طول منا موجوده
طول ما أنا موجودة هنا، مراتك ما تخطيش عتبة المطبخ ده.
ده كان أول كلام أمي قالته بعد ٣ أيام بس من ولادة ندى قيصري.. قالت الجملة وهي بتعلّق مفتاح المطبخ الوحيد في مشبك في وسطها.. كأن الشقة اللي أنا دافع دم قلبي في إيجارها في التجمع، بقت تكيّة بتاعتها هي!
الساعة كانت ٢١٣ الفجر، فتحت التلاجة.. وساعتها بس استوعبت. حكايات منال علي
أمي ما جاتش تساعد.. هي جات تفرض وصاية. جات تقرر مين ياكل.. ومين ينام خفيف.
البت دي لسه طالعة من أوضة العمليات، يبقى تبعد عن المطبخ ومشاكله، قالتها أمي بنبرة واطية وهادية، النبرة اللي تخليك تخاف منها أكتر من الزعيق.. النبرة اللي كلمتها دايمًا سيف على رقبتنا حصري على صفحه روايات واقتباسات
ندى كانت بتمشي بالعافية، ساندة بإيد على جرح بطنها والإيد التانية بتظبط الغطا على البيبي.. حاولت أهدي نفسي وأقول معلش دي دماغ ستات كبار.. خوف مش قسوة.
الشقة كانت ميكس غريب من ريحة المطهر، ولبن الأطفال، وريحة قهوة بايتة. التكييف كان عالي وساقع بزيادة، ونور المطبخ الليد كان ضارب في الرخامة بشكل يوجع العين.. الرخامة اللي كان عليها أكياس كارفور مليانة كل اللي الدكتورة كتبت عليه سلمون، لحمة حمراء، فراولة، مكسرات، سبانخ، زبادي.. كنت صارف مبلغ محترم الصبح، وحاسس بزهوة إني أخيرًا قمت بواجبي كأب وزوج.
أمي جت من البلد، وشنطتها لسه مقفولة، ووشها ناشف كأنها جاية في مأمورية تفتيش.. ما سألتش على ندى، ما بصتش حتى في وش ابني.. دخلت على المطبخ، وطلعت من الشنطة قفل جديد ومفك!
إيه ده يا أمي؟ بتعملي إيه في المطبخ؟
بنظبط الدنيا يا محمود، عشان الهدر اللي ملوش لازمة.
حكايات_منال_علي
ولا حتى بصت لي.. ركعت على ركبها وبدأت تشيل القفل القديم وتركب الجديد بتمكّن غريب.. صوت احتكاك المفك والحديد كان بيشرخ هدوء الشقة، وكل لفة مسمار كانت كأنها بتخنقني أنا.
مش مستاهلة يا ست الكل، لو ندى احتاجت حاجة أنا هجيبها لها، قلتها بهمس عشان البيبي ما يصحاش.
بصت لي بنظرة عمري ما هنساها وقالت
إنت لسه صغير.. وما تفهمش حاجة في طبايع الستات.
٤ كلمات.. بس نزلوا على وشي زي القلم. بقلم منال علي
من الأوضة سمعنا ندى بتتحرك.. صحيت. ما
الساعة ٨٤١ بالليل، دخلت لندى الأوضة بصينية شوية رز مسلوق، وكوسة مايه وملح، ورغيفين ناشفين.. وبس!
ندى قعدت بالعافية، بتنهج من الوجع، شعرها ملموم بعشوائية وسوار المستشفى لسه في إيدها.. الدكتورة كانت واضحة لازم بروتين، فاكهة، سوائل عشان الرضاعة.
أنا هقوم أعمل لها السلمون اللي جبته، قلت بحدة.
أمي وقفت قدام باب المطبخ زي السد
إوعى تلمس حاجة.. الأكل التقيل ده بيقلب البطن ويضرها.. هي مش أحسن مننا، إحنا ياما ولدنا وقومنا على الرز والشوربة.
ندى ما نطقتش.. بس بصت للطبق بكسرة.. صوت خبط المعلقة في الطبق الفاضي فضل يرن في ودني طول الليل.
بعدها بشوية وأنا بغير للبيبي، سمعت تكة القفل.. حركة محسوبة.. المطبخ بيتفتح ويتقفل بحساب.. كل حاجة بقت ب النوتة.
