دخل رجل أعمال
المحتويات
أحيانًا عند الباب بنفسه.
وفي أحد الأيام، بينما كانت صوفيا ترتب ألعابها في القصر، أخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا كانت تحتفظ به منذ وجودها في دار الأيتام.
قالت
بابا... فيه حاجة عمري ما وريتها لحد.
فتح الصندوق، فوجد بداخله دمية قماش قديمة، ومفتاحًا نحاسيًا صغيرًا، ورسالة مكتوب عليها
يفتح الأمانة رقم 17.
تعجب ياسين.
أمانة فين؟
هزت صوفيا كتفيها.
الست اللي كانت بتيجي تزورني كل سنة كانت بتقولي لما بابا يرجع، اديله المفتاح.
في صباح اليوم التالي، ذهب ياسين إلى البنك المذكور في الرسالة.
وبعد مراجعة الأوراق، اصطحبه المدير بنفسه إلى غرفة الأمانات.
أدخل المفتاح...
ودار القفل ببطء.
فتح الصندوق، فوجد بداخله ألبوم صور، وبعض الأوراق، ومظروفًا كبيرًا باسمه.
فتح المظروف.
كانت رسالة من نور.
يا ياسين... لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى ربنا جمعك بصوفيا. أنا كنت عارفة إن الحياة ممكن تفرقنا، علشان كده احتفظت بكل ذكرياتنا هنا. متسمحش لبنتنا تكبر وهي فاكرة إن الحزن أقوى من الأمل.
بكى ياسين لأول مرة دون أن يخجل من دموعه.
وفي آخر الصندوق، وجد دفترًا صغيرًا.
فتحه...
فاكتشف أن نور كانت تكتب فيه حلمها القديم.
نفسي أعمل بيت كبير للأطفال اللي ملهمش حد... مكان يحسوا فيه إنهم وسط عيلة.
أغلق الدفتر، ونظر إلى صوفيا التي كانت تقرأ الصور بابتسامة.
وقال لها
هنحقق حلم ماما سوا.
بعد عام كامل، افتُتح بيت نور للأطفال.
لم يكن مجرد دار رعاية، بل مكان يضم مدرسة، وورشًا للتعليم، وعيادة، وحديقة كبيرة.
وفي حفل الافتتاح، أمسكت صوفيا الميكروفون وقالت أمام الجميع
زمان كنت فاكرة إني لوحدي... لكن دلوقتي عرفت إن ربنا بيأخر الفرح أوقات، بس عمره ما بينساه.
وقف الحضور يصفقون بحرارة، بينما رفع ياسين رأسه إلى السماء وهمس
اطمني يا نور... حلمك بقى حقيقة.
وانتهت الحكاية، لكن أثرها ظل في قلوب كل طفل وجد في بيت نور بداية
مرّت خمس سنوات...
كبرت صوفيا، وأصبحت في العاشرة من عمرها، لكن قلبها ظل كما هو؛ مليئًا بالحنان لكل طفل يعيش ما عاشته يومًا.
وفي صباح عيد ميلادها، أيقظت ياسين قبل شروق الشمس.
قالت وهي تضحك
يلا بسرعة... عندي مفاجأة.
ابتسم وهو يرتدي سترته.
أنا اللي المفروض أفاجئك.
هزت رأسها بعناد.
المرة دي دوري.
ركبا السيارة، لكنها طلبت من السائق أن يتجه إلى دار الأيتام القديمة.
ما إن وصلا، حتى فوجئ ياسين بأن الدار امتلأت بالأطفال والبالونات والورود.
وعلى الحائط الكبير، كُتبت عبارة
أهلًا بأول أب رجع ياخد بنته... ورجع معاه الأمل لكل الأطفال.
توقف ياسين مكانه، ولم يستطع أن ينطق.
اقتربت منه مديرة الدار، وقد غزا الشيب شعرها.
قالت مبتسمة
فاكر أول يوم جيت هنا؟ كنت داخل تمضي شيك وتمشي... لكن ربنا كان كاتب ترجع بعيلة كاملة.
ابتسم وهو ينظر إلى صوفيا.
أحسن صفقة عملتها في حياتي.
ضحك الجميع.
لكن المفاجأة لم تنتهِ.
أمسكت صوفيا بيد أبيها، وقادته إلى المبنى الخلفي.
كان مغلقًا بستارة كبيرة.
قالت
يلا... شد.
سحب الستارة...
فظهر مبنى جديد بالكامل.
فوق الباب لافتة رخامية مكتوب عليها
مركز نور للتعليم والإبداع.
قالت صوفيا بخجل
أنا وفرت مصروفي، وعملت بازار في المدرسة، وكل أصحابي شاركوني... وإنت كملت الباقي من غير ما أعرف. كنت عايزة أحقق حلم ماما بطريقتي.
لم يتمالك ياسين نفسه.
احتضنها بقوة، والدموع تملأ عينيه.
وفي أثناء الجولة داخل المركز، سمع بكاء طفل صغير في إحدى القاعات.
دخل إليه.
كان طفلًا لا يتجاوز الثالثة من عمره، يجلس وحده ممسكًا بسيارة لعبة مكسورة.
جلس ياسين بجواره وسأله
مالك يا بطل؟
رفع الطفل رأسه وقال
كل الأطفال بيروحوا مع أهلهم... وأنا معنديش بابا.
ساد الصمت.
نظرت صوفيا إلى والدها.
ثم أمسكت يد الطفل الصغيرة.
وقالت بابتسامة دافئة
متزعلش... أنا كمان
نظر إليها الطفل في دهشة.
ابتسمت وأكملت
بس ربنا بيبعت العيلة في الوقت اللي يختاره.
