رجعت البيت قبل ميعادى

لمحة نيوز

ليهم مستقبل.
لف آدم يبص للأطفال.
كانوا بيلعبوا بإمكانيات بسيطة، لكن الضحكة على وشوشهم كانت صادقة.
قرب منه طفل صغير، وقال
حضرتك هتيجي تاني؟
نزل آدم لمستواه، وربت على كتفه وقال
أوعدك.
وأوفى بوعده.
كل أسبوع كان يروح يقضي يوم كامل معاهم.
يعلمهم الكمبيوتر، ويساعدهم في المذاكرة، ويلعب كورة في الجنينة.
وبعد شهور، اقترح عليّ فكرة.
قال
بدل ما نديهم مساعدات وخلاص... ليه مانعملش مركز تدريب للشباب الكبار؟ يتعلموا مهنة ويشتغلوا.
أعجبتني الفكرة جدًا.
وخلال أقل من سنة، اتحول جزء من الدار إلى مركز تدريب مجهز.
وبدأ أول دفعة من الشباب تشتغل في شركات مختلفة، وبعضهم انضم لشركتنا.
وفي حفل التخرج، وقف شاب منهم وقال بصوت متأثر
أول مرة حد يبص لنا على إننا نقدر ننجح... مش إننا محتاجين شفقة.
بصيت لآدم.
لقيت نفس النظرة اللي كانت في عيون ياسمين زمان...
نظرة إنقاذ الناس من غير انتظار مقابل.
وقتها ابتسمت، وقلت في سري
الحمد لله... التعب اللي عشناه خرج منه جيل يعرف قيمة الرحمة، ويصنع الأمل لغيره.
وكانت دي بداية رسالة جديدة للعائلة... رسالة عنوانها أن الخير الحقيقي لا يقف عند حدود البيت، بل يمتد ليمنح الأمل لكل من يحتاجه الفصل التاسع
بعد نجاح مركز التدريب بثلاث سنوات، بقى اسمه معروف في كل المحافظة.
كل شهر كان عشرات الشباب يلاقوا فرصة شغل جديدة، وأول مرتب يقبضوه كانوا يرجعوا يزوروا المكان اللي غير حياتهم.
وفي صباح يوم شتوي، كنت داخل المركز أنا وآدم.
لفت انتباهي شاب واقف بعيد، لابس هدوم بسيطة، وماسك ملف قديم بإيده.
كان باين عليه التوتر.
قرب مني وقال
حضرتك الأستاذ كريم؟
قلت بابتسامة
أيوه... اتفضل.
ناولني الملف وقال
أنا والدي كان شغال مع والد حضرتك من أكتر من عشرين سنة.
فتحت الملف، ولقيت صورًا قديمة، وعقودًا، وخطابات بخط يد والدي.
لكن كان فيه ظرف أصفر مكتوب
عليه
يفتح إذا كبر كريم وأصبح مسؤولًا عن الشركة.
حسيت بدقات قلبي بتزيد.
فتحت الظرف بحذر.
وكانت الرسالة بتقول
يا كريم... لو الرسالة دي وصلت لك، فأنا مطمن إنك كبرت وبقيت راالفصل العاشر
بعد نجاح مركز التدريب، بدأت الصحف تتكلم عن المشروع، لكن آدم كان يرفض أي لقاء تلفزيوني.
كان يقول دائمًا
الخير لما يتشاف في حياة الناس، مش محتاج كاميرات.
وفي صباح يوم شتوي، وصلت للشركة رسالة من الدار.
المديرة كانت طالبة تشوفنا في أسرع وقت.
أنا وآدم روحنا فورًا.
أول ما دخلنا، لقينا طفل صغير قاعد على كرسي، ماسك شنطة مدرسية قديمة، وعينيه كلها خوف.
قالت المديرة
اسمه يوسف... فقد والديه في حادث، ومن ساعة ما جه وهو مش بيتكلم مع حد.
قرب آدم منه، وقعد على الأرض قدامه.
طلع من جيبه كرة مطاط صغيرة، وابتسم وقال
تحب نلعب؟
الولد بصله دقيقة كاملة... ثم مد إيده وأخد الكرة.
كانت أول مرة يبتسم فيها من أيام.
من اليوم ده، آدم بقى يزوره كل أسبوع.
يعلمه، ويلعب معاه، ويسمعه من غير ما يضغط عليه.
وبعد ثلاثة شهور، حصلت المفاجأة.
يوسف نطق أول جملة قدام الجميع.
بص لآدم وقال
أنا... عايز أبقى زيك.
ساد الصمت في المكان.
دموع المديرة نزلت، وياسمين اللي كانت واقفة معانا مسحت دموعها بسرعة.
ابتسم آدم وقال للولد
لا... خليك أحسن مني.
وفي طريق الرجوع، قالت ياسمين وهي تنظر من نافذة السيارة
زمان كنت فاكرة إن أصعب حاجة عشتها كانت الأيام اللي تعبت فيها.
ابتسمت وقلت
دلوقتي عرفنا إن ربنا أحيانًا بيخلينا نعدي بتجارب صعبة... عشان بعدها نكون سبب في إن حد تاني يقف على رجليه.
بعد عام كامل، وقف يوسف على مسرح المدرسة، يتسلم جائزة الطالب المثالي.
وأول ما نزل، جري على آدم وحضنه قدام الناس كلها.
قال بصوت مليان فرحة
أنا نجحت... عشان لقيت حد آمن بيا.
في اللحظة دي، أدركت أن أكبر ميراث ممكن يسيبه الإنسان
لأولاده، مش شركة ولا فلوس...
إنما قلب يعرف يرحم، ويد تمتد لمساعدة كل محتاج، وأثر طيب يفضل موجود حتى بعد مرور السنين الفصل الحادي عشر
مرت سبع سنوات أخرى.
كبر يوسف، وتخرج في كلية الهندسة بتقدير امتياز، وكان أول واحد يروح له بعد استلام شهادته هو آدم.
وقف قدامه وهو مبتسم وقال
فاكر أول مرة شوفتني؟
ضحك آدم وقال
كنت مستخبي ورا الكرسي ومش عايز تكلم حد.
رد يوسف
وقتها كنت فاكر إن الدنيا انتهت... لكن أنت خليتني أصدق إنها لسه بتبدأ.
وفي نفس الأسبوع، دعا مجلس إدارة الشركة لاجتماع مهم.
كنت قاعد أراقب من بعيد، وقررت لأول مرة أخلي آدم هو اللي يدير الاجتماع بالكامل.
اتكلم بثقة، وقدم خطة لتوسيع نشاط الشركة وفتح فرص عمل جديدة للشباب اللي اتخرجوا من مراكز التدريب.
انتهى الاجتماع، وكل أعضاء المجلس وافقوا بالإجماع.
بعدها خرجت قدام الجميع وقلت
من النهارده... آدم هو الرئيس التنفيذي للشركة.
ساد الصمت للحظة.
ثم وقف الجميع يصفقون.
أما آدم، فكان أول رد فعل ليه إنه بص لياسمين.
نزل من على المنصة، وقبل رأسها قدام كل الموجودين.
وقال
لو ماما ما صبرتش، وما علمتنيش الرحمة، ماكنتش هبقى الراجل اللي واقف قدامكم النهارده.
انهمرت دموع ياسمين، ولم تستطع أن تتكلم.
وفي نهاية الحفل، وقفت أنا جنب ابني.
قلت له
أنا بنيت الشركة.
ابتسم وقال
وأنا هبني الناس اللي هيكبروا بيها.
ربتُّ على كتفه وقلت
وده أكبر نجاح كنت أحلم أشوفه.
وفي المساء، رجعنا البيت القديم.
البيت اللي بدأت فيه كل الحكاية.
كان متجدد بالكامل، لكن في ركن صغير من غرفة السفرة، طلبت من النجار يسيب قطعة من الرخام القديم كما هي.
استغرب آدم وسألني
ليه سيبتها؟
ابتسمت وأنا أبص للمكان.
وقلت
عشان كل واحد فينا يفتكر إن أصعب لحظة في حياتنا... هي اللي علمتنا قيمة العدل، والرحمة، وإن الإنسان ما يسكتش أبدًا على ظلم بيحصل قدامه.