الساعة ١٢٦ الفجر، الدنيا سكتت تمامًا.. ندى غلبها النوم من التعب، والبيبي هدي.. رميت نفسي على الكنبة، بس الجوع قرصني. قمت اتسحبت للمطبخ.. مسكت المقبض.. القفل كان راكب حصري على صفحه روايات واقتباسات دورت على المفتاح، لقيته محطوط على الكرسي اللي أمي كانت قاعدة عليه، خدته وفتحت بالراحة.
نور التلاجة ضرب في وشي.. وأول حاجة شفتها ما كانتش السلمون.
كانت علب أكل تُبروير مرصوصة بانتظام، ومكتوب عليها بلزق بخط أمي
لمحمود عشان يرم عظمة
لأختك منى هبعتهولها الصبح عشان تحمل
الدرج اللي كان فيه زبادي ندى؟ فاضي.. مفيهوش غير ليمونتين ناشفين وكسر عيش.
الجمبري اختفى.. السلمون اختفى.. حتى المكسرات والفاكهة!
ورا إزازة المية، لقيت طبق بلاستيك متغطي.. طلعته بلهفة.
نص كوباية رز.. وشوية ملوخية ناشفة بايتة.
ده الأكل اللي أمي قررت إن ندى تستاهله.. وهي لسه شايلة ابني في بطنها ٩ شهور وطالعة من جراحة ومحتاجة تتغذى عشان ترضّع! بقلم منال علي
إيدي ضغطت على الطبق لحد ما البلاستيك اتعوج في إيدي.. وفجأة لمحت حاجة ملزوقة على باب التلاجة.
ورقة الخروج من المستشفى.. روشتة الدكتورة اللي مكتوب فيها أكل غني بالبروتين وعليها خطوط كتير.. وفوقها بخط أمي العريض
لها رز
ساعتها الدم غلي في عروقي.. طلعت الموبايل وصورت كل حاجة
صورت القفل.. صورت العلب اللي محجوزة لأختي.. صورت طبق الرز البايت.. وصورت الورقة اللي أمي شطبت فيها على كلام الدكتورة.
إيدي كانت بتترعش من القهر..
بس اللي كنت فاكره قفل مطبخ.. طلع قفل على قلبي
وعلى بيتي.
لو إنت مكاني.. كنت هتستنى للصبح وتتكلم بالعقل؟
ولا كنت هتاخد المفتاح وتفتح باب الشقة وتقول مع السلامة يا أمي.. بيتي له صاحب؟.
أكمل
فضلت واقف قدام التلاجة، والموبايل في إيدي، وبصوابعي صور بتتسجل واحدة ورا التانية... لكن لأول مرة حسيت إن الصور دي مش كفاية.
قفلّت باب التلاجة بهدوء شديد، ورجّعت المفتاح مكانه بالمللي... كأن حد ما دخلش أصلًا.
سمعت صوت حركة خفيفة ورايا.
لفيت بسرعة.
كانت ندى.
واقفة عند باب المطبخ، ماسكة جنب الباب بإيد، ووشها شاحب من التعب، لكن عينيها كانت على الطبق البلاستيك اللي في إيدي.
ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت بصوت بالكاد يطلع
سيبه يا محمود... أنا أصلًا مش جعانة.
الكلمة دي كسرتني.
أنا عارف ندى... دي البنت اللي كانت بتجوع نفسها زمان عشان تجيبلي هدية في عيد ميلادي.
لما تقول مش جعانة... يبقى هي جعانة جدًا.
قربت منها ومديت لها الطبق.
هزت رأسها.
لو أكلت... مامتك هتزعل.
ساعتها حسيت إن المشكلة ما بقتش أكل.
المشكلة إن مراتي بقت خايفة تاكل في بيتها.
قبل ما أرد...
طلع صوت باب أوضة الضيوف بيتفتح.
أمي.
كانت واقفة في آخر الطرقة، وشعرها متغطي بإيشاربها، وباصّة علينا من غير ولا كلمة.
عينها نزلت على المفتاح... ثم على الطبق... ثم على ندى.
وبهدوء مخيف قالت
قلتلك يا محمود... المفتاح ما يخرجش من مكانه.
