الملياردير
المحتويات
يعمل مبادرة جديدة.
كل متطوع جديد لازم يقضي أول يوم ليه قاعد يسمع لكبير سن أو مريض، من غير نصايح... ومن غير استعجال.
بس يسمعه.
المبادرة نجحت بشكل كبير.
وبقى ناس كتير يقولوا إن أكتر حاجة فرقت معاهم، مش الدوا...
لكن الإحساس إن حد مهتم يسمعهم.
وفي مساء اليوم ده، وقفت ندى في جنينة المؤسسة، وقالت لكريم
فاكر أول يوم شفتني فيه وأنا قاعدة مع طنط فاطمة؟
ابتسم وقال
فاكره كويس... كنت فاكرك بتضيعي وقت الشغل.
ضحكت وقالت
والنهارده المؤسسة كلها شغالة بنفس الفكرة.
رد كريم وهو ينظر للأطفال وكبار السن اللي قاعدين يضحكوا مع بعض
لأنك علمتينا إن الرحمة مش وظيفة... الرحمة أسلوب حياة.
وفي نهاية اليوم، خرج كريم من المؤسسة، وبص للسماء وهمس
يا أمي... وعدتك إن الخير هيكمل، والحمد لله... لسه بيكبر كل يوم.
واستمرت الحكاية، ليس لأنها قصة ملياردير...
ولكن لأنها قصة إنسانة بسيطة أثبتت أن كلمة طيبة، ويدًا حانية، قد تغيّر حياة كاملة.
النهاية الحقيقية. بعد خمسة عشر عامًا...
كان كريم بقى شعره كله أبيض.
لكن كل يوم، الساعة تسعة الصبح، كان بيمر على كل أوضة في المؤسسة بنفسه.
يسلم على المرضى.
ويسأل كل واحد
نمت كويس؟
وفي يوم، دخل أوضة فيها سيدة كبيرة في السن، كانت قاعدة لوحدها وبتبص من الشباك.
أول ما شافته، قالت
حضرتك الأستاذ كريم؟
ابتسم وقال
أيوه.
مدت له ظرفًا قديمًا.
وقالت
الحاجة فاطمة ادتهولي من خمسة عشر سنة... وقالت ما افتحوش غير لما أحس إن الوقت جه.
فتح كريم الظرف، وكانت جواه رسالة بخط والدته.
قرأ أول سطر، فاتغرقت عينه بالدموع.
يا كريم... لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى ربنا كتبلي أسيب الدنيا وأنا مطمنة عليك.
كمل وهو صوته بيرتعش.
أنا مش خايفة عليك من الفقر... أنا كنت خايفة عليك من قسوة النجاح. كنت خايفة الشغل ياخدك من الناس اللي بتحبك.
وقف شوية، ومسح دموعه.
وكمل.
لو فضلت كل يوم تدخل تبتسم في وش إنسان مكسور... يبقى أنا لسه عايشة بدعوات الناس.
قفل الرسالة وهو مش قادر يتكلم.
في اللحظة دي، سمع صوت أطفال المؤسسة بيغنوا في الحديقة.
خرج يشوفهم.
لقى شجرة كبيرة جدًا في منتصف الجنينة.
كانت أول شجرة زرعتها طفلة من دار الأيتام من سنين.
بقت دلوقتي ضخمة، وضِلها بيغطي المكان كله.
قالت ندى وهي واقفة جنبه
شايف الشجرة دي؟
هز رأسه.
قالت
الخير كده... بيبدأ صغير، وبعد سنين ناس كتير تستظل بيه.
ابتسم كريم وقال
وأول بذرة زرعتها... كانت كلمة منك لأمي.
وفي اليوم ده، أصدر قرارًا جديدًا.
كتب على مدخل كل فروع المؤسسة لوحة صغيرة مكتوب عليها
إذا لم تستطع أن تخفف ألم إنسان... فلا تزد ألمه، وإذا استطعت أن تمنحه دقيقة اهتمام، فقد تهبه أملًا جديدًا في الحياة.
وبقيت الجملة دي أول حاجة يشوفها كل داخل للمكان.
أما ندى، ففضلت تخدم الناس بنفس التواضع اللي بدأت بيه.
ولما كان حد يشكرها، كانت تبتسم وتقول
أنا بس بكمل الخير اللي علمتني إياه الحاجة فاطمة.
وهكذا ظل أثر الحاجة فاطمة حيًا في كل ابتسامة مريض، وكل دعوة أم، وكل قلب رجع يصدق أن الرحمة لا تحتاج إلى ثروة... بل تحتاج إلى إنسان.
تمت. بعد عشرين سنة...
كان المبنى القديم للمؤسسة بقى مدينة صغيرة للرحمة.
مستشفى.
دار رعاية.
مكتبة.
ومركز لتأهيل الأطفال وكبار السن.
وفي صباح يوم الافتتاح لأكبر فرع جديد، وقف كريم على المسرح، لكن بدل ما يتكلم عن الإنجازات، قال
النجاح اللي الناس شايفاه النهارده... بدأ من كرسي صغير جنب سرير مريضة.
ساد الصمت.
وأضاف
بدأ من إنسانة بسيطة قررت تسمع قبل ما تتكلم.
كل الحضور بصوا ناحية ندى، اللي كانت قاعدة في آخر الصف، كالعادة، رافضة تقعد في المقاعد المخصصة للشخصيات المهمة.
بعد انتهاء الحفل، جاله شاب في أوائل العشرينات.
قال له
حضرتك ما تعرفنيش..
ابتسم كريم وسأله
إزاي؟
قال الشاب
أنا واحد من أطفال دار الأيتام اللي المؤسسة كفلت تعليمه.
