جوزى وعدنى
لقيت بنت صغيرة من الجيران، ماسكة ظرف.
قالت:
—طنط، ده وقع من عمو وهو نازل.
أخدت الظرف.
كان فيه ورقة بخط جوزي.
فتحتها، لقيته كاتب:
"لو في يوم زعلتك من غير قصد، فكريني بالورقة دي قبل ما تزعلي. أنا وعدت نفسي إن عمري ما أخليكي تحسي إنك لوحدك تاني."
ابتسمت، وهو دخل من ورايا وقال:
—كنت ناوي أديهالك بالليل... بس الظاهر إن المفاجآت مش بتستحمل معايا.
ضحكنا إحنا الاتنين.
وفي نفس الوقت، حماتي كانت قاعدة في الصالة.
بصتلنا وقالت وهي تبتسم:
—عارفين؟ أنا كمان اتعلمت درس.
بصينالها.
قالت:
—الأم تفضل أم طول العمر... لكن بعد الجواز، الزوجة هي شريكة العمر. وكل واحد لازم يعرف حدوده عشان البيت يفضل واقف.
قمت حضنتها.
وقلت:
—وأنا كمان اتعلمت إن الكلام وقت الزعل أحسن من السكوت.
ابتسم جوزي وقال:
—يبقى نتعاهد؟
مد إيده.
أنا حطيت إيدي فوق إيده.
وحماتي حطت إيدها فوق إيدينا وهي بتضحك.
وقالت:
—خلاص... صفحة واتقفلت.
ومن يومها...
كل سنة في نفس معاد السفرية اللي ما حصلتش، كنا نسافر يومين لوحدنا.
مش علشان المكان...
لكن علشان نفتكر إن أي بيت، مهما حصل فيه خلاف، يقدر يقوم من جديد... طالما فيه احترام، وصدق، ورغبة حقيقية في الإصلاح. 🌹تمت.بعد خمس سنين...
في صباح هادئ، كنا بنجهز الفطار، وابننا الصغير جري على أبوه وقال:
—بابا... إمتى هنسافر؟
بصلي جوزي وضحك.
وقال:
—واضح إن السفر بقى موضوع مهم في البيت.
رديت وأنا بضحك:
—بس المرة دي هنتأكد من الحجز الأول.
فتح اللابتوب قدامي، وقال:
—اتفضلي... إنتِ اللي اختاري المكان، وإنتِ اللي اضغطي زر الحجز.
اخترت مكان هادئ على البحر.
ولما خلصنا الحجز، وصلتنا رسالة التأكيد.
ناولني الموبايل وقال:
—اقري.
كان مكتوب:
عدد المسافرين: 3
الأب... والأم... والطفل.
ولا اسم زيادة، ولا اسم ناقص.
ابتسمت، وقلت:
—أهو كده القلب ارتاح.
وفي المساء، رن تليفونه.
كانت والدته.
قالت:
—سمعت إنكم هتسافروا.
رد بابتسامة:
—آه يا أمي، وإحنا راجعين هنعدي عليكي ونقضي اليوم كله معاكي.
قالت له:
—ربنا يسعدكم. أهم حاجة حافظوا على بيتكم، لأن البيت اللي فيه
قفل المكالمة، وبصلي.
قال:
—زمان كنت فاكر إن إرضاء كل الناس هو الصح.
قلت:
—ودلوقتي؟
قال:
—اتعلمت إن الزوج الناجح هو اللي يعرف يدي كل واحد حقه، من غير ما يظلم حد.
ابتسمت، وأنا حاسة إن السنين غيرتنا للأحسن.
ولما جه يوم السفر...
ركبنا العربية.
ابننا من الكرسي الخلفي سأل:
—ماما... المرة دي الحجز باسمك؟
ضحكنا أنا وجوزي.
ورد هو قبل ما أتكلم:
—الحجز باسم العيلة كلها... لأن العيلة عمرها ما تقوم إلا لما كل واحد يحس إن مكانه محفوظ.
ابتسمت وأنا ماسكة إيده.
وافتكرت الليلة اللي رجعت فيها من المطار لوحدي.
وقتها كنت فاكرة إن دي نهاية الحكاية.
لكن الحقيقة...
كانت بداية بيت اتبنى من جديد، على الصراحة، والاحترام، والثقة.
تمت. 🌹بعد عشر سنين...
كان عندنا بنت في أولى ابتدائي، وولد في خامسة.
