كان جوزي
شخصًا أعرفه جيدًا.
شخص لم أتوقع أبدًا أن يكون جزءًا من كل هذا فضلت باصة في المراية أحاول أميز الشخص اللي في العربية اللي ورا.
لكن المسافة كانت بعيدة، والزجاج مظلم.
قلت بصوت منخفض
مين اللي وراينا؟
ياسر شد على الدركسيون وقال
حد كان لازم يفضل بعيد عن الموضوع.
كريم كان ساكت طول الطريق.
سكوته كان مخوفني أكتر من أي إجابة.
التفت له وقلت
إنت كنت عارف إن ده هيحصل؟
بص للأرض وقال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
الجملة وقعت عليّ كأنها حجر.
يعني كل ده كان متخطط؟
قبل ما يرد، رن هاتف ياسر.
بص للشاشة، وما ردش.
بعدها بثواني وصلت رسالة.
قرأها، واتغير لون وجهه.
قلت
في إيه؟
ناولني الهاتف.
كانت الرسالة من رقم مجهول
أنتوا خرجتوا من المكان... لكن الملف ما خرجش.
رفعت عيني باستغراب.
يعني إيه؟
ياسر قال
يعني حد خد الجزء الأهم.
كريم فجأة قال
الظرف.
سكتنا كلنا.
بصيت له.
أي ظرف؟
قال
الظرف اللي اديتهولك قبل ما نركب.
وضعت يدي بسرعة على حقيبتي.
كان الظرف موجودًا.
لكن...
كان مفتوحًا.
تجمدت.
أنا متأكدة إني ما فتحتهوش.
كريم أخذه مني بحذر.
نظر داخله.
ثم أخرج ورقة صغيرة.
كانت فارغة.
إلا من جملة واحدة مكتوبة
كنت متأكد إنك هتوصل لها.
نظر كريم إلى ياسر.
لأول مرة رأيت بينهم غضبًا حقيقيًا.
قال كريم
إنت كنت عارف؟
رد ياسر
لا.
ثم نظر للورقة.
لكن واضح إن في حد كان سابقنا بخطوات.
سكتنا جميعًا.
وفجأة، اهتز هاتفي.
رسالة جديدة وصلت.
من نفس الرقم المجهول.
فتحتها.
كانت صورة.
صورة لكريم...
وهو أصغر سنًا.
واقف أمام مبنى قديم.
وبجانبه شخص آخر.
لكن المفاجأة لم تكن الصورة.
المفاجأة كانت الجملة المكتوبة تحتها
اسألي كريم عن اليوم الذي اختفى فيه أخوك.
رفعت رأسي ببطء.
نظرت لكريم.
لأنني طوال حياتي...
لم يكن لدي أخ يختفي.
لكن كريم كان ينظر إليّ وكأنه يعرف شيئًا عن حياتي أنا لا أعرفه.
يتبع...فضلت باصة لكريم وأنا مش قادرة أنطق.
أخويا؟
الكلمة خرجت مني بصعوبة.
أنا معنديش أخ اختفى.
كريم ما ردش.
وده كان أسوأ رد ممكن.
قربت منه وقلت
إنت تعرف حاجة عن عيلتي؟
أخذ نفسًا طويلًا.
وقال
في حاجات اتقالتلك طول عمرك... لكنها مش كاملة.
ياسر قاطعه
كفاية تأجيل.
بص له كريم بغضب
مش بالطريقة دي.
لكن ياسر أشار للصورة في إيدي.
هي لازم تعرف.
فتحت الصورة تاني.
الشخص اللي واقف جنب كريم كان شاب في نفس عمره تقريبًا.
ملامحه كانت مش واضحة، لكن فيه شيء في وقفته خلاني أحس إني شفته قبل كده.
قلت
مين ده؟
كريم ظل صامتًا لحظات.
ثم قال
اسمه مازن.
توقفت.
الاسم مر في ذاكرتي
مازن؟
كررته بصوت منخفض.
كريم لاحظ رد فعلي.
إنتِ فاكرة الاسم؟
هزيت رأسي.
