قبل يوم واح من ولادتى

لمحة نيوز

قبل يوم واحد من ولادتي، حماتي أصرت إن جوزي يسيبني لوحدي ويرجعها البلد عشان حلم شافته... فوافقت بابتسامة، لأنهم مكانوش يعرفوا إن رجوعهم هيكون بداية أكبر مصيبة هتقلب حياتهم.
قبل يوم واحد من معاد ولادتي، حماتي خرجت من أوضتها وشها شاحب وقالت إنها شافت جوزها المتوفي في المنام، وكان بيطلب منها تروح البلد بسرعة وتطلع له صدقة وتوزعها بنفسها.
أصرت إنها متسافرش لوحدها، وقالت إن طارق لازم يوصلها بنفسه.
بصلي طارق بتردد وقال أنا عارف إن بكرة معاد ولادتك... بس أمي خايفة جدًا، ومش هترتاح غير لما أوصلها.
بصيت له ثواني، وبعدها ابتسمت بهدوء وقلت روح... متشغلش بالك بيا.
الهدوء اللي كان في صوتي خلاهم يبصوا لبعض باستغراب.
كانوا متوقعين إني أعيط، أتمسك بيه، أو أرفض.
لكن اللي حصل كان العكس تمامًا.
حماتي ابتسمت ابتسامة رضا، ولمّت شنطتها بسرعة، وكأنها كانت مجهزاها من قبل.
بعد أقل من ساعة، كانوا نزلوا وركبوا العربية وسافروا.
قفلت الباب وراهم، وأول حاجة عملتها إني اتصلت بصاحبتي سارة.
قلت لها ابدئي الخطة... الوقت جه.
وصلت سارة بعد نص ساعة، وكانت شايلة معايا شنطة المستشفى، بينما دادة فاطمة كانت بتبصلي باستغراب.
قالت يا بنتي... إنتِ بجد سايباه يمشي ويسيبك في الوقت ده؟
ابتسمت وأنا بفتح درج المكتب.
طلعت ملف بني كبير، وجواه صور، وعقود، ورسائل، وتقارير.
قلت بهدوء من ست شهور وأنا بجمع كل ورقة... وكل دليل.
دادة فاطمة اتجمدت مكانها.
دليل على إيه؟
قفلت الملف وقلت على الحقيقة اللي كانوا فاكرين إنها هتفضل مستخبية للأبد.
وفي اللحظة دي، رن هاتفي.
كان المحامي.
رديت، فسمعته يقول بابتسامة
يا مدام منى... الخطة بدأت. وأول خطوة نجحت.
ابتسمت وأنا ببص ناحية باب الشقة، وقلت في سري
استمتعوا بالطريق... لأن لما ترجعوا، مش هتلاقوا

