قبل يوم واح من ولادتى

لمحة نيوز

طارق الباب، واتفاجئ براجل كبير واقف، لابس بدلة شيك، ومعاه شنطة جلد.
قال باحترام
مساء الخير... أنا المستشار عادل، المحامي اللي كان بيتابع ممتلكات والد حضرتك.
استغرب طارق ودخله.
قعد الراجل، وطلع ظرف مختوم بالشمع الأحمر.
وقال
الحقيقة... في أمانة كان والدك سايبها عند المكتب، وقال إنها تتفتح بعد أول عيد ميلاد لأول حفيد ليه.
حماتي، اللي كانت موجودة، اترعشت إيديها.
أنا بصيت لها، ولاحظت إن وشها اتغير.
فتح المحامي الظرف، وبدأ يقرا
إذا وصل الخطاب ده لأسرتي، يبقى حفيدي الأول أتم عامه الأول. أوصيكم تتقوا الله فيه، ومتخلوش خلافات الكبار تضيع حق الأطفال. واللي يغلط، يعترف، لأن البيوت مبتتبنيش بالعناد.
سكت لحظة، ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا.
وقال
والدكم كان مأجر خزنة في البنك، وكتب إنها تتفتح بحضور ابنه، وزوجة ابنه، وحفيده.
تاني يوم، رحنا كلنا البنك.
فتح الموظف الخزنة.
كان جواها ألبومات صور قديمة، وخطابات بخط إيد حمايا، وسلسلة دهب صغيرة مكتوب عليها اسم أول حفيد.
وكمان ظرف أخير.
فتحه طارق.
كان فيه خطاب موجه ليه شخصيًا
يا طارق... لو بتقرأ الرسالة دي، افتكر إن الزوجة أمانة، وأول امتحان لأي راجل هو وقت ضعف مراته، مش وقت راحتها.
طارق مقدرش يمسك دموعه.
لف ناحيتي قدام الكل، وقال
الكلمة دي هتفضل في رقبتي طول عمري... وأنا بشكر ربنا إنك ادتيني فرصة أصلح غلطتي.
ابتسمت، ومسكت إيده.
وقلت
كلنا بنغلط... لكن مش كل الناس عندها الشجاعة إنها تصلح غلطها.
حماتي قربت من حفيدها، شالته، وباسته في راسه.
وقالت وهي بتبتسم
أهم ميراث سابه جده... مش الأرض ولا الفلوس.
أهم ميراث... إن العيلة فضلت مع بعض.
وانتهى اليوم وسط الضحك وصوت ابننا، اللي كان بيجري بين الجميع، من غير ما يعرف إن وجوده كان السبب في لمّ شمل أسرة كادت تخسر نفسها
للأبد.
تمت بعد خمس سنين...
كان ابننا آدم أول يوم ليه في المدرسة.
واقف لابس اليونيفورم، وبيضحك وهو ماسك شنطته الجديدة.
طارق نزل على ركبته وقال له
فاكر يا بطل وصية جدك؟
آدم هز راسه وقال ببراءة
قال لي أخلي بالي من ماما.
ضحكنا كلنا.
وفجأة رن تليفون طارق.
رد، وبعد ثواني وشه اتغير.
قفل المكالمة وبصلي.
المحامي اتصل... في حد رفع قضية على الأرض.
استغربت.
مين؟
قال وهو متردد
عمّي... أخو بابا.
سكتنا كلنا.
طلع إن عم طارق كان ساكت السنين دي كلها، ومستني الوقت المناسب عشان يطالب بكل الميراث، وقال إن الوصية باطلة.
بعد أسبوع...
وقفنا في المحكمة.
القاضي سأل المحامي
معاكم دليل جديد؟
المحامي ابتسم وقال
أيوه يا فندم.
وطلع دفتر قديم.
كان دفتر يوميات حمايا.
وفي آخر صفحة، كان كاتب كل تفاصيل تقسيم التركة، وأسباب الوصية، وموقع عليها بإيده، ومعاها توقيع شاهدين.
القاضي قلب الصفحات واحدة واحدة.
ثم رفع رأسه وقال
المحكمة تطمئن لصحة المستندات.
صدر الحكم برفض الدعوى، وتثبيت الحقوق كما جاءت في الوصية.
خرجنا من المحكمة، وعم طارق قرب منه.
كان واضح عليه الندم.
مد إيده وقال
حقكم عليا... الطمع عمّى عيني.
طارق صافحه وقال
المهم إن الموضوع خلص، وإحنا أهل.
وأثناء رجوعنا، آدم شدني من إيدي وسأل
ماما... ليه الناس بتتزعل على الفلوس؟
ابتسمت وربت على شعره.
لأن بعض الناس بتنسى إن الفلوس بتروح وتيجي... لكن العيلة لو اتكسرت، صعب ترجع زي الأول.
ابتسم آدم، وجري قدامنا وهو بيضحك.
بصيت لطارق، فابتسم وقال
فاكرة اليوم اللي سبتك فيه قبل الولادة؟
هززت رأسي.
قال
عمري ما هسامح نفسي عليه... لكنه علمني أكبر درس في حياتي.
مسكت إيده، وقلنا وإحنا بنبص لابننا وهو بيلعب
الحمد لله... النهاية طلعت أحسن مما كنا نتخيل بعد خمسة عشر عامًا...
كانت منى
واقفة في شرفة البيت، تتابع آدم وهو ينزل درجات السلم مرتديًا بدلة التخرج.
