ثلاثه اشخاص

لمحة نيوز

ثلاثة أشخاص بس كانوا واقفين بيني وبين الطيارة اللي كانت هتوصلنى ألحق جنازة أمي... لما مراتي اتصلت بيا وقالت بكل هدوء إنت مش هتركب الطيارة دي. اللي عملته بعدها ما خلانيش بس أفوّت آخر وداع لأمي... ده خلّى جوازنا ينتهي وهي لسه مش مستوعبة.
كانت بوابة C18 في مطار القاهرة زحمة بشكل يخنق. ناس شايلة شنط، وأكواب قهوة، وأطفال بيجروا في كل حتة.
البدلة السودة كانت متطبقة جوه الشنطة، وجنبها الكرافتة الزرقا اللي أمي أمينة كانت جايباهالي هدية في عيد ميلادي ال.
الموظف أعلن آخر نداء للركاب.
بعد أقل من أربع ساعات، الشيخ محمود كان هيقف في الجامع ويبدأ صلاة الجنازة على أمي... الست اللي ربتني أنا وأختي لوحدها بعد ما الدنيا قست عليها.
وكان المفروض أكون قاعد في أول صف.
لكن بدل كده...
خرجت من الطابور، ورفعت الموبايل على ودني.
إنتِ قولتي إيه؟
قالت داليا بهدوء
أنا لغيت تذكرتك.
ولا كانت بتزعق...
ولا حتى بتحاول تعتذر.
كانت هادية بشكل يخوف.
كلمت شركة الطيران من عشرين دقيقة، واستخدمت حساب النقاط المشترك بتاعنا.
في اللحظة دي...
حسيت المطار كله بيتحرك من غير صوت.
شنطة خبطت في رجلي، وراكب سلّم البوردنج باس للموظف.
بصيت قدامي وأنا مش مستوعب.
إنتِ لغيتِ سفري؟!
قالت
أيوه.
جنازة أمي النهارده الساعة 12.
عارفة يا أحمد.
كان صوتها مليان ضيق، كأن الغلط غلطي أنا.
فضلت تقول إني بقالي شهرين أول ما أختي تتصل بسيب كل حاجة وأجري... وإني ضيعت اجتماعات مهمة، وماحضرتش معاها أهم حفلة خاصة بشغلها، وسيبتها لوحدها في أهم أسبوع في حياتها.
وبعدين قالت الجملة اللي عمري ما هنساها
كان لازم تعرف إن جوازك أولى من أي حاجة.
بصيت من إزاز المطار على الطيارة وهي واقفة.
وسألتها
اخترتي النهارده بالذات تعملي فيا كده؟
ردت بمنتهى البرود
اخترت وقت عمرك ما هتنساه.
الجملة دي...
ماوجعتنيش زي السكينة.
دخلت قلبي زي برد الشتاء.
الموظف بصلي وقال
يا فندم... هتركب ولا لأ؟
فتحت تطبيق شركة الطيران...
ملقتش الحجز.
حاولت أدخل على حساب النقاط...
الباسورد اتغير.
هي غيرته.


قلت وأنا بأسناني
رجعي الحجز.
قالت
في طيارات تانية.
مفيش واحدة هتلحقني الجنازة.
قالت بمنتهى البرود
يبقى سافر بعدها... أمك أكيد كانت هتفهم.
أمي...
كانت طول عمرها بتفهم الكل.
اتفهمت لما أبويا سابنا.
واتفهمت لما سافرت القاهرة للشغل.
واتفهمت كل مرة أوعدها أزورها الأسبوع الجاي وماعرفش.
لكن مستحيل...
أطلب منها تتفهم إني فوت جنازتها...
علشان مراتي كانت عايزة تعاقبني.
قفلت السكة في وشها.
بعد دقيقتين...
باب الطيارة اتقفل.
وقفت أتفرج عليها وهي بتتحرك...
واتصلت بكل شركات الطيران اللي ممكن توصلني.
لكن مفيش أي رحلة هتلحقني قبل معاد الجنازة.
اتصلت بأختي منى.
كان صوت القرآن شغال في الخلفية.
قالت
إنت خلاص هتطلع؟
قلت بصوت مكسور
لسه في القاهرة.
سألتني بقلق
إيه اللي حصل؟
قلت
داليا لغت تذكرتي.