وفي يوم، بنتنا دخلت علينا وهي ماسكة كراسة التعبير.
قالت ببراءة:
—بابا... المدرسة طلبت نكتب عن "أجمل رحلة في حياتنا".
ضحكت وقلت: —اكتبي عن آخر مصيف.
لكن جوزي قال: —لا... خليها تكتب عن أول رحلة نجحت.
استغربت بنته وقالت: —هي كانت فين؟
بصلي، وابتسم.
وقال: —كانت رحلة من الغلط... للصح.
قعدنا كلنا نسمع.
وحكالهم من غير ما يخبي حاجة.
قال: —زمان بابا غلط غلطة كبيرة، واتعلم منها إن الزوجة لازم تبقى أول شريك في أي قرار.
ابننا سأله: —يعني ماما زعلت منك؟
ضحك وقال: —وزعلها كان من حقها.
قلت بسرعة: —المهم إن أبوكم اعترف بغلطه، وحاول يصلحه.
بعدها بأسبوع...
في عيد جوازنا العاشر، جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت شركة الشحن جايبة صندوق كبير.
فتحناه.
كان فيه برواز خشب محفور عليه عبارة:
"البيت السعيد مش البيت اللي عمره ما عرف خلاف... البيت السعيد هو اللي أهله عرفوا يصلحوا خلافهم."
وفي ضهر البرواز، ورقة صغيرة بخط جوزي:
"شكرًا إنك ما استسلمتيش لأول أزمة... وشكرًا إنك علمتيني إن الاحترام اختيار بيتجدد كل يوم."
ابتسمت، وحسيت إن كل وجع عدى زمان بقى مجرد ذكرى.
وفي المساء، وقفنا في البلكونة، بنتفرج على أولادنا وهما بيلعبوا.
قال بهدوء: —عارفة؟ لو رجع بيا الزمن، كنت هغير
ابتسمت وقلت: —ولو رجع بيا الزمن... كنت برضه هواجهك، لأن السكوت وقتها كان هيضيع بيتنا.
مسك إيدي، وقال: —الحمد لله إننا اخترنا نصلح، مش نهرب.
وهكذا فضلت الحكاية تتحكي في بيتهم كلما كبر الأولاد...
مش كقصة عن سفرية اتلغت...
لكن كحكاية علمتهم إن الحب الحقيقي، أساسه الصراحة، والاحترام، وإن أي قرار يخص الأسرة لازم يتاخد بمشاركة الاتنين.
النهاية الأخيرة. 🌹بعد خمسة عشر سنة...
كنا قاعدين في حديقة البيت، والأولاد بقوا شباب.
ابننا كان خلاص بيتجهز لكتب كتابه.
وفجأة قال وهو بيبص لأبوه:
—بابا... ممكن آخد رأيك في حاجة؟
قال جوزي: —طبعًا.
قال: —أنا حاجز أنا وخطيبتي أسبوع بعد الفرح، بس تيتا زعلت وقالت نفسها تيجي معانا يومين.
بصيت لجوزي، واستنيت رده.
ابتسم وقال من غير تردد:
—قول لتيتا إن أول سفرية للعريس وعروسته حقهم لوحدهم... وإحنا بعد ما يرجعوا نسافر كلنا سوا لو حبينا.
ابننا ابتسم وقال: —كنت عارف إنك هتقول كده.
سألته: —عرفت منين؟
قال وهو يضحك: —لأن ماما حكتلي القصة القديمة.
ضحكنا كلنا.
وفي يوم الفرح...
بعد ما المعازيم مشيوا، جوزي نادى على ابننا بعيد عن الناس.
وشال من جيبه مفتاح صغير.
قال: —ده مفتاح الشقة اللي جهزتها ليك.
استغرب ابنه وقال: —شكراً يا بابا.
ابتسم وقال: —بس عندي شرط واحد.
—إيه هو؟
—أوعى في يوم تاخد قرار يخص بيتك من غير مراتك. لو عملت كده، هتخسر أكتر بكتير من أي فلوس.
هز ابنه رأسه وقال: —وعد.
بعدها بشهور...
إحنا الاتنين كنا قاعدين على البحر، نفس البحر اللي كنا نحلم نسافر له أول الجواز.
قال وهو بيبص للموج:
—عارفة... أكتر حاجة ندمت عليها في حياتي، مش إلغاء السفرية.
قلت: —أمال إيه؟
قال: —إني للحظة خليتك تحسي إنك مش أهم شخص في حياتي.