مش عارفة... بس حاسة إني سمعته قبل كده.
في اللحظة دي، وصلنا لمكان هادئ.
ياسر وقف العربية وقال
لازم نفهم قبل ما نتحرك.
أخرج ملفًا صغيرًا من حقيبته.
فتح أول صفحة.
كانت صورة لشخصين طفلين.
طفلين واقفين قدام بيت قديم.
وأشار للطفلة.
قال
دي إنتِ.
نظرت للصورة بصدمة.
ثم أشار للطفل الآخر.
وقال
وده مازن.
يدي بدأت ترتجف.
بس... دي مستحيل تكون صورتي.
كريم نظر إليّ وقال بهدوء
لأن في جزء من طفولتك محدش حكاهولك.
قبل ما أكمل سؤال...
رن هاتف ياسر.
نظر للشاشة.
ثم أغلقه فورًا.
سألته
مين؟
قال
الشخص اللي كان لازم يفضل بعيد.
وفي نفس اللحظة، وصلتنا رسالة جديدة.
لكن هذه المرة...
لم تكن على هاتفي.
كانت على هاتف كريم.
فتحها ببطء.
وكانت جملة واحدة
لو فتحت لها الملف... هتعرف إنك كنت السبب في اختفاء مازن.
ساد الصمت.
ونظرت إلى كريم.
لأول مرة...
شعرت أن السر الأكبر لم يكن في الملف.
بل فيه هو ظل كريم ينظر للشاشة كأنه رأى شيئًا كان يخشاه منذ سنوات.
مددت يدي وأخذت الهاتف منه.
قرأنا الرسالة مرة أخرى.
هتعرف إنك كنت السبب في اختفاء مازن.
رفعت عيني له.
قولي الحقيقة يا كريم.
ظل ساكتًا.
ثم قال
أنا ما كنتش السبب في اختفائه... لكن كنت موجود يومها.
الجملة زادت الأمر سوءًا.
يعني إيه؟
نظر من الشباك وقال
قبل ما أعرفك بسنين، كان فيه يوم اتغيرت فيه حياة ناس كتير.
ياسر فتح الملف أمامي.
كانت هناك أوراق قديمة، وتقارير، وصور لمكان مهجور.
قال
مازن لم يختفِ فجأة. كان يحاول يكشف حاجة.
سألته
حاجة إيه؟
قبل أن يجيب، سمعنا صوت سيارة تقف بعيدًا.
ياسر نظر في المرآة.
ملامحه اتغيرت.
لازم نمشي.
كريم لم يتحرك.
قال له
لازم تعرفها.
رد ياسر
لو عرفتها هنا... مش هتخرج من هنا.
الجملة جعلتني أشعر أن الموضوع أكبر مما تخيلت.
تحركنا بسرعة.
وأثناء الطريق، كان كريم ساكت.
حتى وصلنا لمكان قديم خارج المدينة.
مخزن مهجور تقريبًا.
دخلنا.
أخرج كريم صندوقًا صغيرًا من مكان مخفي.
حطه أمامي.
قال
ده كان معايا من يوم اختفاء مازن.
فتحت الصندوق.
كان بداخله
ساعة قديمة.
صورة لنا جميعًا.
ورسالة مطوية.
فتحت الرسالة.
الخط كان واضحًا.
لكن أول سطر جعل قلبي يتوقف
لو وصلت الرسالة لها... يبقى أنا فشلت في حمايتها.
رفعت رأسي بسرعة.
مين كتبها؟
كريم لم ينظر إليّ.
قال بصوت منخفض
مازن.
بدأت أقرأ.
لكن قبل ما أوصل لنهاية الرسالة...
سمعنا صوت حركة خارج المخزن.
شخص كان يقترب.
ياسر أطفأ النور.
كريم أخذ الصندوق.
ثم همس
اللي جاي هنا... مش عايز الحقيقة تظهر.
توقفت الأنفاس.
وانفتح باب المخزن ببطء...
ودخل شخص إلى الظلام.
