ثلاثه اشخاص

لمحة نيوز

جه يوم... ما أمنعوش.
قلت بسرعة
أمال كنت بتصرخ ليه؟
تنهد.
وقال
لأنك لازم تعرف اللي جوا قبل ما تدخل.
اتسند على العربية، وكأنه بيجمع شجاعته.
أمك اشترت البيت ده بعد وفاة جدك.
عارف.
لكن محدش يعرف إنها رجعتله بعد كده.
قطعت كلامه.
أنا مالي بكل ده؟
بص للمفتاح في إيدي.
وقال
جوا البيت... أمانة.
إيه الأمانة؟
هز رأسه.
أنا وعدتها ما أفتحهاش.
وأوعدك إيه دلوقتي؟
قال
إنك مهما تشوف... تكمل للآخر.
...
فتحت الباب.
صرير الحديد قطع سكون الشارع.
ريحة تراب وخشب قديم خرجت من المكان.
دخلنا ببطء.
كل حاجة كانت متغطية بملايات بيضا.
كأن الزمن وقف هنا.
على الحيطة...
صورة كبيرة لأمي وهي أصغر بعشرين سنة.
ابتسامتها هي نفسها.
لكن الغريب...
إنها كانت واقفة جنب خزنة حديد ضخمة.
نفس الخزنة...
كانت لسه موجودة في آخر الصالة.
فؤاد أشار عليها.
وقال
المفتاح الصغير ده... مش بتاع الباب.
بصيتله.
قال
ده بتاع الخزنة.
اتقدمت ناحيتها.
ركبت المفتاح.
لف مرة واحدة...
وسمعنا صوت تك.
فتحنا الباب الحديد ببطء.
جوا الخزنة...
كان فيه صندوق خشب صغير.
وفوقه ظرف جديد.
لكن اللي خلاني أتجمد...
إن الظرف كان مكتوب عليه بخط أمي
يُفتح فقط إذا داليا منعت أحمد يودعني.
وقعت الورقة من إيدي.
وبصيت لمنى.
هي كانت مصدومة زيي.
همست
أمي... كانت عارفة إن ده هيحصل؟
ولسه هفتح الظرف...
سمعنا صوت تكسير زجاج من آخر البيت.
لفينا بسرعة...
وكان واضح إن حد تالت دخل البيت...
وماكانش جاي علشان يساعدنا قفلت باب الخزنة بسرعة، وحطيت الظرف جوه الجاكيت.
منى همست وهي بترجع لورا
سمعت؟
صوت خطوات...
بطيئة.
منتظمة.
كأن صاحبها عارف البيت أكتر مننا.
فؤاد رفع إيده يسكّتنا.
وقال بصوت واطي
اطفوا كشافات الموبايل.
البيت غرق في ضلمة شبه كاملة.
ثواني...
وسمعنا صوت درج خشب بيصر.
حد...
كان بينزل من الدور اللي فوق.
بصيت لفؤاد باستغراب.
في حد عايش هنا؟
بلع ريقه وقال
المفروض... لأ.
قرب الصوت أكتر.
وبعدين وقف فجأة.
الصمت بقى مرعب.
لدرجة إني كنت سامع دقات قلبي.
وفجأة...
خرج صوت راجل من آخر الطرقة.
سيب الظرف مكانه... وامشوا.
شدّيت منى ووقفت قدامها.
وقلت بصوت عالي
إنت مين؟
ماجاش
رد.
لكن بعد ثانيتين...
اترمى مفتاح على الأرض واتزحلق لحد عند رجلي.
كان مفتاح عربيات.
وعليه ميدالية جلد محفور عليها حرف واحد...
د.
انحنى فؤاد أخده...
وأول ما شافه، وشه اصفر.
همس
لا...
قلت بعصبية
إيه؟
رفع المفتاح قدامي وقال
الميدالية دي أنا شوفتها قبل كده.
فين؟
بصلي مباشرة وقال
كانت مع داليا... يوم ما جت تزور والدتك هنا من شهر.
اتجمدت.
إنت قلت إنها عمرها ما دخلت البيت.
قال وهو مرتبك
أنا... كنت منفذ وصية أمك.
يعني كذبت عليا؟
هز راسه بحزن.
أمك أجبرتني.
قبل ما أستوعب كلامه...
رن موبايل منى.
المرة دي الرقم كان مجهول.
ردت وهي فاتحة السماعة.
جالنا نفس صوت الراجل اللي كان في الضلمة.
قال بهدوء غريب
افتحوا الظرف... وهتعرفوا ليه داليا لغت التذكرة.
