ثلاثه اشخاص

لمحة نيوز

كان بينهم؟
وليه داليا، اللي من ساعات حرمتني من حضور جنازة أمي...
بقت دلوقتي مستعدة تعرض حياتها للخطر عشان تنقذنا؟
وقبل ما حد ينطق بكلمة...
طلع الراجل من جيبه ريموت أسود صغير.
رفع إصبعه فوق الزر...
وقال بهدوء مرعب
يبقى محدش هيخرج من هنا ومعاه الحقيقة.
ثم ضغط على الزر...في اللحظة اللي ضغط فيها على الزر...
حبسنا كلنا أنفاسنا.
لكن...
ماحصلش انفجار.
ولا سمعنا أي صوت.
الراجل نفسه اتجمد.
وبص للريموت باستغراب.
ضغط مرة تانية...
وبرضه مفيش حاجة.
وفجأة...
داليا طلعت حاجة صغيرة من جيبها، ورمتها على الأرض قدامه.
كانت قطعة إلكترونية محروقة.
وقالت بثبات
بتدور على دي؟
وش الراجل اتغير تمامًا.
جري ناحيتها وهو بيصرخ
إنتِ عملتي إيه؟!
ردت من غير ما ترجع خطوة
فصلت دائرة التشغيل قبل ما أوصل هنا.
في اللحظة دي...
فؤاد استغل انشغاله، وزقني بقوة.
وقال
اطلع يا أحمد!
طلعت فوق السور، ونزلت الناحية التانية.
ولحقت بمنى.
لكن أول ما بصيت لداليا...
لقيتها واقفة مكانها.
مكانتش بتهرب.
صرخت
تعالي!
هزت راسها بالنفي.
وقالت
مش قبل ما أجيب الحاجة.
إيه الحاجة؟
بصت ناحية البيت اللي النار بدأت تاكل سقفه.
وقالت
الورقة التانية.
اتسمرت.
إنتِ عرفتي إنها موجودة؟
قالت بسرعة
لو اتحرقت... كل حاجة هتضيع.
قبل ما أكمل كلامي...
دخلت تجري جوه البيت المشتعل.
صرخت بأعلى صوتي
داليا... ارجعي!
لكنها اختفت وسط الدخان.
الراجل حاول يجري وراها.
إلا إن فؤاد رماه على الأرض واتمسك بيه.
الاتنين وقعوا يتخانقوا وسط التراب.
وأنا...
وقفت قدام البيت.
ثانية...
واتنين...
وثلاثة...
ومافيش أي أثر لداليا.
الدخان بقى أسود.
والنار وصلت للدور العلوي.
منى كانت بتبكي.
وقالت
مش هتلحق تخرج.
وفجأة...
سمعنا صوت تكسير زجاج من جوه.
وبعدها بلحظات...
خرجت داليا من شباك جانبي وهي بتكح بشدة.
في إيدها.
..
كانت ماسكة ملفًا أزرق قديم.
لكن قبل ما توصلنا بخطوتين...
سقط الملف من إيدها على الأرض.
وانفتحت أوراقه مع الهوا.
ورقة منهم طارت لحد عند رجلي.
انحنيت أخدها...
وأول سطر وقع عليه بصري خلاني أنسى النار، وأنسى الراجل، وأنسى كل اللي حواليا.
كان مكتوب بخط رسمي
محضر إثبات محاولة تغيير وصية المرحومة أمينة...
رفعت عيني بسرعة ناحية داليا.
كانت بتحاول تتكلم...
لكن الدخان كان مخنقها.
وبكل قوتها قالت جملة واحدة
الوصية... مش هي آخر حاجة أمك كانت بتحميها...
ثم فقدت وعيها قبل ما تكمل جريت عليها قبل ما رأسها تلمس الأرض.
سندتها بين إيديا.
كانت بتتنفس...
لكن بصعوبة.
منى ركعت جنبها وهي بتعيط.
