طول منا موجوده
المحتويات
قالت بسرعة
الحمد لله إنك فتحت... بقالي ساعة سامعة البيبي بيعيط، ونور المطبخ منور، وحسيت إن في حاجة مش طبيعية.
قبل ما أرد...
وقعت عينها على ندى وهي نايمة على الكنبة.
قربت منها بسرعة وقالت
وشها أصفر ليه؟ هي أكلت كويس النهارده؟
ما لحقتش أجاوب.
أمي ردت بدلًا مني
أكلت اللي ينفعها... الرز والشوربة.
الأستاذة هالة سكتت لحظة.
وبعدين بصتلي نظرة غريبة وقالت
هي الدكتورة كانت موصية بكده؟
مديت لها روشتة المستشفى.
قرأت أول سطر...
وبعدين رفعت رأسها ناحية أمي.
ملامحها اتغيرت تمامًا.
قالت بهدوء
أنا بنتي ولدت من ست شهور... ونفس الروشتة تقريبًا كانت معاها.
وأشارت بإصبعها على كلمة بروتين يومي.
ثم قالت
اللي بيحصل ده خطر عليها... خصوصًا بعد عملية قيصرية.
ساد الصمت.
أمي عقدت دراعاتها وقالت بثقة
إحنا ربينا أجيال، ومحدش مات.
لكن الأستاذة هالة ما ردتش عليها.
بصتلي أنا مباشرة وقالت
بصراحة... أنا كنت مترددة أتكلم.
ابتلعت ريقي.
تتكلمي في إيه؟
تنهدت وقالت
من امبارح بالليل... وأنا شايفة أكياس طالعة من شقتكم.
قلبي دق بسرعة.
أكياس؟
هزت رأسها.
كل مرة والدتك كانت تنزل بكيس مليان، وبعد نص ساعة ترجع بإيد فاضية.
وقبل ما أكمل أسألها...
سمعنا صوت رسالة وصلت على موبايل أمي.
بصيت للشاشة بالصدفة...
وكان ظاهر اسم أختي منى، ومعاها أول سطر من الرسالة
متنسيش بكرة تجيبي باقي اللحمة والسلمون اللي خبّيتيهم...
أما أمي...
فخطفت الموبايل من على الترابيزة بسرعة، وكأنها أدركت أن السر بدأ ينكشف، لكن كان واضح أن ما خفي ما زال أكبر بكثير وقفت مكاني وأنا ببص لأمي.
ما بقيتش شايف قدامي غير كلمة واحدة ظهرت على شاشة الموبايل
السلمون اللي خبّيتيهم...
يعني مش بس الأكل اختفى...
يعني حد كان عارف.
حد كان بيطلب.
وأمي كانت بتنفذ.
أمي لاحظت نظرتي، فقفلت الشاشة بسرعة وقالت
إنت هتصدق رسالة ناقصة ظهرت على شاشة؟
لكن صوتها ما كانش بنفس الثقة اللي متعود عليها.
قربت منها وقلت
أنا مش بتهمك يا أمي... أنا بس عايز أفهم.
ضحكت ضحكة قصيرة وقالت
تفهم إيه؟ إن مراتك خدت عقلك؟ بقت كل حاجة ضد أمك؟
الكلمة وجعتني.
لأنها أول مرة أحس إنها بتحاول تحوّل الموضوع من تصرف غلط... لخناقة بيني وبينها.
رجعت بصيت لندى.
كانت فتحت عينيها، وسمعت آخر الكلام.
قالت بصوت ضعيف
محمود... أنا
قربت منها.
إنتِ مش سبب أي مشكلة.
هزت رأسها بحزن.
بس من يوم ما مامتك جات... وأنا حاسة إني غريبة في بيتي.
الجملة نزلت عليا تقيلة.
بيتي.
بيتها.
بيت بنتنا.
وأمي كانت واقفة في النص.
في اللحظة دي رن موبايل أمي مرة تانية.
المرة دي ما لحقتش تخفيه.
ظهر اسم أختي منى.
فتحت الرسالة قدامي بالغلط
ماما خلي بالك، محمود لو عرف موضوع الجمعية هيزعل... خليه يفتكر إن الأكل اتاكل.
تجمدت.
الجمعية؟
رفعت عيني لأمي.
جمعية إيه يا أمي؟
ملامحها اتغيرت.
لأول مرة شفت الخوف في عينيها.
قالت بسرعة
ما تدخلش في حاجات أكبر منك.
لكن الكلمة دي بالذات أشعلتني.
أكبر مني؟
أنا صاحب البيت.
زوج ندى.
وأب طفلة لسه مولودة.
اتجهت ناحية الدفتر تاني.
قلبت الصفحات بسرعة.
وفي آخر الدفتر...
لقيت جدول بأسماء.