سكت لحظة...
ثم ضحك ضحكة خفيفة وقال
بس قبل ما تقروا أول سطر... بصوا تحت الصندوق الخشبي.
جريت ناحية الخزنة.
رفعت الصندوق بسرعة.
وكان تحته...
صورة قديمة.
الصورة كانت لأمي...
واقفة قدام نفس البيت.
وبجوارها...
داليا.
لكن الصدمة الحقيقية...
إن الصورة كان تاريخها مطبوع في الأسفل.
قبل ما أنا وداليا نتقابل بأربع سنين كاملة اتسمرت مكاني.
بصيت للتاريخ مرة...
واتنين...
وتلاتة.
مفيش غلط.
الصورة متصورة فعلًا قبل ما أعرف داليا بأربع سنين.
منى خطفتها من إيدي.
وقالت بذهول
إزاي؟!
فؤاد أول ما شاف الصورة، غمض عينه كأنه كان مستني اللحظة دي.
قلت له بعصبية
انطق!
قال بصوت مهزوز
دي أول مرة أشوفها.
يعني إيه؟!
أمك كانت مخبية الصور دي حتى عني.
مديت إيدي للظرف.
مزقته بسرعة.
كانت جواه ورقتين.
الورقة الأولى بخط أمي.
أما التانية...
فكانت صورة مطبوعة من تقرير قديم.
لكن قبل ما أبص فيها...
بدأت أقرأ كلام أمي.
يا أحمد... لو بتقرأ الجواب ده، يبقى اللي كنت خايفة منه حصل. وداليا منعتك تيجي تودعني. متغضبش بسرعة... لأن الحقيقة أكبر بكتير من اللي أنت متخيله.
وقفت أقرأ لحظة.
حسيت إني مش قادر أكمل.
لكن كملت.
هتلاقي صورة قديمة هتصدمك. أوعى تفتكر إنها معناها إن داليا كانت بتخدعك من أول يوم. الصورة دي اتصورت لسبب... والسبب ده محدش يعرفه غير شخص واحد.
قلبي بدأ يدق أسرع.
لو الشخص
ده لسه عايش... هيحاول ياخد الورق ده منك.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت باب البيت الخارجي بيتقفل بعنف.
كلنا لفينا.
فؤاد جري ناحية الشباك.
بص برا...
ورجع وشه شاحب.
قلت
في إيه؟
قال
العربية اللي كانت بره... اختفت.
وقبل ما أسأله...
سمعنا صوت قفل حديد.
ثم صوت سلسلة بتتركب على باب البيت من الخارج.
منى شهقت.
حد قفل علينا!
جريت ناحية الباب.
شدّيته بكل قوتي.
ما اتحركش.
وفجأة...
رن موبايلي.
كان رقم داليا.
بصيت للشاشة ثواني.
ورديت.
أول ما سمعت صوتها...
عرفت إنها بتجري.
وكان نفسها مقطوع.
قالت بسرعة
اسمعني كويس يا أحمد... متقراش الورقة التانية.
قلت بغضب
بعد كل اللي عملتيه، لسه بتأمريني؟!
صرخت لأول مرة
مش بأمرك... بحاول ألحقك!
وسكتت لحظة...
ثم قالت بصوت مرتعش
الراجل اللي قفل عليكم البيت... مش جاي ياخد الورق.
ابتلعت ريقي.
وسألتها
أمال جاي ليه؟
ردت بجملة خلت الدم يتجمد في عروقي
جاي يحرق البيت... بكل اللي فيه... وإنتوا لسه جواه بصيت حواليّا بسرعة.
في الأول افتكرت إن داليا بتحاول تخوفني.
لكن بعدها بثانيتين...
ريحة دخان خفيفة دخلت من تحت الباب.
منى شهقت.
يا أحمد... في نار!
فؤاد جري ناحية الشباك.
فتح الستارة بسرعة.
ولأول مرة...
الخوف بان على وشه.
قال بصوت مبحوح
فيه بنزين مترشوش حوالين البيت.
قربت من الشباك.
وشفت خيط نار صغير بيمشي على الأرض...
وكل ثانية بيقرب أكتر.
قفلت المكالمة مع داليا.
واتصلت بالإسعاف والمطافي.
وبعدها بدأت أبص حواليا على أي مخرج.
لكن كل الشبابيك عليها حديد قديم.
والباب الرئيسي متقفل من بره.
فؤاد صرخ
ورا المطبخ!
جرينا كلنا.
كان فيه باب خشب صغير.
ضربته بكتفي.
مرة...