سكتت.
وبعدين خدت نفس طويل.
قلت لها وأنا حاسس إني بنهار
لو تقدري... خلي الشيخ يستنى شوية.
قالت بحزن
الجامع مليان يا أحمد.
قلت
عارف.
قالت
وأمي خلاص وصلت.
حسيت نفسي مش قادر أخد نفسي.
قلت
قولي لها إني كنت عند البوابة... والشنطة كانت معايا... وقولي لها إني حاولت.
ردت وهي بتعيط
هي كانت عارفة إنك بتحبها.
قلت
قولي لها برضه.
أجرت عربية...
وسوقت طول الليل.
وداليا فضلت تتصل بيا 11 مرة.
ولا مرة رديت.
الدفنة كانت اتأجلت للصبح...
ووصلت المقابر الساعة 752، ولابس نفس هدومي بتاعة امبارح.
كان فاضل تسع أشخاص بس.
وقفت جنب أختي...
واتفرجنا على نعش أمي وهو بينزل في قبره.
وبعد ما كل الناس مشيت...
فضلنا واقفين قدام التراب الجديد.
قالت منى بصوت واطي
أمي سألت عليك ليلة التلات.
بصيت على الورد الأبيض فوق القبر.
وسألتها
قولتلها إيه؟
دموعها نزلت...
ومدت إيدها من جوه المعطف، وطلعت ظرف مقفول مكتوب عليه اسمي.
وقالت
أمي خلتني أوعدها... إني ما أديكش الجواب ده... إلا بعد الجنازة.
القصة لسه مخلصتش...يتبع
لايك وكومنت وهرد بالباقي منى فضلت ماسكة الظرف بإيد مرتعشة، كأنها خايفة أول ما يفتحه كل حاجة تتغير.
بصيت لاسمي المكتوب بخط أمي...
نفس الخط اللي كانت بتكتب
بيه ورق الساندويتشات وأنا رايح المدرسة.
مديت إيدي آخده.
لكن منى شدته بسرعة.
وقالت
استنى.
بصيت لها باستغراب.
قالت وهي بتبلع ريقها
في حاجة لازم تعرفها الأول.
قلبي دق بعنف.
إيه؟
لفت حواليها، واتأكدت إن آخر الناس خرجوا من المقابر.
وبعدين همست
قبل ما تموت بساعتين... داليا كلمت أمي.
اتجمدت مكاني.
إيه؟
أيوه.
إنتِ عرفتي منين؟
طلعت موبايل قديم من شنطتها.
ده موبايل أمي... آخر مكالمة مسجلة فيه.
بصيت للشاشة...
آخر اتصال...
اسم داليا.
ومدتهولي.
قالت
اسمعه.
فتحت سجل المكالمات.
مدتها...
تمنتاشر دقيقة.
تمنتاشر دقيقة كاملة...
قبل وفاة أمي بساعات.
رفعت عيني على منى.
هي كانت بتكلمها ليه؟
هزت كتفها ببطء.
مش عارفة.
أمي قالتلك حاجة؟
سكتت ثواني...
وبعدين قالت
قالتلي جملة واحدة.
إيه هي؟
بصت ناحية القبر...
وقالت بصوت مخنوق
لو أحمد سأل عليكِ... ما تظلمش داليا قبل ما يعرف الحقيقة.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
إزاي؟
بعد اللي عملته...
أمي بتوصيني ما أظلمهاش؟
فتحت الظرف بسرعة.
جواه ورقة واحدة...
ومفتاح صغير نحاس مربوط بخيط أبيض.
وتحت المفتاح...
مكتوب بخط أمي
المفتاح ده هيفهمك ليه كنت مصرة أسامح ناس كتير.
قلبي وقع.
مفتاح إيه ده؟
منى هزت راسها.
معرفش.
قلبت الورقة.
كان فيه عنوان مكتوب في آخر السطر...
عنوان بيت قديم في المنصورة.
بيت مقفول من أكتر من خمس عشرة سنة.
البيت اللي أمي كانت كل ما أسألها عنه...
تغير الموضوع فورًا.
وقبل ما أتكلم...
رن موبايل منى.
بصت للشاشة...
واتغير لون وشها.
رفعت عينيها ليا ببطء.
وقالت
دي داليا.
رفضت المكالمة فورًا.