أما فؤاد...
فكان لسه ماسك الراجل بكل قوته.
لكن الراجل بطل يقاوم فجأة.
وبصلي بابتسامة غريبة.
وقال
متتعبش نفسك... هي مش هتقدر تقولك الحقيقة.
صرخت فيه
إيه الحقيقة؟!
ضحك.
وقال
اسألها ليه كانت مستعدة تموت عشان الملف... مش عشانك.
الكلمة دي نزلت عليا زي الصاعقة.
لكن ماكنش عندي وقت أفكر.
صوت سيارات المطافي بدأ يقرب.
والناس اتلمت حوالين البيت.
المسعفون خدوا داليا على النقالة.
وقبل ما يقفلوا باب الإسعاف...
فتحت عينيها بالعافية.
وشاورتلي أقرب.
قربت بسرعة.
مسكت كُمّ القميص بتاعي.
وهمست
الملف... ناقص.
قلت باستغراب
ناقص إيه؟
قالت
آخر صفحة.
واتسعت عينيها بخوف.
متخليش حد يسبقك للمستشفى...
قبل ما أسألها ليه...
رجعت غابت عن الوعي.
...
بصيت على الملف الأزرق.
بدأت أقلب أوراقه.
محاضر...
خطابات رسمية...
إيصالات...
وكلها تخص أمي.
لكن فعلًا...
ترقيم الصفحات كان غريب.
١...
٢...
٣...
٤...
٦...
الصفحة رقم ٥ كانت مفقودة.
والأغرب...
إنها الصفحة الوحيدة اللي عليها علامة بقلم أحمر في الفهرس.
فؤاد شافها.
وأول ما لاحظ الرقم الناقص...
قال بصوت منخفض
عرف يوصل لها.
لفيت له
بسرعة.
مين؟
قبل ما يرد...
لقينا الراجل اللي كان ماسكه اختفى.
الحبل البلاستيك اللي كانت الشرطة رابطاه بيه...
كان مرمي على الأرض.
والراجل...
اختفى وسط الزحمة.
جريت أبص يمين وشمال.
ولا كأنه كان موجود.
رجعت لفؤاد بعصبية.
إنت سيبته؟!
هز راسه.
وقال
لأ...
وبعدين بص على الملف.
وأضاف
هو كان جاي من الأول عشان الصفحة الخامسة.
في اللحظة دي...
رن موبايل داليا، اللي كان المسعف حطه مع متعلقاتها فوق الترابيزة الجانبية.
الشاشة نورت باسم غريب
مجهول الخط الثاني.
المسعف قال
رد بسرعة... يمكن حد من أهلها.
رديت.
فضل الطرف التاني ساكت ثانيتين.
وبعدين قال بصوت منخفض جدًا
لو الصفحة الخامسة لسه معاكم... يبقى لسه عندكم فرصة.
قلت بسرعة
إنت مين؟
رد
دور تحت فرش المقعد الخلفي في عربية داليا...
وسكت لحظة...
ثم قال
بس أوعى تفتح الظرف اللي هتلاقيه هناك... إلا بعد ما تعرف مين اللي كتب الوصية الحقيقية.
وقبل ما أتكلم...
قفل الخط.
بصيت لمنى...
وبعدين لعربية داليا الواقفة بعيد، ولسه بابها مفتوح من ساعة ما نزلت منها.
كان واضح...
إن السر الحقيقي...
لسه ما بدأش يظهر سيارة الإسعاف انطلقت بداليا...
والمطافي بدأت تطفي آخر ألسنة النار.
أما أنا...
ففضلت واقف، ماسك الملف بإيد، والظرف بالإيد التانية.
وفجأة افتكرت كلام الشخص المجهول
دور تحت فرش المقعد الخلفي.
جريت ناحية عربية داليا.
فتحت الباب الخلفي.
رفعت فرش المقعد...