واتنين...
وتلاتة...
لحد ما اتخلع.
خرجنا لفناء ضيق ورا البيت.
لكن الصدمة...
إن البوابة الحديد هناك كانت مقفولة هي كمان.
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت انفجار خفيف.
النار مسكت في الستارة جوه الصالة.
الدخان بدأ يملأ المكان.
منى بدأت تكح.
وفؤاد وقع على ركبته وهو بيحاول يتنفس.
بصيت فوق السور.
كان عالي جدًا.
لكن لفت نظري سلم خشب قديم متسند على الحائط.
جريت ناحيته.
ولما مسكته...
اتكسر نصه في إيدي.
فضل الجزء التاني
واقف بالعافية.
قلت لمنى
اطلعي إنتِ الأول.
رفضت.
والظرف؟
بصيت للجاكيت.
الظرف لسه معايا.
ولو اتحرق...
آخر حاجة أمي سابتهالي هتضيع.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت راجل من الناحية التانية للسور.
ارموا الظرف... وأنا هفتح البوابة.
بصيت من فتحة صغيرة.
كان نفس الراجل اللي كلمنا في البيت.
واقف...
وفي إيده ولاعة.
قال بهدوء غريب
قدامكم دقيقة واحدة.
قلت بغضب
إنت مين؟
ابتسم ابتسامة باردة.
وقال
أنا الشخص الوحيد اللي كان خايف من الجواب ده يوصل لإيدك.
ورفع الولاعة قدام عينه.
وأضاف
ولو اخترت تحتفظ بالظرف... هتختار تحكم على أختك ومن معاك بالموت.
في اللحظة دي...
مدت منى إيدها ناحيتي وهمست
أحمد... القرار لازم يتاخد دلوقتي...
وانتهى الوقت...بصيت للظرف...
وبعدين بصيت لمنى.
كان قدامي اختيار مستحيل.
إما أحافظ على آخر سر أمي...
أو أخاطر بحياة أختي.
لكن قبل ما أقرر...
فؤاد صرخ من ورايا
استنى!
لفيت ناحيته.
كان بيحاول يقوم وهو بيكح.
وقال بصعوبة
الراجل ده... بيكدب.
الراجل اللي بره ابتسم.
وقال
لسه فاكر يا فؤاد؟
فؤاد رد وهو بيضغط على صدره
أيوه... وفاكر كمان إنك عمرك ما كنت تفي بوعد.
سكت الراجل.
ولأول مرة...
الابتسامة اختفت من وشه.
استغليت اللحظة.
مسكت الظرف بإيدي الشمال...
وباليمين بدأت أدور بعيني على أي حاجة أقدر أستخدمها.
فجأة...
لمحت ماسورة صرف قديمة طالعة جنب السور.
كانت صدئة...
لكن ثابتة.
قلت لمنى
اطلعي عليها.
قالت بخوف
ولو وقعت؟
قلت بحزم
مفيش وقت.
بدأت تطلع.
وأنا وفؤاد سندناها.
بالعافية وصلت فوق السور.
وفي اللحظة اللي كانت بتمد إيدها عشان تنزل الناحية التانية...
سمعنا صوت كسر.
الماسورة بدأت تتحرك.
صرخت
انطي!
قفزت منى.
واختفت من الناحية التانية.
بعد ثواني سمعنا صوتها
أنا كويسة!
اتنفست لأول مرة.
لكن لسه أنا وفؤاد جوه.
النار بقت على بعد أمتار.
والحرارة بقت خانقة.
وفجأة...
منى صرخت من بره
يا أحمد... حد مسكني!
جريت ناحية السور.
طلعت بصعوبة.
ولما بصيت...
شفت الراجل ماسك دراع منى.
وفي إيده التانية...
كان بيحاول يخطف الظرف منها بعد ما رميتهولها.
لكن اللي صدمني...
إن داليا ظهرت فجأة من آخر الشارع.

كانت سايقة عربيتها بسرعة جنونية.
ودخلت بالعربية بينها وبين الراجل.
صوت الفرامل دوّى في المكان.
الراجل اضطر يسيب منى ويرجع خطوتين.
داليا نزلت من العربية وهي بتصرخ
ابعد عنها!
الراجل بصلها بنظرة مليانة غضب.
وقال
إنتِ خالفتِ الاتفاق.
داليا ردت وهي واقفة قدام منى
الاتفاق انتهى يوم ما قررت تقتل ناس ملهاش ذنب.
اتجمدت مكاني.
اتفاق؟!
إيه الاتفاق اللي
تم نسخ الرابط