لكن بعد أقل من ثانية...
وصلت رسالة صوتية.
منى فتحتها على السماعة بالغلط.
وصوت داليا خرج وسط سكون المقابر
أحمد... أوعى تروح العنوان اللي في الجواب... في حد مستنيك هناك من زمان...
وسكتت لحظة...
ثم قالت بنبرة مرعوبة لأول مرة
...ولو لقيت المفتاح معاك، متقولش لأي حد إنك فتحتي الظرف.
أنا ومنى بصينا لبعض في صدمة...
لأن داليا...
ماكانش المفروض تعرف أصلًا إن أمي سابتلي ظرف جريت أنا ومنى ناحية العربية
من غير ما ننطق.
فضلت الرسالة الصوتية بتلف في دماغي.
ما تروحش العنوان... في حد مستنيك.
وأكتر جملة خوفتني...
ما تقولش لحد إنك فتحت الظرف.
ركبت العربية، وقفلت الباب بعنف.
بصيت لمنى.
قلت
هي عرفت إزاي؟
منى هزت راسها.
والله ما أعرف.
أخرجت الظرف مرة تانية.
قلبته من كل ناحية.
مفيش غير اسمي... وخط أمي.
يعني...
محدش كان يعرف محتواه.
إلا لو...
حد شافها وهي بتكتبه.
أو...
حد كان موجود في أوضتها آخر أيامها.
في اللحظة دي افتكرت حاجة.
قبل وفاة أمي بأسبوع...
داليا أصرت تيجي تزورها في المستشفى لوحدها.
وقتها أنا كنت في الشغل.
ولما سألتها بعد ما رجعت قالت
اطمنت عليها خمس دقايق ومشيت.
خمس دقايق...
ولا عمرها حكتلي إيه اللي دار بينهم.
قطعت أفكاري منى وهي بتقول
هنعمل إيه؟
بصيت للمفتاح.
وقلت بحسم
هنروح العنوان.
قالت بسرعة
بعد الرسالة دي؟
قلت
بالذات بعد الرسالة.
...
بعد ساعتين...
وقفنا قدام البيت.
بيت قديم وسط شارع هادي.
الشبابيك مقفولة بخشب قديم.
والتراب مغطي السور.
لكن...
في حاجة مكانتش راكبة.
آثار كاوتش عربية لسه جديدة قدام البوابة.
يعني...
حد كان هنا قريب.
نزلت من العربية.
وكل خطوة كنت بحس إنها أتقل من اللي قبلها.
لما قربت من الباب الحديد...
بصيت على القفل.
اتجمدت.
القفل...
كان نفس مقاس المفتاح اللي سابته أمي.
بصيت لمنى.
هي كمان لاحظت.
قلت
يبقى ده مكانه.
حطيت المفتاح في القفل.
ولسه هلفه...
سمعنا صوت موتور عربية وقف ورا ضهرنا.
لفينا بسرعة.
عربية سودا نزل منها راجل في أواخر الخمسينات.
لابس بدلة رمادي.
وشه شاحب.
وأول ما شاف المفتاح في إيدي...
صرخ بأعلى صوته
إوعى تفتح الباب!
سكت لحظة وهو بيجري ناحيتي...
ثم قال بأنفاس متقطعة
أمك دفعت عمرها كله عشان الباب ده يفضل مقفول... ولو فتحته دلوقتي... هتعرف السر اللي كانت مستخبيّاه عنكم من أكتر من عشرين سنة ثبتُّ المفتاح في القفل...
لكن إيدي وقفت.
الراجل وصل وهو بينهج، وحط إيده على الباب كأنه بيحميه.
قلت بعصبية
إنت مين؟
بص لي طويل...
وبعدين قال
اسمي فؤاد.
وده يخصني في إيه؟
طلع
من جيبه بطاقة قديمة باهتة.
كان مكتوب فيها اسم شركة مقاولات.
وفي خانة الوظيفة...
حارس أملاك.
قال
أنا اللي كنت مسؤول عن البيت ده من يوم ما والدتك قفلته.
بصيت لمنى.
هي كمان كانت مستغربة.
قلت
لو كنت مسؤول عنه... ليه سايبه بالشكل ده؟
رد بهدوء
لأن ده كان طلبها.
وسكت ثانية.
وقالتلي لو ابنها
تم نسخ الرابط