفة أخسرك.
قلت وأنا مش مصدق
فعشان كده عملتي كل ده؟ قفلتي المطبخ؟ حرمتي مراتي من أكلها؟ خبّيتي عني فلوس وحاجات؟
ما ردتش.
والصمت كان اعتراف.
لكن قبل ما أكمل...
عم فؤاد ضرب على الترابيزة بإيده وقال
لا يا محمود... فيه جزء لسه ما تعرفوش.
بصيت له.
قال
أمك ما كانتش بتتصرف لوحدها.
اتلفت ناحيته.
يعني إيه؟
طلع ورقة صغيرة من جيبه.
الرسائل اللي على موبايلها مش جديدة... الشخص ده كان بيضغط عليها من شهور.
أخدت الورقة.
كان فيها رقم هاتف ومواعيد.
وتحتها جملة
بعد ما محمود يمضي الورق... كل شيء هيخلص.
رفعت رأسي بسرعة.
ورق إيه؟
أمي بدأت تبكي.
لكن أبويا رد
ورق يخص شقتك.
سكت المكان.
أنا دفعت الإيجار، تعبت عشان أجهز البيت، وكنت فاكر إن ده أماني.
قلت
إيه اللي حصل في شقتي؟
عم فؤاد قرب وقال
قبل ولادة بنتك بأيام... حد حاول يخليك تمضي على أوراق من غير ما تعرف حقيقتها.
نظرت لأمي.
إنتِ كنتِ عايزاني أمضي؟
هزت رأسها وهي تبكي
أنا... ما كنتش أعرف كل التفاصيل.
لكن في نفس اللحظة...
رن جرس الباب مرة أخرى.
الجميع سكت.
هذه المرة لم يكن جرس زيارة.
كان طرقًا قويًا ومتكررًا.
ثم جاء صوت رجل من خلف الباب
محمود... افتح. لازم نتكلم قبل ما تعرف الحقيقة كلها.
نظرت لأبي.
كان وجهه قد تغير.
وقال بصوت منخفض
ده هو.
وأمي همست
يا ساتر... جه بدري ثبت نظري على التوقيع الموجود أسفل الورقة.
إيدي بردت.
أنا أعرف الخط ده.
مش مجرد توقيع شفته مرة أو اتنين...
ده خط عايش معايا من وأنا صغير.
رفعت عيني ببطء ناحية أمي.
إنتِ؟
أمي ما قدرتش ترد.
أبويا شد نفس طويل وقال
محمود... اسمعها قبل ما تحكم.
ضحكت بمرارة.
أسمع إيه؟ إن أمي كانت هتمضيني على
المحامي قفل الملف وقال
التوقيع موجود، لكن لسه فيه حاجة أهم.
بصيت له.
إيه؟
طلع صورة من الملف.
كانت صورة قديمة جدًا.
فيها طفل صغير.
أنا.
ومعايا ست مش فاكرها.
قال
دي الصورة اللي كانت سبب كل المشاكل.
مسكت الصورة.
فضلت أبص فيها.
ملامح الست كانت مألوفة بطريقة غريبة...
كأن عقلي بيحاول يفتكر حاجة مدفونة من زمان.
عم فؤاد قرب مني وقال
دي والدتك اللي ولادتك.
سكت المكان.
ندى بصتلي بحزن.
وأنا حسيت إن كل حاجة اتغيرت في لحظة.
قالت أمي بصوت مكسور
محمود... أنا ما كنتش عايزة أخسرك.
بصيت لها
بس إنتِ كنتِ مستعدة تخسري مراتي وبيتي عشان تفضلي ماسكة كل حاجة.
نزلت دمعة من عينها.
أنا غلطت.
كانت أول مرة أسمعها تعترف.
لكن قبل ما أقدر أقول أي حاجة...
رن موبايل المحامي.
رد بسرعة.
ملامحه اتغيرت.
قال
تمام... ابعتولي العنوان.
قفلت عيني لحظة.
فيه إيه؟
بص لي وقال
فيه شخص تاني لازم يقابلنا.
مين؟
سكت.
ثم قال
الشخص اللي كان بيحاول يخليك تمضي الأوراق.
نظرت لأمي.
ثم لأبي.
مين؟
المحامي قال الاسم...
والاسم وقع عليّ كالصاعقة.
لأن الشخص ده...
ما كانش غريب.
كان حد أنا كنت بثق فيه كل يوم.
وفي نفس اللحظة، وصلني إشعار على الموبايل.
رسالة من رقم مجهول
لو عايز تعرف مين سرق منك سنين حياتك... تعالى لوحدك.
وتحتها كان فيه عنوان.
نظرت للرسالة...
ثم نظرت لندى والبيبي.
لأول مرة حسيت إن الموضوع مش بس كشف ماضي.
كان فيه حد لسه بيلعب في الحاضر فضلت واقف قدام الباب.
الطرقات كانت أقوى.
دق... دق... دق...
البيبي بدأت تتحرك من الصوت، وندى قربت منها بسرعة رغم تعبها، تشيلها وتهديها.
أما أنا...
