مديرتى عزمتنى على عيد ميلادها
المحتويات
منها رحلتي.
رغم إني بقيت أقدر أعيش في أي مكان...
قررت أفضل فيها شوية.
وقفت في البلكونة، وبصيت للسماء.
ورني الموبايل.
كان جدي.
رديت مبتسمة
أيوه يا جدو.
قال وهو يضحك
إيه رأيك نرجع القصر؟
ضحكت وقلت
لسه بدري... أنا لسه بحب المكان اللي علمني إن قيمة الإنسان مش في اسمه... لكن في أفعاله.
سكت لحظة، ثم قال بفخر
أنا كنت واثق إنك هترفعي اسم العيلة... لكنك رفعتي قيمة الناس كلها.
أغلقت الهاتف، وأنا أشعر أن أصعب اختبار في حياتي قد انتهى... وأن البداية الحقيقية كانت للتو الجزء الخامس
بعد ستة أشهر...
تحولت الشركة إلى نموذج يتكلم عنه الجميع.
ارتفعت الأرباح، وانخفضت استقالات الموظفين، وأصبح اسم الشركة يتردد في المؤتمرات الاقتصادية كمثال على أن النجاح يبدأ باحترام الإنسان.
وفي أحد الأيام...
دخلت عليّ سكرتيرتي وقالت
يا فندم، في ضيف مصرّ يقابل حضرتك.
قلت مين؟
قالت بيقول إنه والد أحد الموظفين.
قلت دخليه.
دخل رجل بسيط في الستين من عمره، يحمل باقة ورد صغيرة.
وقف مرتبكًا وقال
أنا آسف لو عطلت حضرتك.
ابتسمت وقلت
اتفضل... حضرتك نورت المكتب.
ناولني الورد وقال
ابني كان هيستقيل من الشغل بسبب ظروفه... ولما الشركة عملت صندوق دعم العاملين، قدر يكمل شغله، وبنته رجعت المدرسة بعد ما كنا هنمنعها.
تأثرت بكلامه.
قال وهو يمسح دموعه
أنا جيت أشكرك... لأنك رجعتي الأمل لبيت كامل.
وقفت وصافحته بكل احترام.
وقلت
الفضل لله... وإحنا بنعمل واجبنا.
بعد خروجه...
وقفت قدام شباك المكتب.
افتكرت أول يوم دخلت فيه الشركة وأنا لابسة يونيفورم عاملة نظافة...
وافتكرت ضحكات السخرية.
ابتسمت.
لأن نفس المكان...
بقى مليان احترام.
وفي مساء اليوم نفسه...
أقيم احتفال صغير بمناسبة مرور عام على تأسيس برنامج رعاية الموظفين.
وقف كريم على المنصة وقال أمام الجميع
من سنة، كنا فاكرين إن النجاح معناه مباني أكبر وأرباح أكتر.
ثم نظر إليّ مبتسمًا.
لكن ياسمين علمتنا إن النجاح الحقيقي... هو إن كل
وقف الجميع يصفقون طويلًا.
أما أنا...
فاكتفيت بابتسامة هادئة.
لأن أكبر انتصار لم يكن أن يعرف الناس اسمي الحقيقي...
بل أن ينسوا تمامًا الوظيفة التي بدأت بها، ويتذكروا فقط الإنسان الذي كنت عليه.
تمت بعد خمس سنوات... فصل إضافي
خمس سنوات مرت...
وأصبحت مجموعة المنصوري من أكبر الشركات في الشرق الأوسط في مجالها.
لكن كان في قرار غريب أخدته ياسمين.
كل سنة، كانت تشتغل يومًا كاملًا داخل الشركة بزي إحدى الوظائف البسيطة، من غير ما حد يعرفها.
مرة في المخازن...
ومرة في الاستقبال...
ومرة مع فريق النظافة.
كانت عايزة تعرف الحقيقة بنفسها، مش من التقارير.
في صباح أحد الأيام...