نظر الجميع إلى قطعة الرخام في صمت.
ثم أمسكت ياسمين بيدي، وأمسك آدم بيد أمه.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن البيت الذي شهد يومًا أقسى ذكرياتهم... أصبح اليوم شاهدًا على أجمل انتصار، انتصار أسرة اختارت الرحمة، فجمع الله شملها، وبارك لها فيما رزقها الفصل الثاني عشر
مرّت خمس سنوات أخرى.
وفي صباح هادئ، كنت قاعد في جنينة البيت، ولقيت حفيدي الصغير عمر، ابن آدم، بيجري ناحيتي.
قال وهو ماسك كشكول المدرسة
جدو... ممكن تساعدني في الواجب؟
ابتسمت وشلته على رجلي.
كان السؤال مكتوبًا
اكتب عن الشخص الذي تعتبره قدوتك.
قلت له
أكيد هتكتب عن باباك.
هز رأسه وقال
لا... هكتب عن تيتة ياسمين.
ابتسمت باستغراب.
سألته
وليه؟
قال بمنتهى البراءة
لأن بابا بيقول إن البيت اللي فيه أم طيبة... عمره ما يضيع.
في اللحظة دي، خرجت ياسمين من المطبخ، ولسه في إيدها صينية الشاي.
سمعت كلام عمر، فوقفت مكانها والدموع لمعت في عينيها.
قرب منها عمر وقال
تيتة... بابا بيقول إنك علمتيه الرحمة.
حضنته وهي بتضحك وسط دموعها.
وفي المساء، اجتمعت العيلة كلها على نفس السفرة.
لكن المرة دي...
ماكانش فيها خوف.
ولا أوامر.
ولا صوت عالي.
كان كل واحد بيحط الأكل للتاني قبل ما يحط لنفسه.
وفجأة وقف آدم وقال
استنوا... عندي حاجة عايز أقولها.
الكل سكت.
طلع من جيبه مفتاح صغير، وحطه قدام ياسمين.
قال
المبنى الجديد لمؤسسة الرحمة الخيرية خلص... وقررنا نسميه باسمك.
شهقت ياسمين وقالت
باسمي أنا؟
ابتسم آدم وقال
أيوه... لأنك أول واحدة علمتنا إن الرحمة مش كلام... الرحمة أفعال.
ماقدرتش ياسمين تتمالك نفسها.
قامت وحضنت ابنها.
وأنا كنت ببص للمشهد، وافتكرت اليوم اللي دخلت فيه البيت ولقيتها تحت السفرة.
فرق شاسع بين المشهدين.
في الماضي...
كانت دموعها من الوجع.
أما النهارده...
فكانت دموع امتنان وفرحة.
رفعت عيني للسماء وقلت في
سري
الحمد لله... لأن النهاية الجميلة تستحق كل صبر.
واستمرت الحكاية...
حكاية بيت بدأ بالألم، لكنه اختار الرحمة، فصار أثره الطيب يمتد من جيل إلى جيل، وكل من دخله تعلم
تم نسخ الرابط