الملياردير
المحتويات
اللي بيخدم الناس يستحق يعيش بكرامة.
ساد التصفيق في المكان.
أما ندى، فاكتفت بابتسامة هادئة.
همست للحاجة فاطمة
أنا ما عملتش غير الواجب.
ابتسمت الحاجة فاطمة وقالت
الواجب لما يتعمل من القلب... بيبقى أعظم هدية.
وفي تلك الليلة، وقف كريم في شرفة الفيلا ينظر إلى السماء، وشعر لأول مرة أن النجاح الحقيقي لم يكن في بناء شركة كبيرة...
بل في إعادة بناء العلاقة مع أمه، وصناعة بيت مليء بالمودة والرحمة، بعدما كان مجرد فيلا فاخرة خالية من الدفء.
يتبع...مرّت ثلاثة أشهر...
وفي صباح هادئ، خرجت الحاجة فاطمة إلى شرفة الفيلا لأول مرة من غير كرسي متحرك.
كانت بتمشي ببطء، مستندة على عصا صغيرة، لكن الابتسامة على وشها كانت أكبر من أي خطوة.
لما شافها كريم، جري عليها وهو مبتسم.
قالت وهي تضحك
إوعى يا ابني... أنا بقيت أعرف أمشي.
رد وهو يمسك إيدها
حتى لو بقيتي بتجري... هافضل أمسك إيدك.
في اليوم ده، طلبت منه يوديها مكان غريب.
قالت
عايزة أزور البيت القديم.
استغرب، لكنه وافق.
لما وصلوا، نزلت من العربية، وبصت للبيت الصغير اللي بدأت فيه حياتها مع زوجها.
كانت الجدران قديمة، لكن الذكريات كانت لسه عايشة.
قالت وهي تشير للشباك
هنا كنت بستناك ترجع من المدرسة.
وأشارت للمطبخ الصغير
وهنا كنت بعملك أكلة بتحبها كل يوم امتحان.
وقف كريم ساكت.
كان حاسس إنه بيكتشف حياة أمه لأول مرة.
وفي طريق الرجوع، مروا على محل حلويات قديم.
قالت
فاكر؟ كنت كل ما تنجح أجيبلك من هنا بسبوسة.
ابتسم.
دخل المحل واشترى كل الأصناف الموجودة.
أصحاب المحل عرفوا الحاجة فاطمة، وفرحوا جدًا بشوفتها بعد السنين دي.
ولما رجعوا الفيلا، فوجئ كريم بندى واقفة في الجنينة ومعاها مجموعة أطفال من دار الأيتام.
الأطفال كانوا بيزرعوا شجر صغير.
قالت ندى
فكرنا نخلي كل طفل يزرع شجرة... وكل ما تكبر يفتكر إن الخير
أعجبت الفكرة كريم جدًا.
خلّى جزءًا كبيرًا من جنينة الفيلا يتحول إلى حديقة مفتوحة للأطفال، ييجوا يزرعوا فيها ويتعلموا ويحسوا إن ليهم مكان يفرحوا فيه.
وقفت الحاجة فاطمة تبص للمشهد، والدموع في عينيها.
وقالت بهدوء
البيت ده كان كبير... لكنه كان فاضي.
ثم ابتسمت وهي تنظر إلى الأطفال وهم يجرون ويضحكون.
دلوقتي بقى مليان حياة.
نظر إليها كريم وقال
وده كله بدأ... لما واحدة بسيطة قررت تقعد جنب إنسانة كانت محتاجة كلمة طيبة.
ابتسمت ندى وقالت
القلوب الطيبة بتغيّر الدنيا... حتى لو بدأت بابتسامة.
واستمرت الضحكات تملأ الفيلا، وتحول المكان الذي كان يسوده الصمت والخوف... إلى بيت يعرف الجميع فيه أن أعظم علاج، بعد رحمة الله، هو الرحمة بين الناس.
يتبع...بعد مرور عام...
كانت جنينة الفيلا مختلفة تمامًا.
الأشجار اللي زرعها الأطفال كبرت.
وصوت الضحك بقى جزء من المكان.
أما الحاجة فاطمة، فرغم إن المرض لسه موجود، إلا إنها كانت أقوى، وأهدأ، وراضية.
وفي صباح أحد الأيام، طلبت من كريم وندى يقعدوا معاها.
طلعت ظرف أبيض من درج صغير جنب سريرها.
ناولته لكريم وقالت
افتحه.
فتح الظرف، ولقي جواه ورقة مكتوبة بخط إيدها.
بدأ يقرأ بصوت مسموع
لو بتقرا الورقة دي، يبقى أنا مطمنة عليك يا كريم. مش لأن شركتك كبرت، ولا لأن حساباتك زادت... لكن لأن قلبك رجع زي ما ربيتك.
بدأ صوته يتهز.
وكمل القراءة
أنا مش خايفة أمشي من الدنيا... لأن في حد هيكمل ينشر الخير بعدي.
رفع عينيه وقال بسرعة
بلاش الكلام ده يا أمي.
ابتسمت وقالت
كل نفس ذائقة الموت يا ابني... المهم الإنسان يسيب أثر طيب.
ثم نظرت إلى ندى.
وأنتِ يا بنتي... شكراً لأنك دخلتي بيتنا ورحمة ربنا كانت على إيديك.
بكت ندى، وقبلت يدها.
مرت الشهور، ورحلت الحاجة فاطمة بهدوء، بعد رحلة طويلة مع المرض.
امتلأ البيت بالحزن.