نظر ياسين إلى الطفل طويلًا...
ثم ابتسم ابتسامة هادئة، وكأن القدر يعيد كتابة فصل جديد من حياته.
يتبع...الفصل الخامس
ظل ياسين ينظر إلى الطفل الصغير، الذي كان يحتضن سيارته المكسورة وكأنها أغلى ما يملك.
ابتسم له وسأله
اسمك إيه يا بطل؟
رد الطفل بصوت خافت
آدم.
جلس ياسين إلى جواره على الأرض، دون أن يهتم ببدلته الأنيقة، وقال
وعندك كام سنة؟
تلاتة.
اقتربت مديرة الدار وقالت
آدم جه عندنا من شهور قليلة. طفل هادئ جدًا، وكل اللي يتمناه إن يبقى عنده أسرة.
نظرت صوفيا إلى أبيها، ثم أمسكت يد آدم.
وقالت بابتسامة
تحب أبقى أختك الكبيرة؟
اتسعت عينا الطفل، ثم هز رأسه بحماس.
ضحك لأول مرة.
ابتسم ياسين، لكنه شعر بوخزة في قلبه. تذكر اليوم الذي وجد فيه صوفيا تركض نحوه وهي تصرخ بابا!
وفي طريق العودة إلى المنزل، ظلت صوفيا صامتة.
لاحظ ياسين ذلك، فسألها
بتفكري في إيه؟
قالت بهدوء
فاكر أول يوم قلتلي إن العيلة مش بالدم بس... العيلة بالحب؟
ابتسم.
طبعًا.
نظرت إليه بعينين تلمعان بالأمل.
يبقى ينفع آدم يبقى من عيلتنا؟
ساد الصمت داخل السيارة.
لم يرد ياسين بسرعة.
كان يعلم أن الأمر ليس قرارًا بسيطًا، لكنه رأى في عيني ابنته نفس النظرة التي كانت في عيني نور... نظرة لا تعرف سوى الرحمة.
ابتسم وربت على رأسها.
لو ربنا كتب، هنحاول نكون الأسرة اللي يتمناها.
قفزت صوفيا من الفرح، واحتضنت والدها بقوة.
مرت عدة أشهر، أنهى خلالها ياسين كل الإجراءات القانونية، وزار آدم مرات كثيرة حتى يعتاد عليه.
وفي يوم مشمس داخل المحكمة، وقف القاضي مبتسمًا وهو يوقع آخر ورقة.
قال
مبروك... من النهارده آدم بقى فرد رسمي من أسرة السيوفي.
ما إن خرجوا من المحكمة، حتى ركض آدم نحو ياسين، واحتضنه وهو يقول للمرة الأولى
بابا.
تجمد
ثم حمله بين ذراعيه، بينما كانت صوفيا تقف بجواره وهي تضحك وتقول
قلتلك إنك مش هتفضل لوحدك.
وفي تلك الليلة، اجتمعت الأسرة حول مائدة العشاء.
نظر ياسين إلى صورة نور المعلقة على الحائط، وقال في نفسه
ماكنتش أعرف إن قلبي يقدر يحب من جديد... لكنك علمتيني إن الحب الحقيقي بيكبر لما بنشاركه مع غيرنا.
ابتسم، بينما كان صوت ضحكات صوفيا وآدم يملأ البيت لأول مرة، ليشعر أن هذا المنزل أصبح بالفعل... عائلة.
يتبع...الفصل السادس
مرّت سبع سنوات أخرى...
وأصبح قصر السيوفي مليئًا بالحياة بعد سنوات طويلة من الصمت.
صوفيا أصبحت في السابعة عشرة، متفوقة في دراستها، وتقضي أغلب وقتها في بيت نور للأطفال، تساعد الصغار في المذاكرة وتلعب معهم وكأنها لم تنسَ يومًا أنها كانت واحدة منهم.
أما آدم، فأصبح في العاشرة، يعشق كرة القدم ويحلم أن يصبح لاعبًا مشهورًا.
وفي صباح أحد الأيام، دخل آدم مكتب ياسين وهو يحمل ظرفًا أبيض.
قال بحماس
بابا... ده وصل باسمك.
فتح ياسين الظرف، فوجد دعوة لحضور احتفال مرور خمسة عشر عامًا على تأسيس دار الأيتام.
ابتسم وقال
هنروح كلنا.
في يوم الاحتفال، استقبل الأطفال الأسرة بالورود.
وكانت المديرة، التي تقاعدت قبل سنوات، حاضرة كضيفة شرف.
قالت وهي تبتسم لصوفيا
فاكرة أول يوم جريتي عليه وقلتي له بابا؟
ضحكت صوفيا وقالت
لو رجع بيا الزمن... هعملها تاني.
ضحك الجميع.
ثم صعد مقدم الحفل إلى المسرح وقال
فيه مفاجأة صغيرة.
أُطفئت الأنوار...
وعُرض فيلم قصير على شاشة كبيرة.
بدأ الفيلم بصور قديمة لياسين وهو يدخل الدار لأول مرة، ثم صور لصوفيا وهي طفلة، ثم افتتاح بيت نور، ثم تبني آدم، ثم مئات الأطفال الذين تخرجوا وأصبحوا أطباء ومهندسين ومعلمين.
وفي نهاية الفيلم، ظهرت عبارة كبيرة
أسرة واحدة... غيرت حياة آلاف الأطفال.
لم يتمالك ياسين دموعه.
وقف جميع الحاضرين يصفقون طويلًا.
ثم
قالت
وأنا صغيرة كنت فاكرة إن اليتيم هو اللي ملوش أهل... لكن اتعلمت إن اليتيم الحقيقي هو اللي ملوش حد يحبه.
نظرت إلى
متابعة القراءة