اسم أمي.
اسم منى.
واسمي أنا.
لكن اللي صدمني إن قدام اسمي كان مكتوب
محمود... ما يعرفش.
وقبل ما أقدر أفهم معنى الجملة...
سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة.
كلنا بصينا ناحية الباب.
دخل شخص ما كنتش متوقع أشوفه أبدًا في الوقت ده...
كان والدي.
وفي إيده ظرف قديم.
نظر لأمي وقال
كفاية يا أم محمود... الولد لازم يعرف الحقيقة.
وساعتها أمي لأول مرة فقدت هدوءها وقالت
إياك تفتح الظرف ده!سكت المكان كله.
حتى صوت بكاء البيبي هدي كأنه هو كمان مستني يعرف الحقيقة.
بصيت لأبويا.
كان واقف عند الباب، ماسك الظرف بإيد بتترعش، ووشه مش زي عادته... مفيهوش هدوء ولا صبر.
كان فيه وجع.
قال بصوت منخفض
أنا سكت سنين يا محمود... بس اللي حصل النهارده خلاني أعرف إن السكوت بقى ظلم.
أمي اتحركت ناحيته بسرعة.
إنت مش فاهم حاجة... سيب الظرف مكانه.
لكن أبويا رجع خطوة لورا، وقال
فاهم أكتر مما تتخيلي.
مد إيده بالظرف ناحيتي.
أخدته وأنا مش فاهم.
كان ظرف بني قديم، عليه اسمي مكتوب بخط أمي.
فتحت الظرف ببطء.
جواه أوراق.
أول ورقة كانت صورة إيصال تحويل فلوس.
تاريخها من سنة تقريبًا.
بصيت للرقم...
واتصدمت.
المبلغ كان كبير.
وتحت الإيصال مكتوب
تحويل لمنى مساعدة عاجلة.
رفعت عيني ناحية أمي.
إنتِ قلتيلي إن منى محتاجة فلوس عشان علاجها.
سكتت.
ما ردتش.
قلبت الورقة اللي بعدها.
كانت قائمة مصاريف.
وفيها حاجات اتصرفت من غير ما أعرف.
فلوس من حساب البيت.
مشتريات.
تحويلات.
وفي آخر الصفحة.
جملة بخط أمي
محمود لازم يفضل بعيد عن التفاصيل.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
مش عشان الفلوس.
لكن عشان الإحساس إن أمي اللي طول عمري بثق فيها كانت بتقرر عني.
أبويا قال
أنا حاولت أوقفها قبل كده.
بصيتله
يعني كنت عارف؟
نزل عينه للأرض.
كنت عارف جزء.
أمي صاحت
ما تسمعش كلامه! هو عمره ما فهم مسؤوليتي تجاه بنتي.
هنا ندى، رغم تعبها، رفعت رأسها وقالت بهدوء
مسؤوليتك تجاه بنتك ما ينفعش تكون على حساب بنت تانية لسه والدة.
الصمت نزل مرة واحدة.
أمي بصتلها.
ولأول مرة ما لقتش رد جاهز.
قربت من ندى وقالت
إنتِ من أول يوم جاية تاخدي ابني مني.
ندى دمعت عينيها.
أنا مش عايزة آخده منك... أنا عايزاه يبقى ابني زوجي وأبو بنتي.
الجملة وقفتني.
لأنها كانت بتقول اللي أنا مش قادر أقوله.
وفي اللحظة دي...
وقع من الظرف شيء صغير على الأرض.
ورقة مطوية.
التقطتها.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها بخط أمي
الخطة تبدأ بعد ولادة الطفل...
توقفت أنفاسي.
بصيت للتاريخ.
كان مكتوب قبل ولادة بنتي بشهرين.
رفعت الورقة قدامها.
خطة إيه يا أمي؟
ولأول مرة...
أمي ما قدرتش تبص في عيني فضلت ماسك الورقة، وصوتي طالع بصعوبة
خطة إيه يا أمي؟
ما ردتش.
كانت أول مرة أشوفها ساكتة بالشكل ده.
أمي اللي طول عمرها عندها رد لكل سؤال... واقفة قدامي ومش لاقية كلمة.
أبويا تنهد وقال
قوليلُه يا أم محمود... بدل ما يعرف من الورق.
أمي بصت له بغضب
إنت وعدتني
إنك مش هتتكلم!
رد عليها بهدوء
وعدتك ما أفضحش أسرار البيت... لكن ما وعدتش إني أسكت على ظلم.
الكلمة الأخيرة وقعت عليها كأنها صفعة.
رجعت بصيت للورقة.
كان فيها سطور قصيرة، لكن كل سطر كان بيكشف حاجة
بعد الولادة، محمود هيبقى مشغول بالطفل.