لكن كلماتها فضلت عايشة في قلب كريم.
بعد انتهاء العزاء بأيام، جمع مجلس إدارة الشركة.
قال لهم
من النهارده هنخصص جزءًا ثابتًا من أرباح الشركة لعلاج المرضى غير القادرين، ودعم دور رعاية كبار السن.
وافق الجميع.
ثم خرج وأعلن عن إنشاء مؤسسة الحاجة فاطمة للرحمة والرعاية، تكون مهمتها توفير الدعم النفسي والطبي لكبار السن والمرضى، لأن العلاج مش دواء بس... العلاج كمان كلمة طيبة ووجود إنسان مخلص.
أما ندى، فرفضت أي منصب إداري.
وقالت
أنا مكاني وسط الناس.
فأصبحت تشرف بنفسها على زيارة المرضى، وتدريب المتطوعين على كيفية التعامل معهم باحترام ورحمة.
وفي كل سنة، في ذكرى الحاجة فاطمة، كان الأطفال يزرعون شجرة جديدة في جنينة الفيلا.
وكان كريم يقف أمام صورة والدته، يبتسم ويقول
كنت فاكر إني هحميك بالفلوس... لكن إنتِ علمتِني إن الرحمة هي أغلى ثروة ممكن يملكها الإنسان.
وهكذا بقي اسم الحاجة فاطمة حيًا، ليس بسبب ثروتها، بل بسبب الخير الذي استمر بعد رحيلها، وأصبحت الفيلا التي كانت يومًا صامتة... بيتًا يفتح أبوابه لكل من يحتاج دفئًا أو كلمة طيبة.
النهاية بعد خمس سنوات...
وقف كريم في نفس الجنينة، لكن المرة دي كان المكان مليان ناس.
أطفال بيلعبوا.
كبار سن بيتكلموا ويشربوا الشاي.
ومتطوعون بيساعدوا المرضى.
المكان كله بقى مركزًا مجانيًا للرعاية والدعم النفسي، يحمل اسم والدته.
وقف أمام صورتها المعلقة عند المدخل، ووضع باقة ورد أبيض تحتها.
وقال بهدوء
لسه بوفي بوعدي يا أمي.
في اللحظة دي، جريت عليه طفلة صغيرة من الأطفال اللي كانوا بييجوا للمركز.
قالت وهي تمسك إيده
عمو كريم... طنط ندى بتدور عليك.
ابتسم ومشى معاها.
دخل قاعة كبيرة، فلقى ندى واقفة وسط مجموعة متطوعين بتعلمهم إزاي يتعاملوا مع كبار السن.
كانت بتقول
قبل ما تسأل المريض وجعك فين... اسأله محتاج إيه؟
ابتسم كريم.
نفس الجملة اللي غيرت حياته من سنين... بقت النهارده بتغيّر حياة ناس كتير.
بعد انتهاء التدريب، قرب منها وقال
عارفة؟ المؤسسة دي نجحت بسببك.
ابتسمت وقالت
لا... نجحت لأنك سمعت الحقيقة في الوقت المناسب.
وفي مساء اليوم نفسه، وصلت للمؤسسة سيدة مسنة ومعاها ابنها.
الابن كان رجل أعمال مشهور، وقال وهو متوتر
أنا مش عارف أتعامل مع أمي... وكل اللي أعرفه إني أوفرلها العلاج.
ابتسم كريم وهو تذكر نفسه قبل سنوات.
ربت على كتف الرجل وقال
أنا كنت مكانك يومًا.
ثم أخذه في جولة داخل المركز، وحكى له كيف غيّرت كلمة طيبة حياة والدته، وكيف تعلّم أن وجوده بجوارها كان أهم من أي جهاز أو دواء.
خرج الرجل وهو يحتضن والدته لأول مرة منذ سنوات.
نظرت ندى إلى كريم وقالت
شايف؟ الخير لما يبدأ من شخص واحد... بينتقل لناس كتير.
رفع كريم بصره إلى السماء، وهمس
الله يرحمك يا أمي... لولاك ما كنتش اتعلمت الدرس ده.
وانتهت الحكاية، لكن أثرها فضل يعيش في كل مريض لقى من يسمعه، وفي كل أم لقت ابنها رجع يقعد جنبها، وفي كل بيت عرف أن الرحمة هي أعظم ثروة يملكها الإنسان.
تمت بعد عشر سنوات...
كان اسم مؤسسة الحاجة فاطمة معروف في كل المحافظات.
بقت تستقبل آلاف المرضى وكبار السن كل سنة، وكل خدماتها كانت مجانية.
وفي صباح هادئ، كان كريم بيتمشى في ممرات المؤسسة.
فجأة لمح راجل كبير في السن قاعد لوحده، وعينيه مليانة حزن.
قرب منه وقال
صباح الخير يا حاج... محتاج أي حاجة؟
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة وقال
لا يا ابني... كنت مستني حد يكلمني بس.
قعد كريم جنبه من غير ما يبص في ساعته.
فضلوا يتكلموا أكتر من ساعة.
عن الشغل...
وعن الأولاد...
وعن أيام الشباب.
ولما قام كريم يمشي، مسك الراجل إيده وقال
ربنا يجازيك خير... النهارده حسيت إني لسه ليا قيمة.
الكلمة رجعت كريم عشر سنين لورا.
افتكر
المريض ساعات بيحتاج إنسان... أكتر من العلاج.
ابتسم وهو رافع عينه لصورة والدته المعلقة في مدخل المؤسسة.
وفي نفس اليوم، قرر
متابعة القراءة