ولقيت ظرفًا بنيًا صغيرًا.
كان مقفول بالشمع الأحمر.
لكن المرة دي...
مكتوب عليه بخط أمي
يفتح بعد قراءة الوصية.
رجعت أبص للملف.
فتحت أول صفحة.
كانت وصية أمي القانونية.
وآخر صفحة فيها توقيعها.
لكن لما وصلت للصفحة الخامسة...
اتفاجئت إنها مش ناقصة.
كانت مطوية بين صفحتين.
وكأن حد أخفاها عمدًا.
فتحتها ببطء...
وكان أول سطر فيها
أشهد أن زوجة ابني، داليا،
لم تخن ثقتي يومًا.
شهقت منى.
أما أنا...
فكملت القراءة.
داليا جاءت إليّ قبل وفاتي بشهر، وأخبرتني أن هناك رجلًا يحاول إجبارها على تسليمي أوراق تخص البيت والوصية. ولما رفضت، هددها بأنه سيؤذي أحمد إن تكلمت.
كملت وأنا مش مصدق.
طلبتُ منها ألا تخبر أحمد شيئًا، لأن الرجل كان يراقبه. واتفقنا على خطة أخيرة... إذا شعرتُ أن نهايتي اقتربت، تمنعه من السفر بأي طريقة.
وقفت عن القراءة.
إيدي كانت بتترعش.
يعني...
داليا ما منعتنيش من السفر انتقامًا.
كانت بتحاول تبعدني...
لأنها كانت عارفة إن في حد مستنيني في الطريق.
وفي آخر الصفحة...
كانت آخر كلمات أمي
يا أحمد... لو غضبت من داليا، سامحها. هي خسرتك مؤقتًا... علشان متخسرَكش للأبد.
في اللحظة دي...
وصل تليفون من المستشفى.
رديت بسرعة.
الدكتور قال
المريضة فاقت... وبتطلب تشوفك.
جريت على المستشفى.
دخلت أوضتها.
أول ما شافتني...
بدأت تبكي.
وقالت
أنا عارفة إنك عمرك ما هتسامحني.
قربت منها.
وقعدت جنبها.
وقلت بهدوء
ليه ماقولتيش الحقيقة؟
قالت وهي بتمسح دموعها
لأن أمك حلفتني... وقالت لو عرف أحمد، هيجري يواجهه، وساعتها ممكن أخسره.
سكتت لحظة...
وأضافت
كنت مستعدة أخليك تكرهني طول عمرك... ولا أشوفك في قبر جنب أمك.
مديت إيدي...
وحطيت الوصية قدامها.
أول ما شافت خط أمي...
انهارت في البكاء.
قلت
أنا ظلمتك.
هزت رأسها.
وقالت
المهم إنك عرفت الحقيقة.
بعد أيام...
ألقت الشرطة القبض على الرجل الهارب بعد أن قادتهم المستندات التي نجت من الحريق إلى مكانه، واتضح أنه كان يحاول الاستيلاء على البيت بتزوير أوراق ووصية قديمة، وكان يخشى أن تكشف أمي الحقيقة قبل وفاتها.
أما البيت...
فقررنا نبيعه، ونتبرع بجزء من ثمنه باسم أمي لبناء سقية ومساعدة الأسر المحتاجة، تنفيذًا لوصيتها الأخيرة.
وقفت أنا وداليا ومنى أمام قبر أمي.
وضعت
وردة بيضاء فوق التراب.
وهمست
سامحيني يا أمي... واتشكرك إنك حتى بعد رحيلك، قدرتي تحمينا.
نظرت إلى داليا...
فقالت بهدوء
أمك كانت آخر شخص جمعنا... قبل ما نفترق.
ابتسمت لأول مرة منذ أيام.
وقلت
يمكن كانت عايزة تسيب لنا فرصة نبدأ من جديد... لكن المرة دي من غير أسرار.
تمت.

تم نسخ الرابط