دخلت الشركة بملابس عاملة نظافة جديدة.
ولا حد عرفها.
وأثناء شغلها، سمعت مدير قسم بيزعق لموظف صغير.
اقتربت بهدوء.
المدير قال بغضب
إنت فاكر نفسك مين؟!
الموظف الشاب نزل رأسه وسكت.
ياسمين قالت بهدوء
معلش يا أستاذ... ممكن أتكلم؟
بصلها المدير بضيق.
إنتِ مالك؟ كملي شغلك.
ابتسمت وقالت
هكمله... بس بعد ما أفهم ليه حضرتك بتهين موظف قدام الناس.
المدير زعق
امشي من هنا!
ياسمين هزت رأسها ومشت.
بعد ساعة...
وصل بريد إلكتروني عاجل لكل مديري الشركة.
اجتماع طارئ بعد عشر دقائق.
دخل المدير قاعة الاجتماعات بثقة.
لكن أول ما فتح الباب...
اتجمد مكانه.
على رأس الطاولة...
كانت ياسمين.
بنفس الابتسامة الهادئة.
لكن هذه المرة ببدلتها الرسمية.
وقف المدير مصدومًا.
حضرتك...!
قالت بهدوء
اتفضل... اقعد.
جلس وهو لا يكاد يلتقط أنفاسه.
قالت
أنا وعدت نفسي من أول يوم... إن أي موظف هيتعامل باحترام.
ثم عرضت تسجيل كاميرات الشركة.
ظهر كل ما حدث في الصباح.
ساد الصمت.
قال المدير بصوت منخفض
أنا أخطأت.
قالت ياسمين
كلنا بنخطئ... لكن القائد الحقيقي هو اللي يتعلم.
ثم قررت إرساله إلى برنامج تدريب إلزامي في إدارة الفرق والتواصل، مع إنذار رسمي، بدلًا من فصله.
وقالت أمام الجميع
هدفنا مش
صفق أعضاء مجلس الإدارة.
بعد انتهاء الاجتماع...
وقف الجد حسن المنصوري ينظر إلى حفيدته بفخر.
وقال
فاكرة اليوم اللي اتصلتي بيا وقلتي أنا جاهزة؟
ابتسمت.
طبعًا.
قال وهو يبتسم
وقتها كنت فاكر إنك هترجعي اسم العيلة... لكنك عملت حاجة أكبر.
سألته
إيه هي؟
قال
خليتي الناس تفتكر إن الاحترام... هو أعظم استثمار ممكن أي إنسان يعمله.
ابتسمت ياسمين وهي تنظر إلى الموظفين الذين يخرجون من الشركة بوجوه مطمئنة.
وعرفت أن الرحلة التي بدأت بدعوة هدفها الإحراج...
انتهت برسالة غيّرت حياة آلاف الأشخاص، وستظل تُروى لسنوات طويلة. النهاية فصل أخير بعد عشر سنوات
بعد عشر سنوات...
كان في احتفال كبير بمناسبة مرور خمسين عامًا على تأسيس مجموعة المنصوري.
القاعة كانت مليانة موظفين، لكن المرة دي ما كانش الصف الأول مخصص لرجال الأعمال...
كان مخصصًا لعمال النظافة، وعمال الأمن، والسائقين، وموظفي الاستقبال.
وقف أحد الصحفيين وسأل ياسمين أمام الجميع
حضرتك ليه خليتي الصف الأول ليهم؟
ابتسمت وقالت
لأن أول مكان وقفت فيه في الشركة... كان مكانهم.
تعالت التصفيقات.
ثم صعد الجد حسن المنصوري إلى المسرح، وكانت خطواته أبطأ من زمان.
أخذ الميكروفون وقال
أنا كبرت في السن... والنهارده عندي آخر قرار كرئيس للعائلة.
ساد الصمت.
ثم أكمل
أسلم رئاسة المجموعة بالكامل إلى ياسمين.
