هربت من زوجة ابيها
والصندوق والرسالة، ووضعها داخل حقيبة صغيرة، ثم اتصل بمحاميه.
بعد أقل من ساعة...
وصل المحامي، وراجع جميع المستندات بدقة.
ثم ابتسم وقال
الأوراق سليمة، ومثبتة رسميًا. حق الآنسة مريم واضح، ومحدش يقدر ينزعه منها.
تنفست مريم الصعداء لأول مرة منذ سنوات.
أما زوجة أبيها...
فجلست في صمت، ولم تعد تملك أي حجة.
وقفت مريم أمامها وقالت بهدوء
أنا مش جاية أنتقم... لكن من النهارده، حياتي مش هتبقى تحت سيطرة حد.
ثم التفتت إلى العامل الذي كان يخدم المنزل منذ زمن والدها.
قال الرجل المسن وهو يمسح دموعه
والدك كان دايمًا يقول إن اليوم ده هييجي... وإنك هترجعي تاخدي حقك.
ابتسمت مريم بحزن.
وقبل أن يغادر الجميع...
دخل ساعي بريد يحمل ظرفًا كبيرًا.
قال
ده باسم الآنسة مريم... وصل النهارده.
فتحت الظرف باستغراب.
كان بداخله ملف من إحدى الجامعات الكبرى.
وفي أعلاه رسالة قصيرة
يسرنا إبلاغك بقبولك في منحة دراسية كاملة، بناءً على الطلب الذي تقدم به والدك قبل وفاته، وقد تم تأجيل المنحة عدة سنوات حتى يتم العثور عليك.
تساقطت دموع مريم وهي تقرأ الرسالة.
لم ينسها والدها حتى في آخر أيامه...
بل كان يرسم لها مستقبلًا أفضل.
نظر إليها رجل الأعمال مبتسمًا وقال
يبدو إن والدك كان مؤمن إنك تستحقي فرصة جديدة.
أغلقت مريم الرسالة وهي تبتسم لأول مرة من قلبها.
وأدركت أن سنوات الألم انتهت...
وأن الفصل القادم من حياتها سيبدأ بالأمل، لا بالخوف.
يتبع...الفصل الثامن
في صباح اليوم التالي...
استيقظت مريم قبل الجميع.
كانت تمسك المفتاح الصغير وتتأمله، وكلما نظرت إليه تذكرت كلمات والدها
المفتاح ده لبداية جديدة.
في التاسعة صباحًا...
وصل العم حسن بسيارته.
ابتسم لها وقال
يلا... الطريق طويل شوية.
ركبت بجواره، بينما لحق بهما رجل الأعمال بسيارته، بعدما أصر على الاطمئنان عليها.
بعد ساعة من السفر...
توقفت السيارات أمام مبنى قديم في إحدى ضواحي المدينة.
لم يكن قصرًا...
ولا شركة.
بل كان مبنى صغيرًا يحمل لافتة كتب عليها
مكتبة النور.
تعجبت مريم.
هو إحنا جايين هنا؟
ابتسم العم حسن.
ادخلي... وهتفهمي.
دخلت المكتبة.
اقترب منهم رجل مسن كان يرتب الكتب على الأرفف.
ما إن رأى مريم حتى اتسعت عيناه.
وقال بتأثر
أخيرًا... بنت محمود وصلت.
أخرج العم حسن المفتاح وسلمه للرجل.
ابتسم الرجل، ثم قادهما إلى باب خشبي قديم في آخر المكتبة.
أدخل المفتاح...
ودار القفل بسهولة.
فتح الباب.
كانت هناك غرفة صغيرة، مليئة بالكتب والدفاتر والصناديق المرتبة بعناية.
وفي منتصف الغرفة...
وقف مكتب خشبي بسيط.
فوقه رسالة أخرى.
اقتربت مريم وفتحتها.
كان والدها قد كتب
يا مريم... لو وصلتي للمكان ده، يبقى ربنا كتب لك بداية جديدة. المكان ده كان حلمي. كنت أتمنى أفتح مكتبة مجانية لكل طالب مش قادر يشتري كتاب. لكن المرض سبقني. لو قدرتِ، كمّلي الحلم.
لم تتمالك مريم دموعها.
نظرت حولها.
كانت مئات الكتب ما زالت في أماكنها، وكأن والدها خرج منذ دقائق فقط.
قال الرجل المسن
والدك كان بييجي كل أسبوع يرتب الكتب بنفسه، وكان يقول يمكن بنتي هي اللي تكمل اللي بدأته.
ابتسمت مريم وسط دموعها.
ثم التفتت إلى رجل الأعمال وقالت بثقة
أول حاجة هعملها... هفتح المكتبة دي من جديد.
ابتسم الرجل وقال
وأنا هكون أول واحد يدعم المشروع.
خرجت مريم إلى باب المكتبة.
رفعت رأسها إلى السماء.
ولأول مرة منذ سنوات...
