روحت شقه خطيبي

لمحة نيوز

على الأرض قبل ما نقدر نشوف ملامحه ساد صمت ثقيل.
الظل ظل ثابت عند الباب لثوانٍ.
ثم ارتفع صوت هادئ
متخافوش... أنا مش جاي أؤذي حد.
تقدم الرجل خطوة إلى الأمام.
كان في أواخر الستينات من عمره، يرتدي معطفًا داكنًا ويحمل في يده ملفًا قديمًا.
أول ما رآه المستشار، اتسعت عيناه.
قال بدهشة
أستاذ سامي؟! كنت فاكر إنك سافرت من سنين.
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة.
سافرت... لكن رجعت أول ما عرفت إن الوصية اتفتحت.
نظر إلينا واحدًا واحدًا، ثم وقع بصره على أدريان.
وقال بحزن
كنت أتمنى أشوفك في ظروف أحسن.
رد أدريان بعصبية
إنت مالك باللي بيحصل هنا؟
أجاب الرجل بهدوء
أنا كنت المدير المالي للشركة، وأكتر واحد كان قريب من والدك.
ثم وضع الملف فوق المكتب.
وفيه حاجة المرحوم سلّمها لي قبل وفاته، وقال إنها تتسلم في اليوم اللي الحقيقة كلها تظهر.
فتح الملف.
كان بداخله عشرات المستندات، وتقارير مالية، ورسائل مكتوبة بخط والد أدريان.
لكن أكثر ورقة لفتت انتباهنا كانت رسالة صغيرة مطوية.
فتحها المستشار وبدأ يقرأ
ابني العزيز... لو وصلت للرسالة دي، فاعرف إني سامحتك على كل أخطائك، إلا ظلم الناس. المال ممكن يتعوض... لكن كسر القلوب عمره ما بيتصلح بسهولة.
انخفض رأس أدريان.
ولأول مرة...
ظهرت الدموع في عينيه.
قال بصوت مكسور
أنا... مكنتش عايز أوصل لكل ده.
ليان نظرت إليه وقالت بهدوء
لكن وصلت.
سكت الجميع.
ثم أشار الأستاذ سامي إلى الفلاشة الموجودة داخل الخزنة.
وقال
لسه أهم حاجة ما اتفتحتش.
أخذها المستشار وتأملها.
كانت عليها ورقة صغيرة مكتوب عليها
شاهدوا التسجيل كاملًا... ولا توقفوه مهما حدث.
نظر إلينا وقال
واضح إن فيها تسجيل من والد أدريان.
أدريان
مد يده بسرعة وقال
أنا اللي هشوفها الأول.
لكن المستشار سحب الفلاشة ووضعها في جيبه.
وقال بحزم
لا... التسجيل هيتشاف بحضور الجميع، لأن ده كان شرط والدك.
نظر الجميع إلى شاشة الكمبيوتر القديمة الموجودة في المكتب.
كانت مغلقة منذ سنوات.
اقترب المستشار منها، وضغط زر التشغيل.
بدأت الشاشة تضيء ببطء...
وفي اللحظة التي ظهر فيها سطح المكتب، أدخل الفلاشة في منفذ الجهاز.
ظهر على الشاشة ملف فيديو واحد فقط...
بعنوان غريب جعل الجميع يتبادل النظرات
الحقيقة التي أخفيتها عن الجميع.
وتوقفت الأنفاس انتظارًا لما سيظهر في التسجيل ضغط المستشار على ملف الفيديو.
ساد الصمت في الغرفة.
بعد ثانيتين، ظهر والد أدريان على الشاشة. كان يجلس خلف مكتبه، يبدو عليه الإرهاق، لكنه كان يتحدث بثبات وكأنه يعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما.
قال
إذا كنتم تشاهدون هذا التسجيل... فمعنى ذلك أن الأمور خرجت عن السيطرة.
توقف قليلًا، ثم أكمل
أدريان... لو أنت واقف قدام الشاشة دلوقتي، فأنا مش عايزك تفتكر إن الرسالة دي علشان أعاقبك. أنا سجلتها علشان أديك آخر فرصة تعترف بالحقيقة بنفسك.
انخفض رأس أدريان.
أما ليان، فكانت تشبك يديها بقوة.
تابع الأب
أنا عرفت بزواجك من ليان من أول يوم، وكنت سعيد بيه. لكن بعد فترة، عرفت إنك بدأت تخطط لحياة جديدة من غير ما تنهي حياتك القديمة بطريقة محترمة.
ثم أخرج من درج مكتبه ملفًا.
كل المستندات اللي تثبت ده موجودة في الخزنة.
المستشار أومأ برأسه، فقد كانت المستندات بالفعل أمامه.
لكن الأب لم ينتهِ.
قال بصوت هادئ
ولو وصلت الأمور إن خطبت فتاة تانية من غير ما تعرف الحقيقة... فأنا بطلب منها السماح، لأنها كانت ضحية خداع، مش شريكة
فيه.
شعرت بغصة في حلقي.
لم أكن أتوقع أن يسمعني رجل رحل عن الدنيا منذ سنوات.
