لمعاقبة صبى متشرد
المحتويات
أو تمرًا.
ومن احتاج
أخذ منها في صمت، دون أن يراه أحد أو يحرجه.
وكان الأطفال يسألون آباءهم
من الذي بدأ هذه العادة؟
فيجيبون
طفل جائع وفيل رحيم.
ومع مرور الزمن
تحولت دار الأيتام إلى مدرسة.
ثم إلى مكتبة.
ثم إلى مكان يتعلم فيه أبناء الفقراء القراءة والكتابة والحِرف.
وأصبح من بين طلابها
قضاة
وأطباء
ومعلمون
وقادة عرفوا بالعدل.
وكان على مدخل المدرسة نقش بسيط يقول
إذا شبعت وحدك فلن يدوم شبعك. وإذا أطعمت غيرك شبعت مدينة كاملة.
وهكذا
لم يكن أثر ذلك اليوم في إنقاذ طفل واحد فقط
بل في تغيير مصير أجيال كاملة.
وكلما مرّ مسافر بتلك المدينة وسأل
ما سرّ هذا التماسك بين أهلها؟
كانوا يبتسمون ويجيبون
لأننا ورثنا قصةً علّمتنا أن الرحمة ليست ضعفًا بل أقوى من أي سلاح.
وانتهت حياة أبطال الحكاية
لكن رسالتهم بقيت
تُروى على ألسنة الآباء للأبناء
جيلًا بعد جيل وبعد مئة عام
لم يبقَ أحد ممن شهد ذلك اليوم حيًّا.
لكن في إحدى الليالي
وصل إلى المدينة فتى صغير يبحث في سجلاتها القديمة.
كان يتعلم التاريخ، وأراد أن يعرف إن كانت قصة الفيل حقيقة أم مجرد أسطورة.
قادوه إلى أمين المكتبة العجوز.
أخرج الرجل لفافة جلدية قديمة، وقال
اقرأ بنفسك.
فتح الفتى اللفافة
فوجد فيها قرارًا رسميًا مختومًا بخاتم الوالي.
وجاء فيه
يُمنع الحكم بالموت على من ثبت أن دافعه الجوع أو الحاجة، ويُؤمر بإطعامه والتحقيق في حاله.
ارتجفت يد الفتى.
وقال بدهشة
إذن القصة كانت حقيقية!
ابتسم أمين المكتبة وقال
ربما تغيرت بعض التفاصيل مع مرور الزمن لكن هذا القرار موجود، وهذا يكفي لنعرف أن الرحمة صنعت تاريخًا.
خرج الفتى من المكتبة
واتجه إلى الميدان القديم.
جلس تحت الشجرة التي قيل إن الفيل كان يستريح تحتها.
وأغمض عينيه.
وتخيل الساحة كما كانت
الرمال
الجنود
الوالي
والطفل الصغير.
ثم ابتسم وقال
لو لم يرفض الفيل ذلك اليوم لما تغيرت حياة مدينة كاملة.
وقبل أن يغادر
وضع
وبجانبه ورقة صغيرة كتب عليها
إذا كنت جائعًا فهذا الرغيف لك، ولا تخجل.
في صباح اليوم التالي
اختفى الرغيف.
لكن الورقة بقيت.
وأضاف شخص آخر تحتها عبارة جديدة
وإذا شبعت فاترك رغيفًا لغيرك.
ومنذ ذلك اليوم
تحول ذلك المقعد إلى مكان يضع فيه الناس الطعام للمحتاجين.
لا أحد يعرف من بدأ
ولا أحد يسأل من يأخذ.
فالخير
حين يبدأ بصدق
لا يحتاج إلى أسماء.
وهكذا بقيت الحكاية حيّة، ليس في الكتب فقط بل في أفعال الناس كل يوم وفي أحد الأعوام
زار المدينة قاضٍ مشهور من بلاد بعيدة.
سمع أن أهلها لا يكادون يعرفون جرائم السرقة.
