رجعت البيت قبل ميعادى

لمحة نيوز

أن الكرامة والمحبة هما أساس أي أسرة سعيدة الفصل الثالث عشر
بعد افتتاح مؤسسة ياسمين للرحمة بشهور، بقى المكان يستقبل عشرات الأسر كل أسبوع.
مش مساعدات وبس...
كان فيه تدريب، وعلاج، ودروس مجانية، ودعم لكل أم محتاجة تبدأ من جديد.
وفي يوم، وأنا داخل المؤسسة، لقيت موظفة الاستقبال بتقولي
أستاذ كريم... فيه سيدة كبيرة مستنياك من الصبح، ورافضة تمشي.
دخلت المكتب، ولقيت سيدة في أواخر الستينات، هدومها بسيطة، وفي إيديها ظرف قديم.
وقفت أول ما شافتني وقالت
أنا جيت أشكرك.
استغربت.
قلت
إحنا اتقابلنا قبل كده؟
ابتسمت وقالت
لأ... لكن بنتي اتقابلت معاكم.
ونادت بصوت هادئ
ادخلي يا بنتي.
دخلت شابة في أواخر العشرينات، شايلة طفل صغير.
وقالت وهي دموعها بتنزل
من أربع سنين كنت حامل، وجوزي فقد شغله، ومكنّاش لاقيين ناكل.
وأضافت
جيت المؤسسة، ومدام ياسمين هي اللي استقبلتني بنفسها. فضلت تسمعني أكتر من ساعة، وبعدها وفرتلي دورة تدريب، وساعدتني أشتغل.
ابتسمت
وهي بصت لطفلها.
النهارده عندي مشروع صغير، وابني دخل المدرسة، وكل ده بعد فضل ربنا كان بسبب وقفة المؤسسة معانا.
في اللحظة دي، دخلت ياسمين من آخر الممر.
أول ما شافتها الشابة، جريت عليها وحضنتها.
وقالت
حضرتك ما افتكرتنيش... لكن أنا عمري ما نسيتك.
ابتسمت ياسمين وقالت
أنا مابعملش الخير عشان الناس تفتكرني... يكفيني إن ربنا يكتبله القبول.
كنت واقف أراقب المشهد في صمت.
وافتكرت يوم المستشفى...
لما الدكتور قال إننا كدنا نفقد ياسمين وآدم.
لو اليوم ده كان انتهى بشكل مختلف...
مكنش كل الخير ده حصل.
وفي طريق الرجوع، سألني حفيدي عمر
جدو... هو ليه تيتة ياسمين بتساعد كل الناس؟
ربتُّ على رأسه وقلت
لأن اللي عرف طعم الوجع... بيبقى أحرص واحد إنه ما يخلّيش غيره يذوقه.
ابتسم عمر وقال
ولما أكبر... أنا كمان هساعد الناس.
ضحكت، ونظرت إلى ياسمين وآدم يسيران أمامنا.
وقلت في نفسي
دي كانت أحسن شركة بنيتها...
مش شركة الاستيراد...
ولا المؤسسة...
لكن العيلة
اللي خرج منها ناس يعرفوا يزرعوا الرحمة في قلوب غيرهم.
وكانت الشمس تميل نحو الغروب، بينما كانت ضحكات الأطفال تملأ ساحة المؤسسة...
وكأن الحياة أرادت أن تقول لهم
قد يبدأ الطريق بالألم... لكن نهايته قد تكون بابًا لخيرٍ لا ينتهي الفصل الأخير... النهاية
مرت سنوات طويلة.
وشعر رأسي بدأ يشيب، لكن كل صباح كنت أصحى على نفس النعمة اللي كنت بدعي ربنا يحفظهالي...
ياسمين.
كانت قاعدة في جنينة البيت، تقرأ كتابًا، وحواليها أحفادنا بيجروا ويضحكوا.
اقتربت منها، وجلست بجوارها.
ابتسمت وقالت
فاكر أول يوم دخلت البيت بدري؟
ابتسمت وأنا أهز رأسي.
إزاي أنسى؟
اليوم ده كان أصعب يوم في حياتي.
اليوم اللي اكتشفت فيه إن أقرب الناس ليا أخطأوا في حق أغلى إنسانة في حياتي.
لو كنت اتأخرت نص ساعة بس...
كان ممكن أخسر زوجتي، وابني، ومستقبلي كله.
مسكت إيد ياسمين، وقلت
أنا لحد النهارده بطلب منك السماح.
ضحكت وقالت
يا كريم... لو فضلت تعتذر طول عمرك، مش هخلص. إحنا
اختارنا نبدأ من جديد، وربنا كرمنا.
في نفس اللحظة، جرى حفيدنا الصغير وهو يحمل لوحة رسمها بنفسه.
كانت اللوحة فيها بيت كبير، وتحته مكتوب بخط طفولي
البيت اللي فيه رحمة... عمره ما يقع.
نظرت إلى آدم، الذي أصبح يدير الشركة بحكمة، وإلى يوسف الذي صار مديرًا لمؤسسة ياسمين للرحمة، وإلى أحفادي الذين تربوا على الاحترام والعطف.
ثم نظرت إلى ياسمين.
قلت لها بهدوء
زمان كنت فاكر إن النجاح هو الفلوس والشهرة.
ابتسمت وقالت
ودلوقتي؟
أجبتها وأنا أنظر إلى العائلة حولنا
دلوقتي عرفت إن النجاح الحقيقي هو إن أولادنا يطلعوا أحسن مننا... وإن محدش في بيتنا يحس بالذل أو الإهانة أبدًا.
وقبل غروب الشمس، اجتمعت العائلة كلها حول سفرة واحدة.
لكن هذه المرة...
لم يكن هناك شخص يجلس على الأرض.
ولم يكن هناك من يأكل بقايا أحد.
كل الأيدي كانت تمتد لتقدم الطعام للآخر قبل نفسها.
وكل القلوب كانت ممتلئة بالمحبة.
رفعت بصري إلى السماء، وحمدت الله على كل ما مر بنا، حتى
الأيام الصعبة، لأنها علمتنا أن الرحمة ليست ضعفًا، وأن العدل هو أساس كل بيت سعيد.
تمت.

تم نسخ الرابط