ثم قال الأب
وأطلب من ليان... إنها ما تمنعش ابني من يشوف ابنه لو تاب ورجع للحق. الطفل ملوش ذنب.
بدأت دموع ليان تنزل في صمت.
وفجأة...
ظهر شخص آخر في الفيديو.
كان الأستاذ سامي.
واضح أن التسجيل كان مصورًا في نفس اليوم.
قال سامي وهو ينظر إلى الكاميرا
لو التسجيل ده اشتغل، يبقى فيه حاجة أخيرة لازم الناس تعرفها.
فتح ملفًا صغيرًا، ثم قال
أدريان كتب بخط إيده تعهد إنه هيبلغ أي امرأة يرتبط بيها إنه متزوج، قبل أي خطوة رسمية.
مد المستشار يده بسرعة إلى الملف الموجود على المكتب.
وبعد لحظات...
أخرج ورقة مطابقة لما قاله سامي.
كانت تحمل توقيع أدريان بالفعل.
نظر إليها أدريان طويلًا.
ثم جلس على أقرب كرسي.
كأنه فقد كل مقاومة.
قال بصوت مكسور
أنا... غلطت.
لم يرد أحد.
أكمل وهو ينظر إلى الأرض
كل مرة كنت بقول هقول الحقيقة بكرة... وبكرة كان بيتحول لشهر... وبعده لسنة.
سكت لحظة.
ثم التفت إليّ.
أنا عارف إن مفيش اعتذار هيصلح اللي حصل.
كنت أنظر إليه دون أن أتكلم.
أما ليان، فقالت بهدوء
الاعتراف مهم... لكنه مش بيمحي اللي فات.
في تلك اللحظة، أغلق المستشار شاشة الكمبيوتر، وجمع كل المستندات داخل الملف.
ثم قال بنبرة حاسمة
من النهارده، كل حاجة هتمشي بالطريق القانوني... وكل واحد هياخد حقه.
خرج الجميع من المكتب ببطء...
لكن قبل أن أغادر، وقع بصري على صورة قديمة معلقة على الحائط.
اقتربت منها.
كانت صورة لوالد أدريان وهو يبتسم، وخلفها عبارة صغيرة محفورة على إطارها الخشبي
الحقيقة قد تتأخر... لكنها دائمًا تصل.
وأنا أحدق في الصورة، لمحت شيئًا غريبًا خلف الإطار الخشبي.
..
ورقة صفراء مخفية بعناية، وكأن أحدًا تعمد ألا يراها أحد طوال هذه السنوات ترددت للحظة.
مددت يدي ببطء، ورفعت إطار الصورة عن الحائط.
بمجرد ما رفعته...
سقطت الورقة الصفراء على الأرض.
انحنى المستشار والتقطها بحذر.
كانت مطوية أكثر من مرة، وعليها بخط واضح
لا تُفتح إلا إذا اكتملت الحقيقة.
نظر إلينا جميعًا، ثم فتحها ببطء.
كانت رسالة قصيرة جدًا، لكنها مختلفة عن كل الرسائل السابقة.
قرأ بصوت مسموع
إذا وصلتم إلى هذه الورقة، فمعنى ذلك أن ابني اعترف بخطئه، وأن الحقيقة ظهرت. لذلك أطلب منكم أمرًا واحدًا... لا تجعلوا الانتقام يقودكم، بل دعوا القانون والضمير يحكمان.
ساد الصمت.
ثم أكمل القراءة
أما بيتي هذا... فأوصيت أن يُباع بعد وفاتي، ويُخصص جزء من ثمنه لحفيدي القادم، حتى يبدأ حياته بعيدًا عن أخطاء الكبار.
شهقت ليان.
لم تكن تعرف شيئًا عن هذه الوصية.
أما أدريان، فأغلق عينيه، وانهمرت دموعه للمرة الأولى دون أن يحاول إخفاءها.
قال بصوت مبحوح
أبويا... كان بيفكر في ابني حتى بعد موته.
اقتربت ليان منه خطوة، لكنها توقفت.
قالت بهدوء
لو كنت فكرت في ابنك زي والدك... مكانش كل ده حصل.
لم يرد.
كان يعرف أنها على حق.
أغلق المستشار الملف، وقال
دوري انتهى هنا. الأوراق هتتسلم للمحكمة، وكل الحقوق هترجع لأصحابها.
ثم سلّم ليان نسخة من الوصية، وأعطاني نسخة من الأوراق التي تثبت أنني لم أكن أعلم بزواجه.
قال لي
احتفظي بيها... يمكن تحتاجيها لو حد حاول يشوه صورتك.
هززت رأسي في صمت.
نظرت إلى خاتم الخطوبة الذي كنت قد وضعته في جيبي قبل ساعات.
أخرجته...
وتأملته للحظات.
ثم وضعته فوق مكتب والد أدريان.
وقلت بهدوء
هنا تنتهي الحكاية.
التفتُّ وغادرت
القصر.
كانت السماء قد توقفت عن المطر.
ولأول مرة منذ دخلت تلك الشقة في الصباح...
شعرت أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أخف من العيش في كذبة.
تمت.

تم نسخ الرابط