ثم قال بصوت أعرفه جيدًا
كفاية لعب... أنا جاي آخد الملف.
يتبع...تجمدنا جميعًا في أماكننا.
الصوت كان مألوفًا...
لكن عقلي رفض يصدق.
خرج الشخص من الظلام خطوة خطوة، ولما وقع عليه ضوء الشارع من فتحة الباب...
عرفته.
كان سامح.
الرجل الذي ظهر في المستشفى من قبل.
نظر لكريم وقال
كنت عارف إنك هتوصل للمكان ده في الآخر.
كريم وقف أمامي.
إنت كنت بتراقبنا من البداية.
ابتسم سامح.
مش أنا الوحيد.
نظر ناحية ياسر.
هو كمان كان عارف إن اليوم ده هييجي.
التفتُّ إلى ياسر بصدمة.
إنت؟
خفض عينيه.
ولأول مرة بدا عليه التردد.
قال
كنت أحاول أوصل للحقيقة قبل ما تضيع.
سامح ضحك بسخرية.
الحقيقة؟ ولا كنت بتحاول تصلح اللي حصل من سنين؟
فتحت الرسالة التي كانت في يدي.
كانت آخر سطورها مخفية بسبب طي الورقة.
فردتها بسرعة.
ظهر سطر جديد
أكبر خطر عليها مش الشخص اللي بيخبي الحقيقة... بل الشخص اللي يعتقد أنه يحميها.
نظرت لكريم.
الجملة كانت عنه؟
أم عن شخص آخر؟
قال سامح
اسألي كريم عن أول مرة شاف فيها مازن بعد اختفائه.
ساد الصمت.
شعرت أن كل الأنظار اتجهت إليه.
قلت
كريم... شفته؟
لم يجب.
وهذه المرة، لم أحتمل الصمت.
رد عليا.
أخذ نفسًا طويلًا.
وقال
أيوه.
اتسعت عيناي.
إمتى؟
اقترب من الصندوق، وأخرج الساعة القديمة.
قال
بعد اختفائه بثلاثة أيام.
كان عايش.
سكت الجميع.
ثم أكمل
وكان عايزني أوصل لك رسالة واحدة.
اقتربت منه.
إيه هي؟
نظر لي كريم، وقال
قال لي مهما حصل... ما تخليهاش تصدق إن كل اللي حصل كان صدفة.
في اللحظة دي...
اهتز هاتف ياسر.
نظر إليه.
ثم أعطاه لنا.
كانت رسالة جديدة.
لكن هذه المرة كانت من رقم ماحدش يعرفه.
وفيها صورة حديثة.
صورة لشخص واقف أمام مبنى قديم.
الشخص كان ظهره للكاميرا.
لكن المكان...
كان بيتنا القديم.
وتحت الصورة جملة واحدة
مازن لم يختفِ... هو كان ينتظر اللحظة المناسبة للعودة.
يتبع...فضلت ماسكة الهاتف وأنا ببص للصورة.
المكان كان واضح.
البيت القديم اللي قضيت فيه طفولتي.
لكن السؤال اللي كان بيطاردني
مين الشخص اللي واقف هناك؟
كريم قرب من الشاشة، ووشه فقد لونه.
قلت له
إنت عارف هو مين.
ما ردش.
وده كان كفاية.
خرجت منه الكلمة بصعوبة
أيوه.
سألته
مازن؟
هز رأسه ببطء.
أعتقد.
كلمة أعتقد خلتني أتوتر أكثر.
إزاي شخص يعرف أخويا أو شخص من ماضيي، ومش متأكد؟
ياسر أخذ الهاتف، ودقق في الصورة.
قال
الصورة
ثم نظر لكريم.
يعني هو رجع.
سامح كان واقف بعيد، يراقبنا بابتسامة غامضة.
قال
أنتم لسه فاكرين إن القصة كلها عن مازن؟
التفتنا له.
أكمل
مازن كان مجرد جزء من الحكاية.
سألته
يبقى إيه الجزء التاني؟
اقترب من الصندوق.
الملف رقم 17.
فتحت الملف بسرعة.