ثم أخرج بطاقة تعريف.
كان مكتوب عليها
دكتور يوسف سامح طبيب أورام.
قال وهو يحاول يمنع دموعه
لولا المؤسسة دي... كنت هفضل في الشارع. النهارده أنا بعالج المرضى مجانًا يومين كل أسبوع... عشان أرد جزء من الجميل.
ابتسم كريم، وربت على كتفه.
وقال
إحنا ما عملناش جميل... الخير أمانة، وإنت دلوقتي بتسلمها لغيرك.
في المساء، جلس كريم وندى في جنينة المؤسسة، تحت الشجرة الكبيرة.
قال لها
تفتكري طنط فاطمة لو كانت معانا دلوقتي... كانت هتقول إيه؟
ابتسمت ندى وهي تنظر للسماء.
وقالت
كانت هتضحك... وتقول إن أغلى استثمار في الدنيا هو الإنسان.
هز كريم رأسه.
وقال
وأنا أخيرًا فهمت معنى كلامها.
في تلك اللحظة، امتلأت الحديقة بالأطفال وهم يجرون ويضحكون، وكبار السن يصفقون لهم، والمتطوعون يوزعون الشاي والورود.
أغمض كريم عينيه للحظة.
لم يعد يسمع صوت أجهزة المستشفى...
ولا صوت الاجتماعات...
بل سمع نفس الضحكة التي سمعها منذ عشرين عامًا، خارجة من غرفة والدته.
ابتسم وهو يهمس
شكراً يا أمي... لأنك سيبتِ ليا رسالة، ورسالتك لسه بتعيش في قلوب الناس.
وهكذا لم تنتهِ الحكاية، لأن كل إنسان خرج من المؤسسة وهو يحمل رحمةً في قلبه، كان يكتب فصلًا جديدًا منها، لتظل سيرة الحاجة فاطمة وندى وكريم حاضرة في كل بيت عرف أن الكلمة الطيبة قد تُحيي قلبًا قبل أن يشفيه الدواء. بعد خمسة وعشرين عامًا...
كان كريم تجاوز السبعين من عمره.
بقى يمشي بعصا، زي ما كانت أمه بتمشي زمان.
لكن كان عنده عادة عمره ما سابها.
كل صباح، يدخل أول أوضة في المؤسسة، ويقعد خمس دقايق مع أول مريض يقابله.
من غير كاميرات...
ولا صحافة...
ولا حتى يعرف الناس هو مين.
وفي يوم ممطر، دخل أوضة لقى فيها طفل عنده عشر سنين،
الطفل كان ماسك إيدها وبيقرأ لها من كتاب المدرسة.
ابتسم كريم وسأله
بتعمل إيه يا بطل؟
قال الطفل
الدكتور قال إن صوتي بيطمنها... وأنا مش هسيبها لوحدها.
اتجمد كريم مكانه.
الكلمات رجعته سنين طويلة لورا...
لما كانت ندى قاعدة جنب الحاجة فاطمة، وما عملتش أكتر من إنها خلتها تحس إنها مش لوحدها.
خرج من الأوضة، وعينه مليانة دموع.
في الممر، لمح ندى.
هي كمان الزمن رسم خطوطه على وشها، لكن ابتسامتها كانت زي ما هي.
قالت وهي تضحك
مالك؟
رد وهو بيبتسم
الرسالة وصلت للجيل الجديد.
قالت باستغراب
أنهي رسالة؟
أشار ناحية أوضة الطفل.
وقال
إن وجودك جنب اللي بتحبه... ساعات بيكون علاج.
بعد أيام قليلة، شعر كريم بتعب شديد.
أصر الأطباء إنه يرتاح.
ولأول مرة، بقى هو المريض...
وندى هي اللي قاعدة جنبه.
ابتسم وهو بيبصلها وقال
الدور اتبدل.
قالت وهي تمسك إيده
الخير عمره ما بيروح يا أستاذ كريم... بيرجع لصاحبه.
ابتسم في هدوء، وبص للشباك.
كانت نفس المطر...
ونفس ريحة النعناع...
اللي بدأت بيها الحكاية من سنين طويلة.
همس بصوت ضعيف
دلوقتي... فهمت أمي أكتر من أي وقت فات.
وفي صباح اليوم التالي، خرج من المستشفى بعد ما تحسنت صحته.
وأول مكان طلب يروحه...
كان قبر والدته.
وقف أمامه، ووضع باقة من الزهور البيضاء.
وقال بابتسامة هادئة
يا أمي... زمان كنت فاكر إني بحميكي بفلوسي.
لكن إنتِ اللي حميتِ قلبي من القسوة.
والفضل بعد ربنا... كان بسبب إنسانة بسيطة اسمها ندى.
وفي اللحظة دي، وقفت ندى بعيدًا، رافعة إيديها بالدعاء للحاجة فاطمة.
ابتسم كريم وهو ينظر إليها، وعرف أن بعض الناس لا يغيرون حياة شخص واحد فقط...
بل يغيرون أجيالًا كاملة، دون أن يطلبوا مقابلًا.
يتبع... مرت سنوات أخرى...
وفي يوم من الأيام، كانت المؤسسة بتحتفل بمرور ثلاثين سنة على تأسيسها.
الحديقة
مرضى اتعافوا.
أطفال كبروا وبقوا مهندسين ودكاترة ومدرسين.
وأسر كاملة جت تشكر المكان اللي وقف جنبها وقت الشدة.
لكن كريم كان غايب عن الحفل.
كان قاعد في
متابعة القراءة