الملياردير

لمحة نيوز

فروع الشركة.
أكتر من مائتي طفل بقوا ييجوا كل يوم مع أمهاتهم وآبائهم، من غير ما أي موظف يقلق هيسيب ابنه مع مين.
وفي صباح هادئ...
كان مراد ماشي بين الفصول.
الأطفال أول ما شافوه جَروا عليه.
عمو مراد!
ضحك وشال طفل صغير، بينما ليان، اللي بقت عندها أربع سنين، جريت ماسكة رسمة في إيديها.
قالت بفخر
رسمتك.
فتح الورقة.
كان فيها راجل لابس كاب أحمر، واقف جنب عربية توصيل، وماسك إيد طفلة صغيرة.
ابتسم وقال
هو ده أنا؟
هزت رأسها.
أيوه... يوم ما جيت.
احتفظ بالرسمة في مكتبه بعد كده، وحطها في برواز صغير.
كل حد يدخل مكتبه كان يلاحظ إن أغلى حاجة على الحيطة مش شهادة ولا جائزة...
لكن رسمة طفلة.
وفي مساء نفس اليوم...
كان فيه احتفال بمرور عشر سنوات على تأسيس الشركة.
القاعة كانت مليانة مستثمرين ورجال أعمال.
وأثناء كلمته...
طلع الرسمة قدام الجميع.
وقال
كل الناس فاكرة إن أهم قرار خدته في حياتي كان تأسيس الشركة... لكن الحقيقة إن أهم قرار كان إني أتعلم ما أحكمش على الناس من مظهرهم، وما أسمحش لأي حد يحس إنه أقل من غيره.
ثم أضاف
احترام الإنسان... هو رأس المال الحقيقي.
وقف الحاضرون يصفقون طويلًا.
وفي آخر القاعة...
كانت إيمان واقفة، وليان جنبها، بيصفقوا هم كمان.
مراد ابتسم لهم...
وعرف إن أغلى استثمار عمله في حياته...
ما كانش في الشاحنات ولا المخازن.
كان في الناس.
النهاية بعد خمس سنوات...
كان مقر الشركة الرئيسي اتغير بالكامل.
مش في شكله...
لكن في روحه.
كل موظف جديد كان أول يوم ليه يحضر لقاء تعريفي مع مراد بنفسه.
وفي نهاية اللقاء...
كان دايمًا يحكي نفس القصة.
قصة طفلة صغيرة...
وعربية لعبة صفرا...
وجملة واحدة قدرت تغيّر قرارات شركة كاملة.
لكن من غير ما يذكر أسماء.
في يوم...
دخلت سكرتيرته وقالت
في آنسة برا عايزة تقابلك.
رفع رأسه وسأل
اسمها؟
ليان.
ابتسم.
دخليها.
دخلت ليان، لكن المرة دي ما كانتش الطفلة
الصغيرة.
كانت بنت في التاسعة من عمرها، لابسة الزي المدرسي، وشايلة حقيبة على ضهرها.
أول ما شافته قالت وهي بتضحك
فاكرني؟
ضحك مراد وقال
هو ينفع أنسى صاحبة العربية الصفرا؟
مدت له شهادة.
وقالت بفخر
طلعت الأولى على المدرسة.
قرأ الشهادة، وبعدين فتح درج مكتبه.
طلع منه الرسمة القديمة...
اللي كانت راسمها وهي عندها أربع سنين.
حط الرسمة جنب الشهادة.
وقال
دي أول هدية منك... ودي تاني هدية.
ضحكت ليان.
وقالت
أنا لما أكبر... هبقى مهندسة وأبني حضانات أحسن.
رد مراد
وأنا أول واحد هيدعم حلمك.
كانت إيمان واقفة عند الباب، والدموع في عينيها.
وقالت
حضرتك غيرت حياتنا.