لم تصدق أن الطفل الذي حملته بين ذراعيها يومًا، صار شابًا طويل القامة يستعد لاستلام شهادته.
اقترب منها طارق، ووقف بجوارها.
قال بابتسامة
فاكرة اليوم اللي كنت هخسر فيه كل حاجة؟
ردت وهي تنظر لابنها
المهم إنك عرفت قيمتها قبل ما تضيع.
في الجامعة، وبعد انتهاء الحفل، وقف عميد الكلية يعلن أسماء المتفوقين.
وفجأة...
المركز الأول على الدفعة... آدم طارق السيوفي.
ضجت القاعة بالتصفيق.
صعد آدم إلى المسرح، واستلم درع التفوق.
ثم طلب الميكروفون.
قال
النجاح ده مش بتاعي لوحدي... ده لأمي اللي علمتني إن الكرامة أهم من أي مصلحة، ولأبويا اللي علمني إن الاعتراف بالغلط مش ضعف... ده شجاعة.
امتلأت عينا منى بالدموع.
أما طارق، فلم يستطع أن يمنع نفسه من التصفيق لابنه وهو يبكي.
بعد انتهاء الحفل...
اقترب منهم رجل مسن.
كان يمشي بعصا، لكن ملامحه كانت مألوفة.
توقف أمام طارق وقال
عرفتني؟
حدق طارق فيه طويلًا، ثم قال بدهشة
حضرتك... أستاذ نبيل؟
ابتسم الرجل.
أيوه... كنت شريك أبوك زمان.
فتح حقيبته، وأخرج ملفًا قديمًا.
قال
أبوك قبل وفاته كان بيجهز مشروع كبير يخدم أهل البلد، لكنه مات قبل ما ينفذه. وأنا احتفظت بالأوراق دي كل السنين دي... ومستني اليوم اللي أشوف فيه حفيده كبر واستحق يكمل الحلم.
فتح آدم الملف.
كان عبارة عن تصميم لمركز خيري يحمل اسم جده، يضم عيادة مجانية، ومكتبة، وفصولًا لمحو الأمية.
نظر آدم إلى أمه وأبيه وقال
مش هنبيع الأرض... هنبني المشروع اللي كان جدي نفسه يعمله.
ابتسمت منى، وشعرت لأول مرة أن كل الألم الذي مرت به لم يذهب هباءً.
وبعد عام...
افتُتح المركز.
وعُلقت على بابه لافتة صغيرة كُتب عليها
هذا المكان بُني لأن عائلة اختارت التسامح
بدل الخصام، والعمل الصالح بدل الصراع.
وقفت منى أمام اللافتة، وأمسك طارق بيدها.
قال بهدوء
لو الزمن رجع بيا... عمري ما هسيبك لوحدك تاني.
ابتسمت وهي تنظر إلى الأطفال يدخلون المركز ويضحكون.
ثم قالت
الحمد لله... النهاية الحقيقية عمرها ما كانت في كسب قضية أو ميراث.
كانت في إننا خرجنا من كل اللي حصل... وإحنا لسه عيلة واحدة.
النهاية بعد عشرين سنة...
كان المركز الخيري بقى من أكبر المراكز في المحافظة.
كل يوم عشرات الأسر كانت بتدخل تخرج وهي فرحانة، وكل واحد في البلد كان عارف إن المكان ده اتبنى عشان ينفذ حلم رجل رحل من سنين.
في صباح هادئ...
كانت منى قاعدة في مكتبها داخل المركز، لما السكرتيرة دخلت وقالت
يا مدام منى، في سيدة كبيرة برا، مصرة تشوف حضرتك.
استغربت وقلت
دخليها.
دخلت سيدة شعرها كله أبيض، وسندت نفسها على عصا.
أول ما رفعت وشها...
عرفتها من أول نظرة.
كانت صاحبة حماتها القديمة... الست اللي زمان شجعتها على التدخل في حياتهم، وكانت دايمًا تقول لها لا تسيبيش ابنك في إيد مراته.
ابتسمت منى في هدوء.
وقالت اتفضلي.
الست دموعها نزلت.
وقالت
جيت أطلب منك السماح.
استغربت منى.
قالت الست
بعد وفاة أم طارق، لقيت بين حاجتها جواب مكتوب باسمك... وكانت موصياني أوصلهولك لو حصل ليها حاجة.
مدت لها الظرف.
فتحت منى الخطاب بإيد مرتعشة.
وكان مكتوب فيه
يا منى... يمكن أكون اتدخلت في حياتكم أكتر من اللازم، ويمكن خوفي على ابني خلاني أظلمك مرات كتير. لكن الحقيقة إنك كنتِ بنت أصول، وأنا معرفتش قيمتك غير متأخر. لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا خلاص عند رب كريم. سامحيني... وادعيلي.
سقطت دمعة من عين منى.
في اللحظة دي دخل طارق.
قرأ الخطاب، وقبّله، ثم قال
أمي غلطت... لكنها ماتت وهي نفسها تصلح غلطها.
منى طوت الرسالة بهدوء.
وقالت
ربنا
يغفر لها.
خرجت إلى حديقة المركز.
كان آدم، بعد ما بقى طبيبًا، بيعالج طفلًا صغيرًا مجانًا.
وحفيدة منى الصغيرة كانت بتجري وسط الزرع وهي بتضحك.
بصت للسماء،
تم نسخ الرابط