اتقدمت خطوتين، ومدت إيدها ناحية المفتاح، وكأن اللي حصل مجرد طفل لعب في حاجة ممنوعة.
لكن الغريب...
إنها ما سألتش مين فتح.
كأنها كانت متأكدة إن حد هيحاول.
ساعتها لاحظت حاجة أول مرة آخد بالي منها.
فوق الدولاب الصغير جنب باب المطبخ... كان فيه دفتر قديم أسود.
كل ما أمي تطلع حاجة من المطبخ، كانت تفتح الدفتر وتكتب سطر.
ولما ترجع حاجة... تكتب سطر تاني.
استنيت لحد ما دخلت أوضتها تاني.
طلعت الدفتر بهدوء.
فتحت أول صفحة...
ولقيت جدول كامل.
تاريخ.
وأسماء...
وكميات الأكل...
ولكل صنف مكتوب قدامه اسم الشخص اللي هياخده.
لكن اسم ندى...
ما كانش قدامه أي صنف تقريبًا.
وكان فيه صفحة مطوية للنص...
مكتوب فوقها بخط كبير
ممنوع يطلع عليها.
مديت إيدي أفرد الصفحة...
وفي اللحظة اللي لمست فيها الورقة...
سمعت صوت أمي من ورايا تقول بنبرة هادية جدًا
لو فتحت الصفحة دي... يبقى اللي هيحصل بعد كده هيتغير للأبد...ثبتت إيدي في مكانها.
الصمت بقى تقيل لدرجة إني كنت سامع صوت أنفاس ندى من آخر الطرقة.
بصيت لأمي... كانت واقفة من غير أي انفعال، لكن عينيها ما سابتوش
الدفتر لحظة.
قالت بهدوء
اقفله... وادخل نام. الصبح أحسن من دلوقتي.
لأول مرة، ما سمعتش كلامها.
فتحت الصفحة المطوية ببطء.
ما كانش فيها فلوس... ولا حسابات.
كانت قائمة طويلة بخط إيدها.
اللحمة يتبعت نصها لمنى.
الفاكهة تتقسم.
المكسرات تتحط في الشنطة قبل السفر.
وفي آخر سطر...
الأكل اللي للدكتورة كاتباه... بلاش يتعمل.
وقفت مذهول.
كل حاجة كانت متخطط لها من أول يوم دخلت فيه البيت.
رفعت عيني عليها.
يعني إنتِ كنتِ ناوية من البداية تمنعي عنها الأكل؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
أنا بعمل اللي شايفاه صح.
في اللحظة دي...
خرج صوت بكاء البيبي.
ندى حاولت تمشي بسرعة على قد ما تقدر، لكن فجأة حطت إيدها على جنبها واتأوهت من ألم الجرح.
جريت عليها وسندتها.
وشها كان شاحب بشكل مخيف.
قالت وهي بتحاول تبتسم
أنا كويسة... بس حاسة بدوخة.
مديت إيدي أقيس حرارتها...
كانت سخنة.
أمي ردت بسرعة
ده طبيعي بعد الولادة.
لكن ندى ما كملتش كلامها.
عينيها اتقلبت للحظة، وجسمها مال لقدام.
لحقتها قبل ما تقع على الأرض.
البيبي كان بيعيط...
وأمي واقفة مكانها...
وأنا شايل ندى بين إيديا، ومش عارف أجري بيها للمستشفى ولا أواجه الحقيقة اللي بقت قدامي.
وفي وسط الفوضى...
رن جرس الباب.
الساعة كانت تلاتة إلا ربع الفجر.
مين ممكن ييجي في الوقت ده؟!حملت ندى بسرعة وحطيتها على الكنبة.
جرّبت أصحيها.
ندى... ندى، بصّيلي.
فتحت عينيها بالعافية، وهمست
أنا كويسة... متقلقش.
لكن صوتها كان ضعيف جدًا.
جرس الباب رن تاني... المرة دي أطول.
بصيت لأمي.
قالت ببرود
سيبه... اللي ييجي في الوقت ده أكيد غلطان في
لكن الجرس ما وقفش.
اتجهت ناحية الباب وفتحته بحذر.
اتفاجئت بجارتنا، الأستاذة هالة.
كانت لابسة إسدال الصلاة، ووشها كله قلق.
أول ما شافتني