جوزى وعدنى
جوزي وعدني إن أول سفرية بعد الجواز هتبقى لينا لوحدنا… لكن ليلة السفر اكتشفت إنه استبدل اسمي باسم أمه من غير حتى ما يقولي.
فضلت مستنية اليوم ده من ساعة كتب الكتاب.
كل ما أفتح موضوع السفر، كان يبتسم ويقول:
—استحملي شوية... أول إجازة هتبقى لينا إحنا الاتنين، لا شغل ولا أهل ولا أي حد.
وكنت بصدق كلامه.
من يوم ما اتجوزنا، عمرنا ما خرجنا يوم كامل لوحدنا.
كل مناسبة كانت تنتهي بوجود أهله.
وكل محاولة أتكلم فيها، كان يرد:
—دول أهلي، وميصحش أزعلهم.
لما قالي إنه حجز أسبوع في الغردقة، فرحت من قلبي.
اشتريت هدوم جديدة.
وجهزت شنطتي قبل السفر بثلاثة أيام.
وفي ليلة السفر، وصلنا المطار.
وأول ما دخلنا، لقيت حماتي واقفة ومعاها شنطة سفر كبيرة.
استغربت، لكن افتكرت إنها جاية تودعنا.
ابتسمت وسلمت عليها.
لكنها قالت وهي تضحك:
—يلا بينا... الطيارة قربت.
بصيت لجوزي باستغراب.
قال بهدوء:
—ماما هتيجي معانا.
افتكرت إنه بيهزر.
لكن لما وصلنا كاونتر شركة الطيران، الموظفة نادت أسماء المسافرين:
اسم جوزي...
واسم حماتي...
وبعدين بصتلي وقالت:
—حضرتك معاك حجز؟
وقتها حسيت إن الأرض بتميد بيا...
لأن جوزي طلع بطاقته وقال بكل هدوء:
—هي مش مسافرة... حصل تغيير بسيط في الخطة.
بصيتله وأنا مش قادرة أستوعب.
قلت:
—يعني إيه مش مسافرة؟
رد وهو بيتجنب يبصلي:
—ماما نفسها كانت تسافر من سنين... وقلت نعوضها.
قلت:
—طب وأنا؟
قال:
—نسافر إحنا بعدين.
وقفت ساكتة ثواني...
لكن المفاجأة الأكبر كانت لما موظفة الشركة قالت:
—حضرتك هي اللي دفعت قيمة الرحلة من بطاقتها، صح؟
اتجمد جوزي مكانه...
لأن الموظفة كملت:
—وأي تعديل على الحجز لازم يكون بموافقة صاحب البطاقة... وإحنا معندناش أي موافقة من حضرتك.
في اللحظة دي... كل الأنظار اتوجهت ناحيته، وبدأت الحقيقة تظهر قدام الجميع.
يتبع...أخد نفسًا عميقًا، وحاول يبتسم للموظفة وقال:
—أكيد فيه سوء تفاهم... أنا جوزها.
هزت الموظفة رأسها باحترام وقالت:
—حضرتك زوجها فعلًا، لكن الدفع تم من بطاقتها، وأي تعديل أو إلغاء لازم يكون بموافقتها أو بحضورها.
بصيت له وأنا مستنية يرد.
لكنه فضل ساكت.
حماتي اتدخلت وقالت بضيق:
—يا بنتي دي مجرد سفرية، هتكبروا الموضوع ليه؟
رديت بهدوء:
—الموضوع مش سفرية... الموضوع إنكم قررتوا مكاني من غير ما حتى تسألوني.
بدأ الناس اللي واقفين في الطابور يبصوا علينا.
حاول جوزي ياخدني على جنب وقال:
—تعالي نتكلم بعيد.
قلت:
—اتكلم هنا... مفيش حاجة تتقال في السر.
الموظفة قالت:
—في حل لو حابين، ممكن نرجع الحجز القديم لو في أماكن فاضية.
بدأت تدور على الكمبيوتر، وبعد دقيقة رفعت رأسها وقالت:
—للأسف الفندق والطيران كاملين، ومفيش مكان رابع.
بصيت لجوزي وقلت:
—يبقى سافروا.
استغرب وقال:
—وإنتِ؟
ابتسمت ابتسامة هادئة:
—أنا مش هسافر في رحلة اتبنت على تجاهلي.
لفيت وخرجت من المطار.
كنت سامعة صوته بينادي عليا، لكني مكملتش.
في الصباح، رجعت لشغلي كأن مفيش حاجة حصلت.
بعد يومين رجعوا من السفر.
