روحت شقه خطيبي
رحت شقة خطيبي عشان أجيب جواز سفره... فسمعته بيقول لمراته الحامل مستقبلي أهم من أي حاجة!
أول حاجة سمعتها... كانت صوت ست بتعيط وهي بتحاول تهدي نفسها، وإيدها على بطنها المنتفخة.
أما تاني حاجة... فكانت صوت أدريان، خطيبي، وهو بيقول بمنتهى البرود
أنا قلتلك خلاص... مستقبلي أهم من أي حاجة دلوقتي.
في اللحظة دي، حسيت إن الزمن وقف.
أنا كنت رايحة شقته في يوم خميس ممطر، بعد ما كلمني الصبح وقال إنه نسي جواز سفره في البيت، وإحنا محتاجين صورة صفحة البيانات عشان نكمّل إجراءات حجز شهر العسل واستخراج بعض الأوراق الخاصة بالجواز.
اتصلت بيه أكتر من مرة، لكن مكنش بيرد.
استغربت جدًا.
أدريان عمره ما كان بيتأخر في الرد، خصوصًا لو الموضوع ليه علاقة بالشغل أو الفرح.
افتكرت إنه أكيد في اجتماع.
عشان كده استخدمت المفتاح اللي كان مديهولي من شهور، وقال وقتها بابتسامة
البيت ده يعتبر بيتك.
دخلت بهدوء.
الشقة كانت ساكتة بشكل مريب.
لا تلفزيون شغال...
ولا موسيقى...
ولا حتى صوت خطوات.
لكن كان فيه همسات جاية من آخر الطرقة.
وقفت مكاني.
الصوت كان واضح أكتر مع كل خطوة.
صوت ست بتقول وهي بتبكي
أنا مش بطلب منك غير إنك تتحمل مسؤولية بيتك وولادك.
بعدها مباشرة رد أدريان بنبرة باردة خلت جسمي كله يقشعر
أنا اتجوزتك من سنين، لكن حياتي اتغيرت... ومستقبلي أهم من أي حاجة دلوقتي.
اتسمرت مكاني.
اتجوزتك؟!
حسيت إن الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة.
يمكن أكون سمعت غلط...
يمكن تكون أخته...
يمكن قريبة ليه...
لكن الست ردت وهي بتبكي
وأنا؟ وابنك اللي جاي بعد شهرين؟ هتعمل فينا إيه؟
قلبي بدأ يدق بعنف.
مشيت خطوة صغيرة ناحية الصالون، من غير ما يحسوا بيا.
ولأول مرة في حياتي...
شفت الحقيقة اللي كانت مستخبية عني من شهور كاملة.
يتبع...وقفت ورا الحائط الفاصل بين المدخل والصالون، وأنفاسي بقت تقيلة، لدرجة إني كنت خايفة يسمعوها.
من الفتحة
كانت ست في أوائل الثلاثينات، ملامحها مرهقة جدًا، وإيدها اليمين على بطنها الكبيرة، بينما بإيدها التانية ماسكة عقد زواج رسمي، وكأنه آخر دليل يثبت حقها.
أما أدريان...
فكان واقف قدام الشباك، ضهره ليها، وكوباية القهوة في إيده، وكأنه بيتكلم في صفقة شغل، مش في مصير أسرة كاملة.
قال من غير ما يلتفت
أنا هتكفل بالمصاريف اللي المحكمة تحكم بيها... لكن حياتي مش هتضيع.
ردت عليه بصوت مكسور
إنت وعدتني إنك هتقول الحقيقة... قلتلي إنك هتنهي كل حاجة قبل ما ترتبط بأي حد.
سكت ثواني... ثم قال ببرود أشد
الناس بتغير رأيها.
الكلمات دي كانت كأنها سكين.
مش بس لأنها فضحت كذبه...
لكن لأنها خلتني أفتكر كل مرة كان بيأجل فيها كتب الكتاب، وكل مرة كان يقول إن في إجراءات قانونية معطلة، أو إن عنده سفر مفاجئ، أو اجتماع مهم.
فجأة، الست مدت له ظرفًا بني اللون.
وقالت وهي بتحاول تمنع دموعها
دي آخر أوراق بعتتها المحكمة... ولو ما حضرتش الجلسة الأسبوع الجاي، القاضي هيعتبرك متهرب.
أدريان أخد الظرف، فتحه بسرعة، وبص فيه ثواني.
ولأول مرة...
اختفت البرودة من على وشه.
شد الورق بعصبية، وهمس
إزاي وصلوا للعنوان ده؟
الست ردت
لأن الحقيقة عمرها ما بتستخبى للأبد.
في اللحظة دي، رن موبايله.
بص للشاشة...
واتغير لون وشه تمامًا.
لف بسرعة بعيد عن الست ورد بصوت منخفض
أيوه... أنا نازل حالًا.
سكت يسمع اللي بيتقال.
ثم قال جملة خلت الست ترفع رأسها فجأة، وأنا كمان اتجمدت مكاني
لا... هي متعرفش أي حاجة لحد دلوقتي... وهتفضل متعرفش.
وأول ما قفل المكالمة...
بدأ يتحرك ناحية الممر...
ناحية المكان اللي أنا واقفة فيه بالضبط تراجعت بسرعة خطوتين، ودخلت أول غرفة قابلتني، وسيبت الباب موارب سنتيمتر واحد.
قلبي كان بيدق بعنف.
خطوات أدريان قربت...
مرة...
واتنين...
وبعدين وقف قدام الغرفة.
حبست نفسي.
فضل
وفجأة، رن موبايله مرة تانية.
اتنهد بضيق، ورد وهو ماشي بعيد عن الباب
قلتلك هحل الموضوع... متتصلش تاني.