شعرت أن حياة والدها
يتبع...الفصل التاسع
بعد أسبوعين...
أُعيد طلاء واجهة مكتبة النور.
وتطوع عشرات الشباب لترتيب الكتب وتنظيف القاعات، بعدما انتشرت قصة المكتبة على مواقع التواصل.
وقفت مريم أمام الباب، تحمل المقص الأحمر استعدادًا لافتتاحها من جديد.
لكنها قالت للحضور
المكتبة دي مش باسمي... دي باسم أبويا، لأنه هو صاحب الحلم الحقيقي.
صفق الجميع بحرارة.
ودخل أول طفل إلى المكتبة، وهو يحمل كراسة قديمة.
اقترب من مريم بخجل وقال
ينفع أستعير كتاب؟ معيش فلوس.
ابتسمت مريم وربتت على كتفه.
هنا مفيش حد هيدفع علشان يتعلم.
خرج الطفل يحتضن كتابه بسعادة، وشعرت مريم أن أجمل هدية وصلتها هي تلك الابتسامة.
مرّت الشهور...
وتحولت المكتبة إلى مكان يجتمع فيه الطلاب كل يوم.
أُقيمت فيها دروس مجانية، وورش لتعليم القراءة والكتابة، ومسابقات للأطفال.
وكان رجل الأعمال يزور المكتبة من وقت لآخر، لكنه كان يرفض أن يُكتب اسمه على أي لافتة.
وكان يقول دائمًا
الخير قيمته في أثره... مش في صاحبه.
وفي مساء هادئ...
دخل إلى المكتبة رجل مسن يحمل حقيبة جلدية قديمة.
اقترب من مريم وسأل
إنتِ بنت الأستاذ محمود؟
ابتسمت وقالت
أيوه.
فتح حقيبته، وأخرج دفترًا قديمًا.
والدك سلّفني كتب وأنا طالب، ولما سافرت مقدرتش أرجعها ولا أشكره. فضلت أدور عليكم سنين.
وضعت مريم الدفتر بين يديها، ووجدت في أول صفحة عبارة بخط والدها
العلم أمانة... وكل كتاب يرجع ومعاه حكاية.
امتلأت عيناها بالدموع.
قال الرجل المسن
أبوكي غيّر حياتي... وبسببه بقيت مدرس.
وفي اليوم نفسه، تبرع الرجل بمئات الكتب للمكتبة.
وقفت مريم في نهاية اليوم،
ثم نظرت إلى صورة والدها المعلقة على الحائط وقالت بصوت هادئ
وعدتك يا بابا... والحمد لله بدأت أوفي بوعدي.
ابتسمت وهي تطفئ الأنوار، بعدما أدركت أن أصعب الفصول أصبحت خلفها، وأن المستقبل سيُكتب بالعلم، والعمل، والرحمة.
النهاية النهاية
بعد عام واحد...
لم تعد مريم تلك الفتاة التي كانت تركض تحت المطر هربًا من الخوف.
أصبحت مديرة مكتبة النور، التي تحولت إلى مركز ثقافي يستقبل مئات الطلاب كل شهر، ويوفر لهم الكتب والدورات مجانًا.
وفي حفل مرور عام على افتتاح المكتبة...
امتلأت القاعة بالطلاب والأسر وكل من عرف والدها.
صعد رجل الأعمال إلى المنصة، لكنه قال
النهارده مش يومي... النهارده يوم بنت قدرت تحوّل وجعها إلى أمل.
ثم دعا
مريم للصعود.
وقفت أمام الجميع، ونظرت إلى صورة والدها المعلقة على الجدار.
وقالت بصوت امتزجت فيه الدموع بالابتسامة
زمان كنت فاكرة إن بابا سابني لوحدي...
لكن اكتشفت إنه كان بيزرع لي طريق أمشي فيه حتى بعد ما رحل.
البيت رجع...
والحق رجع...
لكن أغلى حاجة رجعت لي هي ثقتي في نفسي.
وقف الحضور يصفقون طويلًا.
وفي آخر القاعة...
كانت زوجة أبيها تقف بصمت.
اقتربت من مريم بعد انتهاء الحفل، وقالت بصوت منكسر
ظلمتك... ومهما اعتذرت مش هعرف أصلح اللي فات.
نظرت إليها مريم بهدوء، ثم قالت
أنا مش هعيش أسيرة للماضي... سامحتك، لكن كل واحد بيتحمل نتيجة أفعاله.
غادرت المرأة في هدوء، وقد أدركت أن القسوة لا تبني بيتًا، وأن العدل يأتي ولو بعد حين.
خرجت مريم إلى حديقة المكتبة مع غروب الشمس.
رفعت وجهها إلى السماء وهمست
الحمد لله... وعدك اتنفذ يا بابا.
في تلك اللحظة، هبت نسمة خفيفة حركت أوراق
ابتسمت، وأغلقت باب المكتبة استعدادًا ليوم جديد... يوم يحمل العلم بدل الخوف، والأمل بدل الألم.
تمت.