رجعت البيت قبل ميعادى
رجعت البيت قبل ميعادي بنص ساعة عشان آخد ملف نسيته... لكن اللي شوفته تحت السفرة خلاني أكتشف إن الست اللي كنت فاكرها بتحمي مراتي كانت بتدمرها. مراتي الحامل في الشهر التامن كانت بتلم بواقي الأكل من تحت الترابيزة... والصدمة الأكبر؟ إن أمي كانت مخبية عني حقيقة هزت بيتي كله.
رجعت البيت بدري حوالي نص ساعة عشان آخد ملف مهم نسيته قبل اجتماع كبير في الشركة.
أول ما فتحت باب الفيلا، استقبلتني ريحة الأكل الفاخر، وضحكات عالية طالعة من السفرة.
أنا كريم الشناوي.
اشتغلت سنين طويلة لحد ما بنيت شركة كبيرة، لكن النجاح الحقيقي في حياتي كان ياسمين، مراتي.
وقفت جنبي في أصعب الأيام، وباعت دهبها عشان تساعدني أقف على رجلي، وعمرها ما اشتكت.
وبعد ست سنين انتظار وعلاج، ربنا رزقنا بحمل كنا بنحلم بيه من زمان.
عشان شغلي كان بيخليني أسافر كتير، سيبت أمي، الحاجة فاطمة، تعيش معانا، وسلمتها كل مسؤولية البيت وأنا مطمن، وكنت فاكر إنها هتعتبر ياسمين بنتها.
كل يوم كنت أكلمها، وكانت تطمني وتقول
مراتك مرتاحة وبتاكل أحسن أكل... متشيلش هم.
أما ياسمين، فكانت دايمًا ترد بابتسامة وتقول إن كل حاجة بخير.
لكن كنت ملاحظ إنها كل مرة بتخس أكتر، ووشها بقى شاحب، وكنت أفتكر إن الحمل هو السبب.
دخلت ناحية السفرة بهدوء.
المائدة كانت مليانة أشهى أنواع الأكل، وأمي قاعدة مع مجموعة من صاحباتها بيتكلموا ويضحكوا.
بصيت أدور على ياسمين... لكن ملقتهاش.
وفجأة سمعت صوت أمي وهي بتقول بحدة
يلا... اطلعي اللي وقع تحت الترابيزة.
انحنيت أبص...
واتجمدت مكاني.
ياسمين كانت قاعدة على ركبها تحت السفرة، بتحاول تجمع بواقي الأكل في طبق بلاستيك صغير.
فستان الحمل كان متسخ، وركبها كلها آثار احمرار، وكانت ماسكة بطنها بإيد، وبتجمع الفتات بالإيد التانية.
واحدة من الضيوف قالت باستغراب
هي لسه مخلصتش؟
ردت
لازم تتعلم النظام... اللي يعيش في بيتي يمشي على قوانيني.
في اللحظة دي، ياسمين رفعت عينيها وشافتني.
وشها اتغير، وقالت بسرعة وهي بتحاول تقوم
كريم... متزعلش... أنا كويسة.
كانت بتحاول تمنع أي مشكلة.
لكن أنا لأول مرة حسيت إن في حاجة كبيرة كانت بتحصل وأنا غايب.
قربت منها، وساعدتها تقف، ولما مسكت إيديها حسيت إنها باردة جدًا، وجسمها كله مرهق.
وفي اللحظة دي... قررت أعرف الحقيقة كاملة، مهما كانت صعبة الفصل الثاني
خرجت بياسمين من وسط الصالة وأنا شايلها بين إيديا، ولا التفت لأي صوت ورايا.
كانت بتحاول تنزل وتقول بصوت ضعيف
أنا أقدر أمشي يا كريم...
لكن الدكتور بعد ما كشف عليها في المستشفى، هز رأسه وقال بجدية
الحمد لله إنك جيت في الوقت المناسب... المدام عندها أنيميا شديدة، ونقص تغذية واضح، ولازم ترتاح تمامًا.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
بصيت لياسمين، لقيتها منزلة عينيها في الأرض.
سألتها بهدوء
من إمتى؟
سكتت شوية، وبعدها قالت
من أول ما بدأت تسافر كتير.
قلت وأنا بحاول أسيطر على غضبي
وليه ماقولتيليش؟
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
كل مرة كنت أكلمك فيها كنت بكون سامعة تعبك وضغط شغلك... وكنت بقول لنفسي أكيد الأمور هتتحسن.
مسكت إيدها وقلت
من النهارده... مفيش حد هيقدر يزعلك تاني.
في اليوم التالي، رجعت الفيلا لوحدي.
البيت كان هادي بشكل غريب.
أمي كانت قاعدة في الصالون، ولما شافتني قالت بثقة
الحمد لله إنها بقت كويسة.
لكن المرة دي، ماجاوبتهاش.
ناديت على مدير الأمن، والخادمة، والطباخ، وطلبت إن الكل يجتمع.
بصيت للجميع وقلت
النهارده محدش هيخاف يقول الحقيقة.
ساد صمت طويل.
وفجأة، رفعت الخادمة إيديها وقالت وهي بتبكي
يا بيه... إحنا كنا بننفذ الأوامر.