استنيت لحد ما صوته اختفى.
طلعت براحة من الغرفة، وبصيت ناحية الصالون.
الست كانت لسه واقفة، لكن ملامحها اتغيرت أول ما شافتني.
اتخضت.
وأنا كمان اتجمدت.
فضلنا نبص لبعض ثواني، ولا واحدة فينا قادرة تنطق.
هي كانت أول واحدة كسرت الصمت.
قالت بصوت خافت
حضرتك... مين؟
بلعت ريقي بصعوبة.
وقلت
أنا... كنت جاية آخد جواز سفر أدريان.
بمجرد ما نطقت اسمه، ملامحها اتهزت.
بصتلي من فوق لتحت...
ولاحت خاتم الخطوبة في إيدي.
وشها اصفر.
همست وهي بترجع خطوة لورا
إنتِ... خطيبته؟
هززت راسي من غير كلام.
لقيتها قعدت على أقرب كرسي، وحطت إيديها على وشها، وبدأت تبكي بحرقة.
قالت بين دموعها
يبقى كان بيقول الحقيقة لما قال إنه هيعلن خطوبته قريب... كنت فاكرة بيهددني عشان أوافق على الطلاق.
أنا حسيت إن الأرض بتميد بيا.
قلت بصوت مهزوز
إنتِ مراته فعلًا؟
من غير ما تتكلم، فتحت شنطتها.
طلعت محفظة صغيرة.
ومنها أخرجت بطاقة هويتها...
وبعدين عقد زواج رسمي.
وأخيرًا صورة.
الصورة كانت قديمة شوية...
لكن مفيهاش أي شك.
أدريان واقف جنبها، لابس بدلة، وهي بفستان أبيض، وخلفهم المأذون وشهود.
وفي أسفل الصورة...
كان مكتوب تاريخ الزواج.
تاريخ سبق يوم خطوبتي له... بأكثر من ثلاث سنوات.
في اللحظة دي، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب الشقة.
أدريان...
رجع اتجمدنا إحنا الاتنين.
صوت الباب وهو بيتقفل خلا الصمت في الشقة يبقى مرعب.
بصيت للست بسرعة، فمسحت دموعها وهي بتهمس
لو عرف إنك هنا... هيحاول يقلب كل حاجة ضدنا.
قبل ما ألحق أرد، سمعنا صوت خطواته وهو داخل الصالون.
قال بصوت هادي
ليان... لسه هنا؟
الست، اللي عرفت بعدها إن اسمها ليان، أخدت نفسًا عميقًا، وقامت واقفة.
دخل أدريان الصالون
شافني.
ملامحه اتجمدت.
لثانية واحدة بس...
لكن الثانية دي كانت كفاية أفهم إنه مكنش متوقع يشوفني.
حاول يرسم ابتسامة وقال
إنتِ؟! جيتي إمتى؟
رفعت في وشه صورة الفرح اللي كانت ليان مديهالي.
وقلت بهدوء
من قبل ما تقول إن مستقبلك أهم من مراتك وابنك.
اختفت الابتسامة من على وشه.
بص مرة ليا...
ومرة لليان.
وبعدين قال بسرعة
اسمعوني الأول... الموضوع مش زي ما إنتوا فاهمين.
ليان ردت بعصبية
فيه إيه مش مفهوم؟ عقد جوازنا قائم... وأنا لسه مراتك.
بصلي أدريان وقال
أنا كنت ناوي أطلقها من زمان.
قلت ببرود
بس مطلقتهاش.
سكت.
قلت تاني
وخطبتي وأنا إنت لسه على ذمتها.
مقدرش يرد.
بدأ يتمشى في الصالون بعصبية، وبعد لحظات وقف وقال
أنا غلطت... بس كنت مستني الوقت المناسب.
ليان ضحكت ضحكة كلها وجع.
الوقت المناسب؟ بعد ما الطفل يتولد؟ ولا بعد ما تتجوزها؟
أدريان نزل عينه للأرض.
ولأول مرة من ساعة ما عرفته...
ماكانش عنده أي إجابة.
أنا بهدوء شلت خاتم الخطوبة من إيدي.
حطيته على الترابيزة اللي قدامه.
وقلت
أنا مش جاية أسمع مبررات... أنا جاية آخد حقي في الحقيقة.
مد إيده ناحيتي بسرعة.
استني... أوعي تمشي.
لكن قبل ما يوصل لي...
رن جرس الباب.
ثلاث رنات متتالية.
كلنا بصينا ناحية الباب في نفس اللحظة.
أدريان اتغير لون وشه فجأة، وهمس لنفسه
مستحيل... هما وصلوا دلوقتي؟
واتجه بخطوات متوترة ناحية الباب، بينما أنا وليان تبادلنا نظرة حائرة، لأننا ماكنّاش نعرف مين الشخص اللي واقف بالخارج... ولماذا بدا أدريان خائفًا إلى هذه الدرجة أدريان وقف قدام الباب، وإيده مترددة فوق المقبض.
كان واضح إنه عارف مين اللي برا...
وواضح أكتر إنه كان بيتمنى يختفي قبل ما يفتح.
أخد نفسًا عميقًا، وفتح الباب ببطء.
وقف قدامه راجل في الخمسينات، لابس بدلة رمادي، ومعاه شاب شايل حقيبة جلد سوداء.
أول ما الراجل شاف
مساء الخير... حضرتك الأستاذ أدريان؟
هز أدريان رأسه بتوتر.
الراجل أخرج بطاقة تعريف وقال
أنا المستشار القانوني لعائلة المرحوم جورج هاريس... وجاي أوصل لحضرتك إخطار