فقال متعجبًا
أيُعقل أن تكون مدينة بلا لصوص؟
ابتسم كبير الحكماء وقال
بل عندنا قانونٌ واحد قبل كل القوانين.
سأله القاضي
وما هو؟
قال
إذا وُجد سارق فاسأل أولًا هل جاع؟ وهل وجد من يمد له يدًا؟
طلب القاضي أن يرى مخازن الطعام.
فدخلها
ورأى أن أبوابها لا تُغلق إلا ليلًا.
وسأل
ألا تخافون أن يأخذ الناس أكثر مما يحتاجون؟
فرد أحد الشيوخ مبتسمًا
من يشعر أن المجتمع لم يتركه وحيدًا لا يطمع في حق غيره.
ظل القاضي أيامًا يتجول في المدينة.
ثم كتب في سجل رحلاته
رأيت مدنًا كثيرة تبني السجون قبل أن تبني المدارس
أما هذه المدينة
فبنت الرحمة أولًا
فقلّت الحاجة إلى السجون.
وعندما همَّ بالرحيل
مرّ بجوار المقعد الحجري الذي كان الناس يضعون عليه الخبز.
فوجد طفلًا صغيرًا يأخذ رغيفًا
ثم يضع مكانه زهرة برية.
ابتسم القاضي وسأله
ولماذا وضعت الزهرة؟
قال الطفل
لأنني لا أملك شيئًا أرد به الجميل اليوم
لكنني أردت أن يعرف صاحب الرغيف أن دعاءه وصل.
ابتسم القاضي، ومسح على رأسه، ثم قال
ما دام أطفال هذه المدينة يفكرون بهذه الطريقة
فلن تموت الحكاية أبدًا.
ومضى في طريقه
بينما بقيت الزهرة فوق المقعد
لتخبر كل عابر
أن الرحمة التي بدأت بطفل جائع
أزهرت في قلوب أمة كاملة وبعد أعوام قليلة
قرر أهل المدينة أن
لم يكن عيدًا تُرفع فيه الرايات
ولا تُقام فيه المواكب.
بل كان يومًا يخرج فيه كل من يملك شيئًا
ليمنحه لمن يحتاج.
الغني يحمل أكياس القمح.
والخباز يوزع الأرغفة الساخنة.
والنجار يصلح أبواب الفقراء مجانًا.
والطبيب يداوي المرضى دون أجر.
وكان الأطفال يطوفون في الأزقة وهم يرددون
لا ينام جائع بيننا.
وفي صباح أحد تلك الأعياد
جاء رجل غريب إلى المدينة.
كان ثريًا، لكنه متكبر.
نظر إلى ما يفعله الناس وسخر منهم.
وقال
أنتم توزعون أموالكم بلا حساب سيأتي يوم تصبحون فيه فقراء جميعًا.
ابتسم شيخ المدينة وقال
تعال معي.
أخذه إلى مخازن الغلال
فوجدها ممتلئة.
ثم أخذه إلى السوق
فوجده مزدهرًا.
ثم مرّ به على دار الأيتام
فرأى الأطفال يتعلمون ويضحكون.
فقال الشيخ
حين يشبع الفقير يعمل.
وحين يعمل يعمر المدينة.
وحين تعمر المدينة يربح الجميع.
ظل الرجل صامتًا.
ولم يجد ما يرد به.
وقبل أن يغادر
أخرج كيسًا من النقود ووضعه في صندوق دار الأيتام.
ثم قال
جئت أظن أنكم تخسرون بالعطاء
فاكتشفت أنكم تربحون ما لا يُشترى بالمال.
ومنذ ذلك اليوم
لم تعد قصة الطفل الجائع تُروى باعتبارها قصة نجاة فقط
بل أصبحت بداية نهضة مدينة كاملة
مدينة فهم أهلها أن الرحمة لا تُنقص الرزق
بل تباركه ومرت السنوات
وأصبحت المدينة مقصدًا لكل من ضاقت به الدنيا.