أول ما دخل البيت، كان مستني ألاقيه وأعاتبه.
لكنه اتفاجئ إن الشنط اللي كانت في الصالة هي شنطه هو.
قلت له بهدوء:
—اقعد... محتاجين نتكلم.
جلس وهو متوتر.
طلعت كشف حساب البنك، ونسخة من رسالة شركة السياحة، وحطيتهم قدامه.
وقلت:
—أنا مش زعلانة إن مامتك سافرت... أنا زعلانة إنك كذبت عليا، وغيرت الحجز من ورايا، واستخدمت فلوسي من غير إذني.
نزل رأسه وقال لأول مرة:
—غلطت.
سألته:
—لو كنت مكاني، كنت هتقبل اللي حصل؟
فضل ساكت.
بعد دقائق، قال:
—لأ.
قلت:
—يبقى لازم تعرف إن المشكلة مش السفر... المشكلة إن الثقة اتكسرت.
طلبت منه يروح يقعد كام يوم عند أهله لحد ما يفكر في اللي عمله.
وافق من غير جدال.
ولأول مرة من يوم الجواز، فهم إن احترام الزوجة مش كلمة بتتقال... لكنه تصرف بيتثبت في المواقف.
يتبع...مر أسبوع كامل.
ولا رسالة.
ولا مكالمة.
كنت متوقعة إنه يرجع معتذر، أو حتى يحاول يبرر.
لكن اللي حصل كان العكس.
اتصل بيا وقال:
—ماما زعلانة جدًا... وبتقول إنك كسرتي خاطرها لما رجعتي من المطار.
رديت بهدوء:
—وأنا؟ حد سأل إذا كان خاطري اتكسر؟
سكت ثواني، وقال:
—يعني خلاص؟ مش هتسامحي؟
قلت:
—أنا مستعدة أسامح الغلط... لكن مش مستعدة أعيش مع حد شايف إن رأيي مالوش قيمة.
قفلنا المكالمة.
بعدها بيومين، جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت حماتي واقفة لوحدها.
كان واضح إنها جاية وهي مجهزة كلام
دخلت وقعدت، وقالت:
—أنا السبب في اللي حصل... أنا اللي طلبت منه ياخدني معاكم.
بصيتلها وسكت.
كملت:
—لكنه هو اللي قرر يلغي سفرك من غير ما يقولك... وأنا افتكرت إنه كلمك ووافقتي.
لأول مرة حسيت إنها بتتكلم بصدق.
قالت وهي منزلة رأسها:
—أنا غلطت لما وافقت، وكان لازم أرفض.
بعدها بدقائق، جوزي دخل.
كان شايل ظرف صغير.
حطه قدامي وقال:
—ده المبلغ اللي دفعتيه كامل... ورحلة جديدة باسمك إنتِ، والميعاد إنتِ اللي تختاريه.
بصيت للظرف، ومافتحتهوش.
قلت:
—الفلوس بتتعوض... إنما الاحترام هو اللي صعب يرجع.
قال:
—عارف... وعشان كده أنا مش بطلب منك تنسي، أنا بطلب فرصة أصلح.
فضلت ساكتة.
قال:
—من النهارده، أي قرار يخصنا إحنا الاتنين، مش هيتاخد غير بموافقتك.
وبص ناحية والدته.
قال لها باحترام:
—يا أمي، إنتِ غالية على قلبي... لكن مراتي شريكتي، ومينفعش حد ياخد مكانها.
حماته هزت رأسها وقالت:
—معاك حق.
ابتسمت لأول مرة من أيام.
وقلت:
—الفرصة دي... مش علشانك بس، علشان البيت اللي إحنا بنحاول نبنيه.
مد إيده.
ومديت إيدي أنا كمان.
المرة دي، ماكانش فيه وعود كبيرة.
كان فيه اتفاق بسيط...
إن أي رحلة جاية، قبل ما تتحجز تذكرة، لازم الأول يتحجز مكان للثقة والاحترام بين الاتنين.
النهاية.بعد ستة شهور...
كنا قاعدين على بلكونة البيت، بنشرب الشاي بعد يوم شغل طويل.
جوزي بصلي وقال بابتسامة:
—فاكرة السفرية اللي عمرها ما تمت؟
ضحكت وقلت:
—أنساها إزاي؟
قام من مكانه، وناولني ظرف أبيض.
فتحته.
لقيت تذكرتين سفر... باسمي وباسمه.
بس المرة دي كان فيه ورقة صغيرة مكتوب فيها:
"أي تغيير في الحجز لا يتم إلا بحضور صاحبة الاسم الأول."
بصيتله باستغراب.