فكنت واقف بين باب الشقة وبين كل الأسرار اللي اتفتحت في ليلة واحدة.
بصيت لأمي
مين اللي بره؟
ما ردتش.
قلت
ماما... المرة دي مش هينفع تخبي.
أبويا قرب مني وقال بهدوء
افتح... بس خلي بالك. اسمع أكتر ما تتكلم.
مديت إيدي ناحية المقبض.
فتحت الباب.
كان واقف رجل في الخمسينات، لابس بدلة، وفي إيده ملف أسود.
ابتسم أول ما شافني.
أخيرًا قابلتك يا محمود.
بصيت له باستغراب.
حضرتك مين؟
دخل بعينه جوه الشقة، وبص لأمي وأبويا.
ابتسامته اختفت.
واضح إنهم قالوا لك جزء من الحكاية.
اتقدمت خطوة.
أنا سألت سؤال... مين حضرتك؟
فتح الملف وقال
أنا المحامي اللي كان بيتابع موضوع والدك
اتجمدت.
المحامي؟
موضوع والدي؟
بصيت لأبويا.
ملامحه كانت متوترة.
الرجل كمل
أنا جاي قبل ما يحصل تزوير في الأوراق.
نظرت له.
تزوير إيه؟
طلع ورقة من الملف.
الورقة دي كانت هتخليك تتنازل عن حقك في ملكية معينة... من غير ما تعرف.
سكت لحظة، ثم بص ناحية أمي.
واللي ساعد في تجهيزها كان شخص قريب جدًا منك.
الهواء بقى تقيل.
ندى قربت مني وقالت بصوت منخفض
محمود... خليك هادي.
مديت إيدي وأخدت الورقة.
قرأت أول سطر.
وكان مكتوب
إقرار تنازل عن نصيب محمود...
وقفت عند الكلمة.
نصيبي؟
رفعت عيني.
نصيبي في إيه؟
المحامي بص لأبي.
ثم قال
في أملاك والدك القديمة.
اتسعت عيني.
بس أنا عمري ما عرفت إن فيه أملاك.
سكت الجميع.
وهنا...
أمي قالت بصوت مرتجف
لأنها كانت الحقيقة اللي حاولنا نخبيها عنك.
بصيت لها.
إنتِ؟
هزت رأسها والدموع في عينيها.
كنت خايفة لما تعرف... كل حاجة تتغير.
لكن المحامي قاطعها
المشكلة مش إنك عرفت يا محمود...
اقترب وفتح آخر صفحة في الملف.
المشكلة إن فيه حد كان مستعجل جدًا إنك ما تعرفش.
وأشار إلى توقيع أسفل الورقة.
توقيع مألوف.
توقيع شخص من البيت.
وقتها...
عرفت إن الخطر ما كانش من بره بس.
الخطر كان أقرب مما تخيلت تجمدت وأنا شايف الصورة على موبايل أمي.
صورة ندى.
يوم خروجها من المستشفى.
يعني الشخص ده كان بيراقبنا.
مش بس عارف الورق...
ده كان قريب من تفاصيل حياتنا.
أخدت الموبايل من إيد أمي.
مين بعت ده؟
أمي كانت مرعوبة.
قالت بصوت ضعيف
أنا... أنا ما كنتش أعرف إنه وصل للمرحلة دي.
بصيت لها بغضب
إنتِ كنتِ عارفة بوجوده؟
سكتت.
والسكوت كان أخطر من أي إجابة.
أبويا ضرب إيده على الحيطة
أنا كنت حاسس إن الموضوع مش طبيعي.
المحامي قرب من الصورة، ودقق فيها.
ثم قال
الصورة دي مش قديمة... واضح إنها اتصورت قريب.
رفع عينيه ناحيتي
محمود، لازم نعرف مين كان قريب منكم الفترة اللي فاتت.
بدأت أراجع كل حاجة.
مين دخل البيت؟
مين كان يعرف مواعيد المستشفى؟
مين كان يعرف تفاصيل الشقة؟
وفجأة...
افتكرت حاجة.
قبل الولادة بأسبوعين، كان فيه شخص أصر يساعدني في تجهيز بعض أوراق البيت.
شخص كنت معتبره قريب.
قلت بصوت منخفض
مستحيل...
بصلي أبويا
مين؟
قبل ما أجاوب...
سمعنا صوت خبط على باب الشقة.
لكن المرة دي كان خبط هادي.
مش زي الأول.
فتحنا الباب بحذر.
كان شاب واقف،
قال
أنا جاي أوصل رسالة.
قلت
من مين؟
بص ناحية أمي.
ثم قال
من الشخص اللي بعت الصورة.
قلبي شد.
أخدت الظرف.
كان مكتوب عليه اسمي.
فتحت الورقة.
سطر واحد فقط
لو عايز تحمي بيتك... ابعد عن ندى.
اتجمدت.
رفعت عيني للشاب
مين قالك تجيب الرسالة دي؟
لكنه لم يرد.
فقط أشار إلى آخر الطرقة.
كان فيه شخص واقف بعيد...
لابس جاكيت أسود.
ولما شافني
متابعة القراءة