بدئو يضحكو

لمحة نيوز

بدأوا يضحكوا أول ما بنتي طلعت على مسرح حفل التخرج وهي شايلة مولودة صغيرة بين إيديها. واحدة كانت قاعدة ورايا قالت بصوت عالي
زي أمها بالظبط...
بس اللي بنتي قالته بعدها خلّى القاعة كلها تسكت.
كنت قاعدة في الصف التالت، وإيديا بتترعش من التوتر.
القاعة كانت مليانة ورد، وأغاني التخرج شغالة، وكل أب وأم مستنيين اللحظة اللي يشوفوا فيها ولادهم وهم بيستلموا الشهادة.
أنا كنت لابسة فستان بسيط، وشعري فيه خصل بيضا ظهرت قبل أوانها بسنين.
مش من العمر...
من التعب.
تعب سنين وأنا بربي بنتي لوحدي بعد وفاة أبوها وهي لسه طفلة صغيرة.
مكنش عندي غيرها.
كبرت قدام عيني، وكانت دايمًا متفوقة، هادية، وعمرها ما سببتلي مشكلة.
ولما خلصت الجامعة واتجوزت جونا، فرحت بيها من كل قلبي.
افتكرت إنها أخيرًا هتعيش الحياة اللي كنت بحلم بيها.
في البداية، جونا كان بيعاملها باحترام، وكان بييجي يقعد معانا ويضحك، ويأكدلي إنه هيحافظ عليها.
لكن بعد الجواز بكام شهر، كل حاجة بدأت تتغير.
بنتي بقت ترجع البيت عندي وهي ساكتة.
كل ما أسألها مالك؟
تبتسم وتقول
مفيش يا ماما... شوية ضغط.
كنت مصدقاها.
أو يمكن كنت بكذب على نفسي.
لحد ما في يوم خبطت على باب بيتي بعد نص الليل.
فتحت الباب.
لقيتها واقفة قدامي.
وشها شاحب، وعينيها حمرا من العياط.
حضنتها من غير ما أسأل.
فضلت تبكي وقت طويل.
ولما هديت، قالتلي بصوت مكسور
ماما... لو حكيتلك الحقيقة... هتفضلي واقفة جنبي؟
مسكت إيديها وقلت
أنا أمك... حتى لو الدنيا كلها سابتك، أنا مستحيل أسيبك.
نزلت دموعها أكتر.
وقالت
أنا وجونا اتجوزنا بعقد شرعي، وكل حاجة كانت قانونية، لكن أهله أصروا يخفوا الجواز عن الناس فترة بحجة ظروف الشغل والميراث، وأنا وافقت علشان أحافظ على بيتنا.
سكتت لحظة، وكملت
ولما عرفت إني حامل، كنت فاكرة إن كل حاجة هتتصلح... لكنه بدأ يتغير، وبقى يسمع كلام أهله أكتر مني.
كنت بسمعها وقلبي بيتقطع.
قالت وهي بتمسح دموعها
ولدت بنتي

من أسبوعين... ومن يومها وأنا بحاول أحافظ على بيتي وعلى حق بنتي، لكن في حاجة كبيرة مستخبية عني... وحاسة إنها هتقلب حياتنا كلنا.
وقبل ما أسألها أي سؤال...
طلعت ظرف أزرق من شنطتها.
حطته قدامي على الترابيزة.
وقالت
الظرف ده وصلني بعد الولادة بيومين... ومن ساعتها وأنا مش عارفة أفتحه.
وسكتت...
ثم همست
لأني حاسة إن أول ما هفتحه... حياتنا عمرها ما هترجع زي الأول بصيت للظرف، وكان مقفول بالشمع الأحمر، ومكتوب عليه بخط واضح
يُفتح فقط إذا قررتِ تدافعي عن الحقيقة مهما كان الثمن.
رفعت عيني أبص لأديانا.
قلت لها
فتحتيه؟
هزت راسها بالنفي.
كل مرة أحاول... أحس إن في حاجة بتمنعني.
مديت إيدي، لكن رجعتها بسرعة.