الحياة اللي سبتوها.
يتبع...رجعت حطيت التليفون على الترابيزة، وسارة بصتلي باستغراب وقالت
هتقوليلي بقى إيه اللي بيحصل؟ أنا جاية على آخر لحظة ومش فاهمة حاجة.
ابتسمت بهدوء وفتحت الملف البني.
كان جواه صور لعقود قديمة، ورسائل، وصورة لوصية مكتوبة بخط إيد حمايا قبل وفاته.
قلت فاكرة لما استغربتي إن حماتي كانت مصممة تعيش معانا من أول يوم جواز؟
هزت سارة راسها.
أهو السبب في الملف ده.
قبل وفاته، حمايا كان كاتب وصية بيقسم فيها جزء من أرضه الزراعية بين أولاده، وكان كاتب كمان إن حفيده الأول يكون ليه نصيب محفوظ باسمه بمجرد ولادته.
لكن الوصية عمرها ما اتنفذت.
حماتي خبتها سنين، وكانت عايزة كل حاجة تفضل باسم طارق لوحده، من غير ما حد يعرف إن للطفل اللي في بطني حق قانوني.
دادة فاطمة شهقت وقالت يعني سفرهم النهارده...
قلت وأنا بهز راسي كان عشان يسبقوا تنفيذ الوصية، ويخلصوا إجراءات بيع الأرض قبل ما ابني يتولد ويتسجل اسمه ضمن الورثة المستحقين.
في اللحظة دي رن تليفوني.
المحامي قال بسرعة
الحمد لله... قدرنا نوقف إجراءات البيع. الشهر العقاري رفض يكمل بعد الإنذار القانوني اللي قدمناه.
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وفي نفس الوقت، وصلتني رسالة من طارق
خلصت أوصل أمي... عاملة إيه؟
بصيت للرسالة ثواني، ورديت بكلمتين بس
أنا بخير... خليك جنب والدتك.
بعد أقل من ساعة، بدأ وجع الولادة يزيد.
سارة ساعدتني أجهز شنطة المستشفى، ودادة فاطمة اتصلت بالإسعاف.
وأنا خارجة من باب الشقة، بصيت حواليّا وقلت
لما طارق يرجع... هيعرف إن في قرارات، حتى لو اتأخرت، بتغير حياة ناس كتير.
ثم ركبت العربية في طريقي إلى المستشفى، وأنا واثقة أن الساعات الجاية مش هتشهد ميلاد ابني وبس...
هتشهد كمان بداية الحقيقة اللي حاولوا يدفنوها سنين دخلت أوضة الولادة،
وسارة ماسكة إيدي، ودادة فاطمة واقفة برة تدعيلي.
بعد ساعات طويلة، سمعت أول صرخة لابني.
الدكتور ابتسم وقال
ألف مبروك... ربنا رزقك بولد زي القمر.
أول حاجة عملتها بعد ما فقت، طلبت تليفوني.
كان فيه أكتر من عشرين مكالمة من طارق.
وسبعين رسالة تقريبًا.
أول رسالة كانت منى... ردي عليا، إنتِ ولدتي؟
وآخر رسالة كانت أنا راجع حالًا.
ابتسمت وقفلت الشاشة.
قلت لسارة خليه يرجع... دلوقتي الوقت المناسب.
بعد ساعتين، باب الأوضة اتفتح بعنف.
دخل طارق وهو بيجري، وشه كله خوف.
أول ما شاف ابنه في الحضانة الزجاجية، دموعه نزلت.
قرب مني وقال بصوت مكسور
سامحيني... أنا غلطت.
بصيت له بهدوء وقلت
كنت فين وقت ما كنت محتجاك؟
سكت... وملاقاش إجابة.
في اللحظة دي، دخل المحامي.
طارق استغرب وقال
أستاذ سامح؟! حضرتك هنا ليه؟
المحامي حط ملف على الترابيزة وقال
لأن مدام منى طلبت مني أحضر أول ما الطفل يتولد.
فتح الملف، وطلع الوصية الأصلية.
وقال
والدك قبل وفاته كتب وصية موثقة، وفيها بند واضح... إن أول حفيد ليه يكون له حق ثابت في جزء من الأرض، وما ينفعش حد يتصرف فيها قبل تنفيذ الوصية.
طارق بص لأمه اللي كانت لسه داخلة الأوضة، ووشها اصفر.
قال لها ماما... الكلام ده حقيقي؟
حماته حاولت تنكر، لكن المحامي أخرج صورة من سجل المحكمة تثبت إن الوصية كانت مودعة من سنين.
وساعتها، دادة فاطمة قالت وهي باصة لحماتها
يعني كل اللي حصل... كان عشان الأرض؟
حماتي نزلت عينيها للأرض لأول مرة، ومعرفتش ترد.
أما طارق، فقعد على الكرسي وهو حاطط إيده على راسه.
كان فاكر إن سفره مجرد يومين...
لكن اكتشف إنه خسر أغلى لحظة في حياته؛ لحظة ولادة ابنه، بسبب قرار أخده من غير ما يفكر.
أما أنا...
حضنت ابني، وبصيت له بابتسامة هادية.
وقلت
حقك رجع من أول يوم جيت فيه الدنيا.
.. وده أهم انتصار بالنسبة لي.
يتبع...بعد يومين، خرجت من المستشفى وأنا شايلة ابني، وسارة ماشية جنبي، ودادة فاطمة بتضحك لأول مرة من أيام.
أول ما وصلنا البيت، لقيت طارق واقف قدام العمارة.
كان باين عليه إنه مستني من بدري.
قرب بخطوات بطيئة وقال
منى... ممكن أتكلم معاكي خمس دقايق؟
بصيت له وقلت
اتفضل.
طلع مفتاح الشقة من جيبه، وحطه في إيدي.
وقال بصوت كله ندم
أنا استاهل كل اللي حصل... أول مرة في حياتي أسيبك في وقت كنتِ محتجالي فيه. كنت فاكر إني بعمل الصح، لكن اكتشفت إني كنت بسمع كلام من غير ما أفكر.
قبل ما أرد، حماتي طلعت من العربية.
كانت ماشية ببطء، ومن غير أي غرور.
وقفت قدامي وقالت
يا بنتي... أنا غلطت.
سكتُّ، وهي كملت
كنت فاكرة إني بحافظ على بيت ابني، لكن كنت بهدمه بإيدي. لما شفت حفيدي في المستشفى حسيت قد إيه كنت قاسية.
دادة فاطمة همست
أول مرة أشوفها بتعتذر.
لكن الاعتذار لوحده ماكانش كفاية.
قلت بهدوء
اللي حصل مش هيتنسي بسهولة... والثقة لما بتتكسر، بتاخد وقت طويل عشان ترجع.
هز طارق راسه وقال
وأنا مستعد أستنى مهما طال الوقت.
في الأيام اللي بعدها، بدأ يثبت بكلامه قبل أفعاله.
كان أول واحد يصحى بالليل مع الطفل، وأول واحد يروح يجيب الدوا، وأول واحد يساعد في البيت.
أما حماتي...
رجعت تعيش في البلد بإرادتها، وقالت إنها مش هتتدخل في حياتنا تاني إلا لو طلبنا منها.
بعد ست شهور...
كنا قاعدين في الجنينة الصغيرة قدام البيت.
ابني كان بيحاول ياخد أول خطوة.
وقع...
فقام طارق بسرعة يشيله.
ضحك الصغير، ومد إيده ناحيتي.
ابتسمت، وشلته من حضن أبوه.
وقتها فهمت إن بعض الجروح بتفضل موجودة...
لكن ممكن تتحول لدرس يغيّر الناس للأفضل، لو كانوا مستعدين يعترفوا بغلطهم ويصلحوه.
النهاية بعد سنة كاملة...
كنا عاملين عيد
ميلاد ابننا الأول.
البيت مليان ضحك، والأطفال بيلعبوا، وطارق واقف بيصور كل لحظة بالموبايل.
وفجأة... جرس الباب رن.
فتح
تم نسخ الرابط