الملياردير
الاحتفال...
خرج يتمشى في الحديقة.
كانت نفس الحديقة اللي اتزرعت فيها أول شجرة يوم افتتاح المؤسسة.
لكن الشجرة الصغيرة...
بقت دلوقتي ضخمة، وظلها يغطي المكان كله.
قعد تحتها.
وجنبه قعدت ليان.
قالت بابتسامة
فاكر أول مرة شفتني؟
ضحك وقال
فاكر العربية الصفرا... وفاكر ضحكتك.
سكت لحظة...
ثم قال
بس أكتر حاجة فاكرها... إن ربنا خلاني في المكان الصح، في الوقت الصح.
ردت ليان
ولو ما كنتش جيت اليوم ده...
ابتسم وقال
كان أكيد ربنا هيبعت حد غيري... لأن الخير عمره ما بيتوقف على شخص.
وفي نفس اللحظة...
كان عشرات الأطفال بيلعبوا قدامهم، وضحكاتهم مالية المكان.
ابتسم مراد وهو يبص لهم، وقال
دي أكبر ثروة ممكن أي إنسان يسيبها وراه.
وبعد سنوات...
لما رحل مراد عن الدنيا، نزل الخبر في كل الجرائد.
لكن أكثر حاجة أثرت في الناس...
ما كانتش حجم ثروته.
ولا عدد شركاته.
كانت الوصية اللي كتبها بخط إيده
لو حبيتوا تفتكروني... افتكروا إن مفيش طفل يستحق يحس إنه مالوش مكان. ولو قدرتوا تفتحوا باب أمل لحد، اعملوها... لأن الخير هو الحاجة الوحيدة اللي بتعيش بعد أصحابها.
واتعلقت الوصية دي عند مدخل كل فرع من فروع بيت البدايات.
وكل طفل كان يدخل من الباب...
كان يقرأ أول جملة مكتوبة
أهلًا بيك... هنا مكانك.
النهاية. بعد أربعين سنة...
كان مبنى بيت البدايات مليان أطفال وأحفاد الأطفال اللي كبروا فيه.
في صباح يوم مميز...
وقفت ليان، وقد أصبحت رئيسة مجلس أمناء المؤسسة، قدام مجموعة من الأطفال الجدد.
كان في إيديها صندوق خشبي قديم.
قالت بابتسامة
النهارده هوريكم أغلى حاجة عندنا.
فتحت الصندوق بهدوء.
طلع منه...
عربية لعبة صفرا صغيرة.
قديمة...
فيها خدوش كتير.
لكنها كانت متحفظ عليها
رفع طفل صغير إيده وسأل
هي دي غالية؟
ضحكت ليان وقالت
لأ... تمنها كان بسيط جدًا.
أمال ليه محتفظين بيها؟
بصت للعربية لحظة...
وقالت
لأنها فكرّت راجل عظيم إن الرحمة أهم من أي فلوس.
في آخر القاعة...
كانت صورة كبيرة لمراد معلقة على الحائط.
تحتها عبارة كتبها بنفسه قبل سنوات
الشركات بتبني اقتصاد... لكن الرحمة هي اللي بتبني مجتمع.
صفق الأطفال.
وبدأ كل واحد يحكي حلمه.
واحد قال
عايز أبقى دكتور.
والتاني
عايز أبقى مهندس.
وبنت صغيرة قالت
أنا عايزة أفتح مكان للأطفال اللي معندهمش حد.
ابتسمت ليان.
وقالت
يبقى رسالة مراد لسه عايشة.
وفي نهاية اليوم...
قبل ما الأطفال يمشوا...
وقفت بنت صغيرة عند باب المؤسسة.
بصت للافتة المكتوب عليها
أهلًا بيك... هنا مكانك.
ابتسمت...
ودخلت وهي مطمنة.
وفي اللحظة دي...
عرف كل اللي كانوا واقفين إن الحكايات الجميلة ممكن تنتهي...
لكن أثرها الطيب...
بيبدأ من جديد مع كل إنسان يختار الرحمة. بعد سنوات طويلة...
تحول مبنى بيت البدايات إلى مكان يقصده الناس من كل المحافظات.
مش علشان يطلبوا مساعدة بس...
لكن علشان يتعلموا إزاي يبدأوا مبادرات شبهه.
وفي يوم...
دخل شاب في أوائل الثلاثينات، ماسك إيد بنته الصغيرة.
كانت البنت بتستخبى ورا ضهره بخجل.
استقبلتهم ليان بنفسها.
وسألته
أقدر أساعدك؟
ابتسم الشاب وقال
يمكن حضرتك مش فاكراني...
بصت له باستغراب.
قال
أنا الطفل اللي ليان أنقذته يوم الحفل... يوم المجسم الزجاج وقع.
اتسعت عيناها من الدهشة.
ابتسم وهو يكمل
يومها لو ما كانتش شدتني... كان زماني اتصبت إصابة كبيرة.
نزلت دموع ليان.
وقالت
أنا نفسي ما كنتش فاكرة إنك إنت.
ضحك وقال
أنا عمري ما نسيت.
وأشار لبنته الصغيرة.
جبتها النهارده
البنت قربت من ليان، ومدت لها وردة بيضا.