لم يكن القادمون يسألون
أين القصر؟
ولا
أين السوق؟
كان أول سؤال يرددونه
أين المدينة التي لا ينام فيها جائع؟
وفي أحد الأيام
وصلت قافلة كبيرة تحمل عشرات العائلات الهاربة من الجفاف.
كانوا متعبين
وعطشى
ولا يملكون سوى ما يرتدونه.
اجتمع أهل المدينة سريعًا.
ولم ينتظروا أمرًا من حاكم
ولا اجتماعًا لمجلس.
فتح كل بيت بابه.
أسكنت كل أسرة عائلةً من الغرباء.
وتقاسم الجميع الطعام والماء.
وبعد أشهر
استعادت تلك العائلات قوتها.
وبدأ الرجال يعملون في الزراعة والتجارة.
والنساء في الخياطة
والشباب في بناء البيوت والطرق.
فتحولت المدينة إلى واحدة من أكثر المدن ازدهارًا في المنطقة.
وقف الحاكم يومًا يخاطب الناس وقال
لقد ظننت يومًا أن الخوف هو الذي يحفظ المدن.
لكنني تعلمت أن الرحمة هي التي تبنيها.
فصفق الناس طويلًا.
وفي نهاية الاحتفال
تقدم طفل صغير، لم يكن يعرف شيئًا عن قصة الفيل إلا مما سمعه من جده.
وسأل بصوت بريء
لو عاد ذلك الفيل اليوم ماذا سنفعل؟
ابتسم الجميع.
وأجاب أحد الشيوخ
لن يحتاج إلى أن ينقذ أحدًا.
لأننا تعلمنا الدرس قبل أن يصل.
عندها
رفع الأطفال أرغفة الخبز التي كانوا يحملونها، ووزعوها على كل محتاج في الساحة.
ونظر الشيوخ إلى بعضهم وهم يبتسمون.
فقد أدركوا
أن القصة لم تعد تعيش في الكتب
ولا في التماثيل
بل في قلوب جيل جديد، اختار أن يجعل الرحمة عادةً لا استثناء.
وهكذا
لم يعد الناس يتذكرون ذلك اليوم لأنه يوم نجا فيه طفل
بل لأنه اليوم الذي وُلدت فيه مدينةٌ جديدة مدينةٌ كان قانونها الأول
إذا رأيت جائعًا فأطعمه قبل أن تحكم عليه.
تمت الحكاية لكن
كان هناك سرٌّ لم يعرفه أهل المدينة طوال تلك السنين.
ففي الليلة التي سبقت وفاة مروّض الفيل
استدعى أبناءه، وقال لهم
هناك حقيقة لم أخبر بها أحد.
اقتربوا منه في صمت.
فقال
في صباح يوم العقاب لم يكن الفيل مريضًا، ولم يعصِ أمري.
بل عندما اقترب من الطفل شمَّ رائحةً يعرفها.
تعجب أبناؤه وسألوه
أي رائحة؟
تنهد الشيخ وقال
رائحة الزيت العشبي الذي كنت أضعه على صغار الفيلة عندما كانت تُولد.
ثم أغمض عينيه قليلًا، وأكمل
قبل سنوات كنت أمرُّ بإحدى القرى، فرأيت امرأة فقيرة تساعد في علاج فيل صغير جريح، وكانت تحمل معها طفلها الرضيع.
كانت تطعم الفيل من طعامها القليل، وتسهر عليه حتى تعافى.
ذلك الرضيع كان هو الطفل الذي وقف في ساحة العقاب.
ساد الصمت.
وأضاف بصوت متعب
الفيل لم ينسَ من أنقذه وهو صغير.
والحيوانات قد تنسى الأذى أحيانًا، لكنها
انتشرت هذه الرواية بعد وفاته.
ولم يعرف أحد إن كانت صحيحة تمامًا أم لا.
لكنها جعلت الناس يؤمنون بشيء واحد
أن المعروف لا يضيع.
قد يغيب سنوات
وقد يعود في لحظة لا يتوقعها أحد
ليُنقذ حياة إنسان.
ومنذ ذلك
متابعة القراءة