قلت
طالما الظرف باسمك، القرار قرارك.
فضلت باصة له ثواني طويلة.
وفجأة قطعت الشمع.
فتحت الظرف ببطء.
كان جواه خطاب واحد... وصورة.
أديانا مسكت الصورة الأول.
وأول ما شافتها، اتغير لون وشها.
همست
إزاي؟!
قربت منها.
في إيه؟
ناولتهالي.
بصيت فيها.
كانت صورة لجونا...
واقف جنب راجل كبير في السن، ووراهم خزنة حديدية، وكل واحد فيهم ماسك مستندات.
وفي ضهر الصورة مكتوب
الحقيقة كلها في الخزنة رقم 214.
لسه مستوعبناش المكتوب...
لما أديانا فتحت الخطاب.
بدأت تقرأ بصوت منخفض
إذا وصل إليك هذا الخطاب، فاعلمي أن هناك من يحاول إخفاء مستندات تثبت حقك وحق ابنتك، وأن أقرب الناس إليك لا يعرف الحقيقة كاملة...
وقفت فجأة.
قلت بقلق
كملي.
ابتلعت ريقها وكملت
...ولا تثقي في أي شخص يطلب منك التنازل عن أي ورقة قبل فتح الخزنة.
بصيت لها باستغراب.
حد طلب منك تتنازلي؟
نزلت راسها.
وقالت
أيوه.
قلبي اتقبض.
مين؟
سكتت لحظة...
ثم قالت
أهل جونا.
اتصدمت.
كملت وهي بتحاول تمسك دموعها
قالولي إن في شقة باسم جونا، ولازم أمضي على كام ورقة علشان يخلصوا الإجراءات، وقالوا دي مجرد إجراءات عادية.
وأنتِ مضيتي؟
هزت راسها بسرعة.
لا... لأني خفت، وقلت أستنى.
في اللحظة دي، رن موبايلها.
بصت
للشاشة.
اتجمدت.
كان المتصل...
جونا.
ردت عليه، وفتحت السماعة.
أول كلمة قالها كانت
أديانا... أوعي تروحي للخزنة... في ناس مستنياكي هناك.
ثم سكت لحظة...
وقال بصوت مليان خوف
ولو بتحبيني يوم في حياتك... اسمعي كلامي المرة دي.
ثم قفل الخط.
فضلت أديانا باصة للموبايل في ذهول.
وقالت بهمس
دي أول مرة... أسمعه خايف بالشكل ده بصيت لها وقلت
الخوف اللي في صوته مش طبيعي... لكن ده ما يمنعش إننا لازم نعرف الحقيقة.
أديانا قعدت على الكنبة وهي حاضنة بنتها الصغيرة.
قالت بصوت مكسور
أنا تعبت يا ماما... كل يوم سر جديد، وكل يوم حد يحذرني من حاجة.
ربتُّ على كتفها.
الحق عمره ما يضيع، بس لازم نمشي بعقل.
في اللحظة دي، خبط الباب.
أنا وأديانا بصينا لبعض.
الساعة كانت داخلة على اتناشر بالليل.
مين هييجي في الوقت ده؟
قربت من الباب وسألت
مين؟
جالي صوت راجل كبير في السن
أنا محمود... جار جونا.
فتحت الباب بحذر.
دخل راجل في أواخر الستينات، ملامحه مرهقة، وماسك ظرف بني قديم.
قال وهو بيبص لأديانا
أنا كنت بدور عليكي من يومين.
استغربت أديانا.
حضرتك تعرفني؟
هز راسه.
أعرف جوزك من وهو طفل، وأبوه كان صاحبي.
مد لها الظرف.
ده أمانة... اتطلب مني أسلمهولك لو حسيت إن الأمور خرجت عن السيطرة.
أديانا أخدته وهي مستغربة.
فتحت الظرف.
كان جواه عقد زواجها الأصلي، مختوم بختم المأذون، ومعاه شهادة ميلاد بنتها، وصورة من عقد شقة باسمها هي، مش باسم جونا.