وقالت بخجل
دي ليكي.
حضنتها ليان، وابتسمت.
وفي نفس اللحظة...
بصت لصورة مراد المعلقة في بهو المؤسسة.
وهمست
شايف يا عمو مراد؟ الخير اللي بدأته لسه بيكبر.
خرج الأب وبنته من المؤسسة.
لكن قبل ما يمشوا...
وقفت البنت قدام اللافتة المعتادة.
وقرأت بصوت متقطع لأنها كانت لسه بتتعلم القراءة
أهلًا... بيك... هنا... مكانك.
ابتسم أبوها وقال
افتكري الجملة دي طول عمرك.
هزت رأسها.
ومسكت إيده.
ومشيوا...
بينما كانت ضحكات الأطفال تملأ المكان، وكأن رسالة مراد ما زالت تُكتب كل يوم... مع كل طفل يدخل من هذا الباب. بعد مرور خمسين سنة...
اتغيرت مدن...
واتبنت طرق جديدة...
وتطورت الشركة، وبقى ليها فروع بره مصر.
لكن كان فيه قرار واحد عمره ما اتغير.
كل موظف جديد...
كان لازم يقضي أول يوم ليه في بيت البدايات.
مش علشان يتدرب...
لكن علشان يفهم معنى الرسالة.
وفي صباح هادئ...
وقفت بنت صغيرة عند مدخل المؤسسة، ماسكة إيد جدتها.
كانت أول مرة تدخل المكان.
سألت ببراءة
هو مين مراد؟
ابتسمت الجدة، وأشارت إلى الصورة الكبيرة المعلقة على الحائط.
وقالت
راجل كان يقدر يعيش لنفسه... لكنه اختار يعيش للناس.
البنت قربت من الصورة.
وقالت
هو كان بطل؟
ردت الجدة
لأ يا حبيبتي... كان إنسان طيب.
وفي نفس الوقت...
كان مجلس إدارة الشركة مجتمع.
أعلن الرئيس الجديد قرارًا مفاجئًا.
قال
من السنة دي... نسبة من أرباح الشركة هتفضل تروح لمشروعات الأطفال والتعليم، زي ما أوصى المؤسس.
وقف كل الحاضرين يصفقون.
لأنهم كانوا عارفين...
إن الشركة كبرت بسبب التجارة.
لكن اسمها كبر بسبب الرحمة.
وفي نهاية
خرج آخر طفل من المؤسسة.
وقبل ما يقفل الحارس الباب...
وقف يبص للافتة القديمة.
كانت الألوان بهتت مع السنين.
لكن الكلمات كانت لسه واضحة
أهلًا بيك... هنا مكانك.
ابتسم الحارس.
وطفى الأنوار.
لكن في الحقيقة...
النور ما انطفاش.
لأن كل طفل خرج من المكان ده...
كان شايل جواه شعلة أمل، ينقلها لغيره.
وهكذا...
انتهت حكاية مراد...
لكن بدأت آلاف الحكايات الجديدة، لأطفال كبروا، ونجحوا، ورجعوا يساعدوا غيرهم، علشان تفضل دائرة الخير ماشية... جيل بعد جيل. النهاية الحقيقية النهاية
بعد سنوات...
وقف الجميع أمام تمثال بسيط عند مدخل مؤسسة بيت البدايات.
لم يكن التمثال لرجل يرتدي بدلة فاخرة...
بل لرجل يرتدي زي عامل توصيل، ويحمل صندوقًا صغيرًا.
تحت التمثال كانت لوحة منقوش عليها
هنا بدأ كل شيء... بكلمة، وبقرار، وبقلب اختار الرحمة.
وقفت ليان، وقد أصبحت سيدة ناجحة، وبجوارها أطفال المؤسسة وأحفادهم.
ثم قالت
الناس كلها فاكرة إن عم مراد كان غني لأنه كان ملياردير... لكن الحقيقة إنه كان أغنى واحد لأنه كان بيشوف قيمة الإنسان قبل أي حاجة.
وفي تلك اللحظة...
خرج طفل صغير من بين الحضور، ومد لليان سيارة لعبة صفراء.
وقال
دي هدية ليكي.
ابتسمت، وأخذتها بين يديها، ثم رفعتها أمام الجميع وهي تضحك والدموع في عينيها.
وقالت
من خمسين سنة... عربية صفرا شبه دي كانت بداية الحكاية.
ساد الصمت...
ثم بدأ الجميع يصفق.
ليس لمراد...
ولا لليان...
بل للفكرة التي جمعتهم.
أن الطفل الذي يشعر بالأمان اليوم...
قد يصبح غدًا طبيبًا، أو مهندسًا، أو معلمًا، أو إنسانًا يفتح باب أمل لغيره.
وقبل أن يغادر آخر الحاضرين...
وقف طفل جديد أمام باب المؤسسة.
كان خائفًا ومترددًا.
اقتربت منه
وقالت له
اتفضل يا بطل... من النهارده، المكان ده بيتك.
ابتسم الطفل...
ودخل بخطوات واثقة.
وأُغلق الباب خلفه...
لكن باب الأمل...
ظل مفتوحًا لكل من احتاجه.
تمت بحمد الله.