وقف الجميع يصفق بحرارة.
أما ياسمين فاتجهت إليه، وقبّلت يده وقالت
كل اللي وصلتله كان بفضل ثقتك فيا.
ابتسم الجد وقال
لا... كان بفضل تعبك.
وفي نهاية الحفل، خرجت ياسمين من الشركة، لكنها توقفت عند باب الاستقبال.
وجدت عاملة نظافة جديدة تقف مرتبكة في أول يوم عمل لها.
اقتربت منها وسألتها
اسمك إيه؟
قالت الفتاة بخجل
سارة.
ابتسمت ياسمين وقالت
أهلًا بيكي يا سارة... من النهارده إنتِ فرد من عيلتنا.
امتلأت عينا الفتاة بالدموع.
ولم تكن تعرف أن المرأة التي رحبت بها...
كانت هي نفسها
ابتسمت ياسمين وهي تنظر إلى بهو الشركة.
هذه المرة...
لم يكن أحد يُعامل أحدًا باحتقار.
ولم يعد أحد يُقاس بملابسه أو وظيفته.
فالاحترام أصبح هو القاعدة التي يعيش بها الجميع.
وهكذا انتهت الحكاية... لكن أثرها بقي في كل شخص دخل هذا المكان بعد ذلك. فصل تذكاري الرسالة التي لم يقرأها أحد
بعد سنوات من رحيل الجد حسن المنصوري...
كانت ياسمين ترتب مكتبه القديم في القصر.
فتحت أحد الأدراج، فوجدت ظرفًا مغلقًا مكتوبًا عليه بخط يده
يُفتح بعد رحيلي.
جلست في صمت، وفتحت الظرف.
وجدت رسالة قصيرة تقول
يا ياسمين... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مطمن. الناس هتفتكر إن أكبر حاجة ورثتهالك هي الشركات. لكن الحقيقة إن أكبر ميراث هو السمعة الطيبة. المال ممكن يضيع ويرجع، لكن احترام الناس لو ضاع، صعب يرجع. أوعي يومًا تنسي إنك بدأتي من الأرض... عشان تفضلي دايمًا قريبة من الناس.
أغلقت ياسمين الرسالة، ودموعها نزلت في هدوء.
ثم وضعتها في إطار زجاجي، وعلقتها داخل مقر الإدارة.
وأصبح كل مدير جديد يتولى منصبًا في الشركة يقرأ تلك الرسالة في أول يوم عمل له.
ومع مرور الوقت...
تحولت رسالة الجد إلى ميثاق رسمي للشركة.
كان أول بند فيه
لا يُقاس الإنسان بمنصبه، بل بأخلاقه واحترامه للآخرين.
وفي كل عام، في ذكرى ميلاد الجد حسن المنصوري، كانت ياسمين تجمع جميع العاملين، من أصغر موظف إلى أكبر مدير، حول مائدة واحدة، دون مقاعد مميزة أو أماكن خاصة.
وكانت تقول دائمًا
اليوم ده مش احتفال بنجاح شركة... ده احتفال باحترام الإنسان.
ولهذا السبب، لم يتذكر الناس ياسمين لأنها كانت رئيسة مجموعة المنصوري...
بل تذكروها لأنها غيّرت ثقافة مكان كامل، وأثبتت أن الكرامة والعدل يمكن أن يصنعا نجاحًا يدوم لأجيال. بعد عشرين عامًا...
كانت الشمس بتشرق على المبنى الجديد لمجموعة المنصوري.
على واجهته الرخامية، كان مكتوبًا
مركز حسن المنصوري لتأهيل الشباب.
مركز مجاني، يعلّم آلاف الشباب والبنات مهارات العمل، ويمنحهم فرصًا حقيقية دون أي واسطة.
وقفت ياسمين أمام المبنى، وقد غزا الشيب بعض خصلات شعرها، لكن ابتسامتها بقيت كما هي.
اقترب منها شاب
متابعة القراءة