في آخر صفحة، كان فيه ظرف صغير لم نلاحظه من قبل.
أخرجته.
كان بداخله مفتاح آخر.
لكن هذا المفتاح لم يكن نحاسيًا.
كان أسود، وعليه نفس الرقم
17
وبجانبه ورقة قصيرة
المكان الحقيقي ليس حيث بدأت القصة... بل حيث تم إخفاؤها.
رفعت رأسي.
يعني إيه؟
قبل أن يجيب أحد...
سمعنا صوت باب المخزن يُفتح مرة ثانية.
هذه المرة لم يكن هناك شخص واحد.
كان هناك أكثر من صوت.
ياسر همس
لازم نطلع من هنا.
لكن كريم لم يتحرك.
كان ينظر ناحية الباب.
وكأنه ينتظر شخصًا بعينه.
ثم ظهر ظل عند المدخل.
وسمعنا صوتًا هادئًا يقول
كفاية هروب
يا كريم.
توقف كريم مكانه.
لأن الصوت...
كان صوت مازن وقف الزمن للحظة.
الصوت القادم من الباب كان واضحًا.
كفاية هروب يا كريم.
خرج الرجل من الظلام.
كان هو فعلًا...
مازن.
نظرت إليه وأنا أحاول أربط كل شيء ببعضه.
الصورة القديمة.
الملف.
المفتاح.
الأسرار اللي كريم خبّاها.
لكن مازن لم ينظر إلا إلى كريم.
قال
كنت فاكر إنك هتفضل ساكت طول عمرك؟
كريم ظل ثابتًا.
أنا كنت بحاول أحميها.
ضحك مازن بحزن.
لا... أنت كنت بتحمي نفسك من مواجهة الحقيقة.
تقدمت خطوة.
أنا عايزة أفهم.
نظر لي مازن.
ولأول مرة، شعرت أن هناك شخصًا أمامي يحمل جزءًا من حياتي أنا لا أعرفه.
قال
من سنين، حصلت حادثة غيرت حياة ناس كتير. أنا اختفيت وقتها بإرادتي، لأن الحقيقة كانت أخطر من إنها تظهر.
سألته
وحياتي أنا دخلت في الموضوع ليه؟
نظر إلى كريم.
لأن كريم كان الشخص الوحيد اللي يعرف.
سكت كريم طويلًا.
ثم قال
كنت خايف أقولك.
سألته
خايف من إيه؟
أجاب
خايف تخسريني لما تعرفي إني قربت منك في البداية بسبب الملف.
نظرت له بصدمة.
لكن قبل ما أتكلم، أكمل
لكن بعد ما عرفتك... كل حاجة اتغيرت. بقيتي أهم من أي سر.
مازن أخرج ورقة أخيرة من جيبه.
قال
دي كانت آخر رسالة كتبتها قبل ما أختفي.
ناولني إياها.
فتحتها.
وكان فيها
الحقيقة لا تحميها الأسرار... الحقيقة يحميها الأشخاص الذين يملكون الشجاعة لمواجهتها.
وفي أسفل الورقة كان هناك توقيع...
لكن لم يكن توقيع مازن.
كان توقيع شخص آخر.
شخص لم يظهر طوال القصة.
رفعت رأسي بسرعة.
مين كتب الجزء ده؟
ساد الصمت.
ثم قال مازن
الشخص اللي بدأ كل شيء.
والشخص اللي كان
سألته
مين؟
نظر الجميع ناحية الباب.
كان هناك شخص واقف منذ لحظات.
ولم ننتبه له.
رفع وجهه ببطء.
كان...
والدي.
بعد سنوات من الاعتقاد أنه لا يعرف شيئًا عن كل ما حدث، كان واقفًا أمامي.
قال بهدوء
آن الأوان تعرفي ليه كلنا أخفينا عنك الحقيقة.
اقتربت منه وأنا غير قادرة على الكلام.
فقط سألته
ليه؟
نظر إليّ وقال
لأن الحقيقة اللي دورتِ عليها طول عمرك...
كانت عنك أنتِ.
النهاية.