قال:
—طلبت من شركة السياحة تضيف الملاحظة دي مخصوص... عشان عمري ما أكرر الغلطة.
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وفي يوم السفر...
وصلنا المطار.
حماتي كانت واقفة عند الباب.
قربت مني، حضنتني وقالت:
—انبسطي يا بنتي... ومتقلقيش على البيت، أنا همر عليه كل كام يوم أطمن بس.
قلت لها بابتسامة:
—شكرًا يا ماما.
ردت وهي تضحك:
—وأهو اتعلمت إن لكل حاجة وقتها... وسفرية الزوجين لازم تفضل للزوجين.
جوزي بص لأمه
—أهو كده الكلام.
ركبنا الطيارة.
وأول ما قعدنا في أماكننا، مسك إيدي وقال:
—أنا اتعلمت إن البيت مش بيتبني بالفلوس ولا بالسفر... البيت بيتبني لما الزوجة تحس إنها أول اختيار، مش آخر واحد نفتكره.
بصيت من شباك الطيارة، وأنا حاسة إن الرحلة دي مختلفة.
مش لأنها لأجمل مكان...
لكن لأنها كانت أول رحلة بدأناها وإحنا فاهمين معنى الشراكة والاحترام.
ولما رجعنا...
كانت حياتنا أهدى بكتير.
بقينا نتناقش قبل أي قرار.
ولو حد من الأهل احتاج حاجة، كنا بنتفق سوا.
ومع الوقت، حتى حماتي نفسها بقت تقول لأي عروسة جديدة في العيلة:
—خليكم دايمًا تفتكروا إن الزوجين لازم يبقى ليهم وقت خاص... ده مش أنانية، ده اللي بيحافظ على المودة.
وهكذا انتهت القصة، ليس بانتصار شخص على آخر، ولكن بانتصار الاحترام، والصدق، وحسن التفاهم داخل الأسرة. تمت.بعد سنة كاملة...
في عيد جوازنا الأول، جوزي قال:
—عندي ليكي مفاجأة... بس المرة دي أوعدك إنك أول واحدة تعرفها.
ابتسمت وقلت: —خوفتني من كلمة "مفاجأة".
ضحك وقال: —المرة دي مختلفة.
ركبنا العربية، وبعد حوالي ساعة وقف قدام قطعة أرض صغيرة على البحر.
ناولني ملف.
فتحته، لقيت عقد شاليه تحت الإنشاء.
قلت باستغراب: —ده إيه؟
قال: —من يوم اللي حصل في المطار وأنا وعدت نفسي إن يبقى لينا مكان خاص... محدش يفرض نفسه فيه، ومحدش يقرر بدلنا.
بصيت للعقد.
كان مكتوب فيه اسمي واسمه معًا.
قلت: —يعني أخيرًا بقيت بتاخد القرارات معايا؟
ابتسم وقال: —مش معاكِ... من غيرك أصلًا مفيش قرار.
في اللحظة دي، رن تليفونه.
كانت أمه.
رد عليها باحترام.
قالت: —أنا كنت هعدي عليكم النهارده.
قال: —يا أمي إحنا بره، أول ما نرجع هاجي أقعد معاكي.
ابتسمت وأنا سامعة كلامه.
لأنه أخيرًا عرف يوازن بين بر والدته، وحق زوجته.
بعد شهرين، الشاليه خلص.
وكان أول مكان ندخله وإحنا الاتنين لوحدنا.
علقنا على الحائط برواز صغير.
مكتوب فيه:
"البيت اللي فيه احترام... عمر الزعل ما يقعد فيه كتير."
بصلي وقال:
—فاكرة إن كل ده بدأ من سفرية ملغية؟
ضحكت وقلت:
—لأ... بدأ يوم ما اتعلمنا إن الحب من غير احترام، مايكملش.
ابتسم، ومسكني من إيدي، وإحنا بنتفرج على
وكانت دي المرة الأولى اللي يحس فيها كل واحد فيهم إن شريكه... هو فعلًا أولويته.
النهاية الحقيقية.بعد ثلاث سنين...
بقينا نحكي الحكاية دي وإحنا بنضحك.
لكن عمرنا ما نسينا الدرس اللي اتعلمناه.
في يوم الجمعة، كنا قاعدين بنتغدى، وجوزي قال:
—فاكرة لما غيرتي كالون الشقة؟
ضحكت وقلت:
—وقتها كنت فاكرة إن جوازنا انتهى.
قال وهو يهز رأسه:
—وأنا وقتها لأول مرة خفت أخسرك بجد.
رن جرس الباب.
فتحت.