سألتها
أوامر مين؟
ردت وهي تبص في الأرض
الحاجة فاطمة كانت بتقول إن المدام لازم تعتمد على نفسها،
مدير الأمن اتكلم هو كمان
وأكتر من مرة شفت المدام تتعب، ولما كنت أقول نطلب دكتور، كانت الحاجة تقول إنها مجرد أعراض حمل.
لفيت ناحية أمي.
كانت ساكتة.
قلت لها
كل ده حصل وأنا واثق إنك بتحافظي على بيتي.
قالت بعصبية
أنا كنت بربيها... عشان تعرف قيمة النعمة.
رديت بهدوء
الرحمة عمرها ما كانت ضعف... والإهانة عمرها ما كانت تربية.
طلعت من جيبي بطاقة البنك اللي كنت سايبها معاها.
وقلت
من النهارده كل الحسابات اتقفلت.
بعدها طلبت من المحامي يدخل.
كان مستنيني بره.
سلمته مجموعة أوراق، وقلت
جهز إجراءات نقل إقامة والدتي لشقتها اللي باسمها، وكل مصاريفها هتفضل واصلالها، لكن بعيد عن بيتي.
أمي بصت لي بصدمة.
وقالت
يعني هتطرد أمك؟
بصيت لها بحزن وقلت
لا... أنا بحمي زوجتي وابني، وفي نفس الوقت مش هسيبك من غير رعاية. لكن البيت ده لازم يرجع مكان فيه أمان.
وسبت الصالون وخرج.
وأنا راجع للمستشفى، كنت عارف إن أصعب قرار أخدته في حياتي... هو القرار الصح الفصل الثالث
مرت ثلاثة أيام، وياسمين بدأت تستعيد جزءًا من صحتها.
لون وشها رجع شوية، وابتسامتها الخفيفة رجعت تدخل الطمأنينة لقلبي.
كنت ملازمها في المستشفى، أشتغل من اللاب توب، وأرفض أسيبها دقيقة.
في صباح اليوم الرابع، دخل الدكتور وهو مبتسم.
قال
التحاليل بقت أفضل، لكن لازم الراحة التامة، والأكل المنتظم، ومفيش أي ضغط نفسي.
ابتسمت لأول مرة من أيام.
ولما خرج الدكتور، مسكت إيد ياسمين وقلت
سامحيني... أنا كنت موجود، لكن ماكنتش شايف.
دمعت عينيها وقالت
أنا عمري ما زعلت منك... كنت مستنية بس اليوم اللي تقعد تسمعني فيه.
حضنتها بحرص، ووعدتها إن اللي حصل مش هيتكرر أبدًا.
بعد أسبوع رجعنا البيت.
لكن مش الفيلا القديمة.
كنت قبلها بيوم مجهز بيت هادئ قريب من شغلي، فيه جنينة
أول ما دخلت، ياسمين وقفت تبص للمكان وهي مش مصدقة.
قلت لها بابتسامة
ده بيتنا... بداية جديدة.
لفت في البيت وهي تلمس كل حاجة، ولما شافت أوضة الطفل، بكت من الفرحة.
قالت
أنا أول مرة أحس إني مرتاحة من شهور.
وفي نفس الأسبوع، قررت أقلل سفري، وفوضت جزءًا كبيرًا من شغلي لمديري الشركة.
كنت عايز أكون موجود وقت ولادة ابني، وبعدها كمان.
وبعد حوالي شهر، في منتصف الليل، صحيت ياسمين وهي بتقولي
كريم... أظن الولادة بدأت.
أخدتها بسرعة للمستشفى.
كانت ساعات طويلة، وكل دقيقة فيها كانت كأنها سنة.
وأخيرًا، خرج الطبيب وهو مبتسم.
قال
مبروك... ربنا رزقكم بولد بصحة ممتازة، والأم بخير.
حمدت ربنا من قلبي، وسجدت شكرًا.
دخلت أشوف ياسمين.
كانت شايلة الطفل بين إيديها، وبصت لي وقالت
شوف... ده حلمنا اللي استنيناه سنين.
شلت ابني لأول مرة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
في اللحظة دي، عرفت إن أغلى نجاح في حياتي ماكانش الشركة ولا الفلوس...
كان الأسرة اللي ربنا حفظها بعد ما كانت على وشك تضيع.
ومن يومها، بقيت أخصص وقت ثابت كل يوم لمراتي وابني، مهما كانت ضغوط الشغل.
لأني اتعلمت درس عمره ما هيتنسي...
البيت اللي مليان حب واهتمام، هو أعظم ثروة ممكن يمتلكها أي إنسان الفصل الرابع
مرّت ستة أشهر.
كبر آدم وبقى مالي البيت ضحك، وكل يوم كنت أرجع من الشغل بدري عشان ألحق ألعب معاه.
أما ياسمين، فرجعت صحتها أحسن من الأول، وبقت الابتسامة اللي افتقدتها شهور مرسومة على وشها من جديد.
وفي يوم، بينما كنت براجع بعض الملفات، دخل عليّ المحامي.
قال
أستاذ كريم... في حاجة لازم تشوفها.
حط قدامي ملف قديم، وقال
ده كان باسم والدك الله يرحمه.
فتحت الملف، ولقيت خطاب مكتوب بخط إيد أبويا.
كان مكتوب فيه
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود. أوصيك بزوجتك، وأوعى تسمح
قفلت الخطاب وأنا حاسس إن أبويا بيتكلم معايا بعد