ابتسمت، ومسكت إيده.
وقلت: —وأكتر حاجة فرحتني... إنك ما اكتفيتش بالاعتذار، لكن غيرت نفسك.
سكتنا.
وكنا بنتفرج على غروب الشمس.
بعد كل السنين دي...
اكتشفنا إن أجمل رحلة ما كانتش شرم الشيخ، ولا الغردقة، ولا أي مكان سافرناه.
أجمل رحلة كانت الرحلة اللي خلت اتنين اتعلموا إزاي يحافظوا على بيتهم
تمت. 🌹بعد عشرين سنة...
كان البيت مليان أصوات وضحك.
الأولاد كبروا، وكل واحد بقى له حياته ومسؤولياته، لكن يوم الجمعة كان له طعم خاص... يوم تجمع العيلة كلها.
دخلت بنتنا وهي ماسكة ألبوم صور قديم.
قالت:
—ماما... لقيت صور أول سنة جواز ليكم.
قعدنا كلنا نتفرج.
وصلنا لصورة قديمة لينا في المطار.
أنا واقفة ووشي متضايق، وهو واقف مش عارف يعمل إيه.
ضحك ابني وقال:
—بابا، دي أكتر صورة شكلك فيها ندمان.
ضحكنا كلنا.
قال جوزي:
—لأنها كانت أول مرة أفهم إن ممكن الإنسان يخسر حاجة غالية وهو فاكر إنه بيعمل الصح.
بنتي بصتلي وقالت:
—ماما، إنتِ إزاي سامحتيه؟
ابتسمت وقلت:
—أنا مسامحتش الغلطة... أنا سامحت الإنسان اللي اعترف بغلطته وحاول يتغير.
جوزي أضاف:
—بس أهم حاجة... ما تستنوش إن اللي قدامكم يفضل يطلب فرصة من غير ما يثبت إنه يستحقها.
سكتنا لحظة.
لأننا كلنا عارفين إن الحياة مش دايمًا سهلة.
فيها خلافات، وفيها مواقف بتكشف معدن الناس.
لكن الفرق كان إننا كل مرة كنا نختار نتكلم بدل ما نبعد.
وفي آخر الليل، بعد ما الأولاد مشيوا، قعدنا لوحدنا في البلكونة.
قال لي:
—تفتكري لو اليوم ده ما حصلش؟
بصيت للسماء وقلت:
—يمكن كنا كملنا عادي... لكن ما كناش هنتعلم.
ابتسم وقال:
—يعني السفرية اللي ما حصلتش كانت أهم سفرية في حياتنا؟
ضحكت:
—آه... لأنها علمتنا نوصل لبعض قبل ما نوصل لأي مكان.
ومرت السنين...
وبقيت الحكاية مش عن زوجين اختلفوا بسبب رحلة.
بقت عن بيت اتعلم إن الحب مش كلام يتقال في الأيام الحلوة فقط...
الحب الحقيقي يظهر وقت الاختبار.
النهاية. 🌹النهاية:
مرت السنين، وبقيت الرحلة القديمة مجرد ذكرى بنحكيها وإحنا بنضحك.
ماحدش فيهم نسي اللي حصل في المطار، لأنها كانت اللحظة اللي خلت جوزي يفهم إن الزوجة مش شخص على هامش الحياة، لكنها شريكة في كل خطوة.
وفي آخر زيارة لحماتي، قعدت معايا وقالت:
—عارفة يا بنتي... زمان كنت فاكرة إن ابني لما يفضل قريب مني يبقى ده دليل حب، لكن اتعلمت إن لكل مرحلة حقها، وإن مراته لازم يكون ليها مكانها.
ابتسمت وقلت:
—وأنا كمان اتعلمت إن الكلام
دخل جوزي وهو سامع آخر الجملة، وقال ضاحكًا:
—وأنا اتعلمت إن أسهل حاجة تخسر ثقة حد... وأصعب حاجة ترجعها.
بصينا لبعض، وابتسمنا.
لأننا عرفنا إن البيوت مش بتنجح لأنها خالية من المشاكل...
لكن لأنها مليانة ناس مستعدة تعترف، وتصلح، وتحافظ على بعض.
أما السفرية الأولى...
فما كانتش أجمل رحلة في حياتنا بسبب المكان.
كانت أجمل رحلة لأنها علمتنا الطريق لبعض.
تمت. 🌹