شهقت.
الشقة باسمي؟!
الراجل قال
أيوه... جوزك كتبها باسمك بعد الجواز مباشرة.
أنا بصيت لها باستغراب.
طيب ليه ما قالكيش؟
الراجل تنهد وقال
لأنه كان خايف من طمع بعض أفراد عيلته.
وقبل ما يكمل...
رن جرس الباب مرة تانية.
المرة دي كان الرنين متواصل وعنيف.
الراجل الكبير اتوتر.
وقال بسرعة
متفتحوش.
لكن قبل ما نرد...
سمعنا صوت مفتاح بيلف في كالون الباب.
أنا وأديانا اتصدمنا.
في حد معاه نسخة من مفتاح الشقة اتراجعنا كلنا خطوة لورا.
وأديانا
ضمت بنتها لصدرها وهي بتبص ناحية الباب.
المفتاح لف مرة...
واتنين...
لكن الباب ما اتفتحش.
واضح إني كنت قافلة المزلاج الداخلي قبل ما نقعد.
سمعنا صوت راجل من بره بيقول بهدوء
افتحوا... أنا مش جاي أؤذي حد.
الراجل الكبير، محمود، بصلي وقال
متفتحيش.
لكن الصوت رجع تاني
أنا معايا إثبات إن في حد بيزور مستندات تخص أديانا.
أديانا همست
أعرف الصوت ده...
قربت من العين السحرية، وبصت.
رجعت بسرعة وهي متفاجئة.
ده محامي.
قلت باستغراب
محامي؟
هزت راسها.
شافني مرة في المحكمة وأنا بطلع شهادة ميلاد البنت.
فتحت الباب بحذر، والسلسلة لسه راكبة.
الراجل طلع كارنيه المحاماة وقال
أنا الأستاذ حسام.
ثم مد ظرفًا من فتحة الباب.
دي صورة من إنذار قانوني كان هيتم إعلانه بكرة الصبح.
أديانا فتحت الظرف.
قرت أول سطر، واتغيرت ملامحها.
في دعوى مرفوعة ببطلان بعض التصرفات الخاصة بأملاك العيلة... وفيها اسمي.
أنا اتوترت.
يعني إيه؟
المحامي رد
في ناس بتحاول تسبق الأحداث وتفرض أمر واقع، لكن طالما المستندات الأصلية موجودة، مفيش حد يقدر يضيع حقكم.
محمود تنفس الصعداء.
وقال
كنت خايف نوصل متأخر.
أديانا رفعت عينيها للمحامي.
مين اللي وكلك؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
شخص طلب مني أحافظ على حقوقك، وقال إن اليوم ده هييجي.
مين هو؟
سكت لحظة، ثم قال
للأسف مقدرش أقول اسمه دلوقتي... لأنه طلب السرية لحين انتهاء الإجراءات.
وقبل ما حد يسأله تاني...
رن موبايل أديانا.
المرة دي كان جونا.
ردت عليه بسرعة.
جاله صوته وهو بينهج
أديانا... اسمعيني كويس... أنا في الطريق ليكم.
إنت فين؟
مش مهم... المهم متتحركوش من البيت.
ليه؟
سكت ثانية، ثم قال
لأن في حد عرف إن المستندات بقت عندكم... وهو رايح لكم دلوقتي.
في نفس اللحظة...
سمعنا صوت أسانسير العمارة وقف في الدور.
وبعدها...
صوت خطوات تقيلة بتقرب من باب الشقة.
حد وقف قدام الباب...
ثم خبط ثلاث خبطات قوية متتالية الخبط كان قوي لدرجة إن إزاز النيش اهتز.

كل اللي في الشقة سكت.
أديانا ضمت بنتها أكتر، وأنا وقفت قدامها بشكل تلقائي.
المحامي بص ناحية الباب وقال بصوت واطي
محدش يفتح.
بعد ثواني، سمعنا صوت راجل من بره
أنا مأمور تنفيذ... معايا إعلان قضائي.
المحامي اتنهد وقال
الإعلان
تم نسخ الرابط