ابتسم مراد وقال
أنا ما غيرتش حياة حد... كل اللي عملته إني فتحت باب، وإنتوا دخلتوا منه بتعبكم واجتهادكم.
خرجت ليان من المكتب وهي ماسكة إيد أمها.
وقبل ما تركب العربية...
لفت وبصت للمبنى الكبير.
وقالت
ماما... ده المكان اللي حسيت فيه لأول مرة إني ليا مكان.
ابتسمت إيمان، وربتت على كتف بنتها.
أما مراد...
فكان واقف من شباك مكتبه، يشوفهم وهم ماشيين.
وابتسم في هدوء.
لأنه عرف أن أجمل نجاح في الدنيا...
هو إنك تسيب في حياة الناس أثرًا طيبًا... يفضل عايش حتى بعد سنين بعد خمسة عشر عامًا...
كان مبنى شركة النيل للشحن والخدمات اللوجستية بيحتفل باليوبيل الفضي لتأسيسه.
الموظفين القدامى كانوا واقفين يحكوا ذكرياتهم.
وفي الصفوف الأولى...
كان فيه كرسي فاضي عليه لافتة صغيرة مكتوب عليها
ضيف الشرف.
بدأ الحضور يتساءل
مين الضيف؟
في اللحظة دي...
دخلت شابة في مقتبل العشرينات.
لابسة بدلة مهندسة بسيطة، وفي إيديها ملف كبير.
أول ما مراد شافها...
ابتسم من غير ما يسأل.
قال
أهلاً يا ليان.
ابتسمت وقالت
وحشتني يا عمو مراد.
صفق الجميع.
مراد طلع على المسرح وقال
النهارده مش أنا اللي هتكلم... النهارده فيه حد قصته تستحق تتسمع.
ناولها الميكروفون.
وقفت ليان، وكانت
إيدها بترتعش من التوتر.
بصت للحضور وقالت
وأنا عندي ثلاث سنين... كنت فاكرة إن الناس الكبيرة كلها مخيفة.
ضحك البعض.
وكملت بابتسامة
لكن راجل لابس زي عامل توصيل علمني إن قيمة الإنسان مش في هدومه... ولا في منصبه... لكن في قلبه.
سكتت لحظة...
ثم رفعت الملف اللي في إيديها.
أنا النهارده مهندسة معمارية... وأول مشروع صممته هو أكبر مركز لرعاية أطفال العاملين في مصر.
دوى التصفيق في القاعة.
مراد نزل من على المسرح، وسلم عليها.
وقال
أنا وعدتك زمان إني هدعم حلمك.
ردت وهي تبتسم
وأنا جيت أوفي بوعدي.
وفي نهاية الحفل...
اتجمع كل العاملين القدامى والجدد لالتقاط صورة تذكارية.
قبل ما المصور يضغط الزر...
قال مراد
استنوا.
لف ناحية ليان، وسلمها مفتاحًا ذهبيًا صغيرًا.
استغربت وقالت
ده مفتاح إيه؟
ابتسم وقال
مفتاح المبنى الجديد لمؤسسة بيت البدايات... من النهارده إنتِ المديرة التنفيذية للمؤسسة.
دموع ليان نزلت.
أما إيمان...
فكانت واقفة في آخر القاعة، تفتكر اليوم اللي دخلت فيه الفيلا وهي خايفة على شغلها.
ماكنتش تتخيل...
إن بنتها اللي خافت عليها من كلمة قاسية...
هتبقى بعد سنين سببًا في رسم الابتسامة على وجوه آلاف الأطفال.
رفع المصور الكاميرا وقال
واحد... اتنين... تلاتة...
اتصورت الصورة.
صورة ما كانتش بتجمع رجل أعمال وموظفين فقط...
كانت بتجمع ناس آمنوا إن كلمة طيبة...
ممكن تغيّر عمرًا كاملًا.
تمت بحمد الله بعد عشرين سنة...
كان مراد شعره بدأ يشيب.