ندى هتحتاج مساعدة، وساعتها السيطرة على البيت هتبقى أسهل.
لازم المصاريف تفضل في إيدي.
حسيت بصدري ضيق.
إنتِ كنتِ بتخططي تسيطري على بيتي؟
أمي ردت بسرعة
بيتك؟! هو أنا غريبة؟ ده ابني اللي ربيته.
هنا أبويا لأول مرة رفع صوته
تربيه مش معناها تملكيه يا أم محمود.
سكتت.
ندى كانت بتسمع كل حاجة، لكن واضح إن التعب غلبها.
قربت منها، لقيت دمعة نزلت من عينها.
قالت بصوت خافت
أنا مش عايزة منك تختار بيني وبين والدتك يا محمود.
مسكت إيدها.
أنا مش باختار بينكم... أنا باختار الصح.
وفجأة...
أمي ضحكت ضحكة غريبة.
ضحكة
قالت
طيب اسأل أبوك... اسأله ليه أنا بقيت كده.
بصيت لأبويا باستغراب.
يعني إيه؟
أبويا سكت شوية.
وبعدين قال
لأن أمك شايلة سر من سنين... سر لو عرفته يا محمود، ممكن نظرتك لكل حاجة تتغير.
قلبي دق بسرعة.
سر إيه؟
أمي اتحركت ناحية الباب.
مش هيتقال.
لكن أبويا قال جملة خلتها تقف مكانها
لازم يعرف... خصوصًا بعد ما بقى أب.
بصيت بينهم.
أنا عايز أعرف.
أبويا أخذ نفس طويل.
وبص للبيبي النائمة.
ثم قال
قبل ما تتولد يا محمود... كان فيه قرار اتاخد يخص حياتك أنت.
سكت لحظة.
وقرار ده... أمك أخفته عنك ٣٠ سنة.
وفي نفس اللحظة...
رن جرس الباب مرة تانية.
لكن المرة دي...
اللي كان واقف بره الباب كان شخص من الماضي.
وشي ما شفتوش من سنين فضلت واقف مكاني.
كلام أبويا كان لسه بيلف في دماغي
قرار اتاخد قبل ما تتولد... وأمك أخفته عنك ٣٠ سنة.
جرس الباب رن مرة تانية.
أمي بصت ناحية الباب، وفجأة اتغير لون وشها.
مش خوف عادي...
ده كان خوف حد شاف حاجة كان بيحاول يدفنها من سنين.
قربت من الباب وفتحته.
وأول ما فتحت...
اتجمدت.
كان راجل كبير واقف قدامي، شعره أبيض وملامحه مألوفة رغم إن آخر مرة شفته فيها كنت طفل.
بصلي وقال
محمود؟
ما قدرتش أرد.
هو ابتسم بحزن
كبرت أوي... آخر مرة شوفتك كنت لسه بتجري ورا الكرة في الشارع.
رجعت خطوة لورا.
حضرتك مين؟
بص ناحية أمي.
أمي نزلت عينها للأرض.
قال بهدوء
أنا عمك فؤاد.
اتسعت عيني.
عم فؤاد؟
الاسم ده ما سمعتهوش من سنين.
الراجل اللي أمي كانت دايمًا تقول عليه
ما تسألوش عنه.
دخل بخطوات بطيئة.
بص لندى واطمن عليها، وبعدها بصلي وقال
واضح إني جيت في الوقت المناسب.
أمي انفجرت
لا! مش وقته يا فؤاد.
رد عليها
بل وقته... لأن محمود بقى عنده بيت وبنت، ولازم يعرف مين كان بيقرر له حياته.
حسيت إن كل الموجودين عارفين حاجة وأنا الوحيد اللي واقف بره الحكاية.
قربت منه
ممكن حد يفهمني؟
سكت لحظة، ثم أخرج من جيبه ظرف صغير.
وقال
ده كان أمانة عندي من يوم ولادتك.
بصيت للظرف.
كان عليه اسمي...
وتاريخ ميلادي.
إيدي بدأت تبرد.
أمي تقدمت بسرعة
محمود، ما تفتحش الظرف ده.
لكن المرة دي...
ما سمعتش كلامها.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
قرأت أول سطر...
وشعرت إن نفسي اتقطع
إلى ابني محمود... لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى الحقيقة
رفعت عيني ناحية أبويا.
ثم أمي.
ثم عم فؤاد.
والسطر اللي بعده كان كفيل يقلب كل حاجة
أنا آسفة إني خبيت عنك إن الشخص اللي رباك... مش هو الشخص الوحيد اللي كان له حق يعرف بوجودك وقفت وأنا ماسك الورقة، كأن إيدي اتثبتت في مكانها.
الجملة الأخيرة كانت بتدور في دماغي
الشخص اللي رباك...
متابعة القراءة