لكن ابتسامته...
لسه زي ما هي.
في صباح يوم هادئ...
وقف قدام المبنى الجديد لمؤسسة بيت البدايات.
المبنى كان أكبر بكتير من أول حضانة بدأوا بيها.
بقى فيه مكتبة...
وقاعات تعليم...
وعيادة مجانية...
وملاعب للأطفال.
وصلت أتوبيسات صغيرة نزل منها عشرات الأطفال.
وكان أول واحد يجري ناحية مراد...
ولد صغير عمره خمس سنين.
وقال
جدو مراد!
ضحك مراد وشاله.
وسأل
اسمك إيه
يا بطل؟
رد الطفل
كريم.
وفي اللحظة دي...
خرجت ليان من المبنى.
بقت سيدة ناجحة، وكل العاملين بينادوها
المهندسة ليان.
ابتسمت وقالت
سميت ابني كريم.
ضحك مراد وقال
على اسم عامل التوصيل؟
هزت رأسها وهي تضحك.
على اسم الراجل اللي علمني إن الإنسان ممكن يغير حياة غيره من غير ما يعرف.
ابتسم مراد، لكن عينيه دمعت.
دخلوا كلهم المبنى.
وكان فيه حفل صغير.
وقف طفل من الأطفال على المسرح وقال
إحنا سمعنا إن المؤسسة دي بدأت بسبب طفلة صغيرة.
ابتسمت ليان وقالت
أيوه... وكانت الطفلة دي أنا.
الأطفال بصوا لها بانبهار.
فسألتهم
تعرفوا إيه اللي غير حياتي؟
كل واحد قال إجابة.
واحد قال
الفلوس.
والتاني قال
الشركة.
والثالث قال
الحظ.
ابتسمت وهزت رأسها.
وقالت
لأ... اللي غير حياتي كلمة.
سكتت لحظة...
ثم أكملت
لما حد قالي إنتِ ليكي مكان.
في اللحظة دي...
بص مراد لكل الأطفال اللي بيضحكوا ويلعبوا.
وافتكر اليوم اللي وقف فيه قدام باب الفيلا، لابس زي عامل توصيل، وهو فاكر إنه رايح يراجع تجهيزات حفلة.
ماكانش يعرف...
إن اليوم ده هيكون بداية حكاية هتغير حياة آلاف الأطفال.
ابتسم في هدوء...
وقال لنفسه
الحمد لله... الخير لما يبدأ من القلب، عمره ما بيقف عند شخص واحد.
وهكذا انتهت الحكاية... لكن أثرها فضل يعيش في قلوب كل اللي عرفوها بعد ثلاثين سنة...
كان اسم بيت البدايات بقى معروف في كل محافظات مصر.
المؤسسة بقت تضم عشرات الحضانات، ومراكز تعليم، ومنح دراسية للأطفال المحتاجين.
وفي يوم الاحتفال بمرور ثلاثين سنة على تأسيسها...
كان فيه معرض صور كبير.
كل صورة بتحكي حكاية طفل اتغيرت حياته.
لكن أكبر صورة في القاعة...
ما كانتش لمراد.
ولا لليان.
كانت لطفلة صغيرة، شعرها مربوط ديلين، وماسكة عربية لعبة صفرا.
وقف شاب صغير قدام الصورة وسأل
مين البنت دي؟
ابتسمت ليان، اللي بقى شعرها فيه خصلات بيضا، وقالت
دي أول بنت اتعلمت إن مكانها
محفوظ... مهما كانت ظروفها.
وفي اللحظة دي...
دخل مراد، مستندًا على عصاه.
أول ما شافه الموظفون، وقفوا كلهم احترامًا.
لكن مراد أشار لهم يقعدوا.
وقال مبتسمًا
الاحترام الحقيقي مش ليا... الاحترام لكل واحد اشتغل هنا بإخلاص.
بعد انتهاء
تم نسخ الرابط