طول عمري بقلم اماني سيد
نورهان لو الفلوس رجع منها جزء... فهي راحت فين؟
لم يجب.
لكن نظراته اتجهت دون قصد إلى خزانة حديدية صغيرة كانت أسفل المكتب.
كانت نظرة خاطفة جدًا...
إلا أن نورهان التقطتها.
ابتسمت لأول مرة منذ بدأت الأزمة، وقالت بهدوء
واضح إن السر الحقيقي... لسه مستخبي جوه الخزانة دي.
وتحركت نحوها، بينما شريف اندفع خطوة للأمام وهو يهتف لأول مرة بصوت مليء بالخوف
نورهان... أوعي تفتحيها!تجمدت نورهان لحظة وهي سامعة صوته.
دي كانت أول مرة تشوف شريف بالشكل ده... صوته مهزوز، وعينيه مليانة خوف.
بصت له وقالت بهدوء
نورهان ليه؟ إيه اللي جواها؟
شريف قرب خطوة، ومد إيده ناحية الخزانة.
شريف دي أوراق خاصة بالشركة... ملكيش دعوة بيها.
قاطعه والده بعصبية
والده بعد كل اللي حصل، لسه بتكدب؟
نورهان ركعت قدام الخزانة.
كانت مقفولة برقم سري.
ابتسم شريف لأول مرة من بداية الليلة وقال
شريف حتى لو فضلتي هنا للصبح... مش هتعرفي تفتحيها.
لكن والدته قالت فجأة
والدته الرقم... هو تاريخ ميلادك، صح؟
شريف اتلفت لها بسرعة.
شريف ماما... متدخليش.
نورهان جربت تاريخ ميلاده.
الخزانة مطلعتش.
جربت تاريخ جوازهم.
برضه مفيش.
فضلت تبص في وش شريف.
كان واقف مركز معاها بشكل مبالغ فيه.
وفجأة افتكرت جملة كان دايمًا بيقولها
أنا محظوظ من يوم ما اشتريت أول عربية.
العربية...
كان حافظ تاريخ استلامها عن ظهر قلب.
كتبت الأرقام.
تك.
الخزانة فتحت.
شريف جرى ناحيتها، لكن عمه مسكه قبل ما يوصل.
نورهان فتحت الباب ببطء.
كان جواه ملفات، ودفاتر شيكات، وفلاشة صغيرة، وظرف بني كبير.
طلعت الظرف الأول.
فتحته.
كان مليان إيصالات تحويل.
كل إيصال عليه اسم مختلف.
وأرقام كبيرة.
لكن مفيش ولا إيصال باسم نورهان.
الرجل اللي جاي من الشركة أخذ ورقة منهم، وقال
الرجل واضح إن دي تحويلات لموردين.
نورهان حطت الإيصالات على الترابيزة.
وبعدين طلعت الفلاشة.
نورهان ودي فيها إيه؟
شريف لأول مرة صرخ
شريف سيبيها مكانها!
لكنها كانت بالفعل ماسكاها.
والد شريف قال
والده هاتوا اللاب توب.
بعد دقائق، وصل أحد أولاد العيلة بلاب توب من أوضة شريف.
وصلوا الفلاشة.
ظهر عليها مجلد واحد فقط.
اسمه
المشروع.
نورهان ضغطت عليه.
طلع عشرات الملفات.
صور، وعقود، وكشوفات.
وبينهم ملف مكتوب عليه
نورهان.
القلب دق بعنف.
فتحت الملف.
كان فيه نسخة من بطاقتها، وصورة التوكيل، وكشف حسابها البنكي، وجدول مكتوب فيه بخط شريف.
في أول
إجمالي المبلغ المسحوب من حساب نورهان...
وفي آخر الجدول
المبلغ المتبقي الواجب رده لها بعد استرداد مستحقات المشروع.
نورهان وقفت مصدومة.
بصت لشريف وقالت
نورهان يعني... طول الوقت كنت عامل حساب كل جنيه يخصني؟
شريف نزل رأسه وقال لأول مرة
شريف ولا جنيه من حقك كنت ناوي أضيعه... لكن كل حاجة خرجت عن السيطرة.
وقبل أن يرد أحد...
لفت نظر نورهان ملف آخر في الفلاشة.
كان اسمه
اعتراف.
مدت إيدها ناحية الماوس...
وشريف صرخ بكل قوته
لا... الملف ده بالذات متفتحهوش!نورهان ثبتت إيدها على الماوس.
كل الموجودين بصلها.
شريف كان بيهز راسه بعنف، وصوته خرج مبحوح
شريف أرجوكي... الملف ده لأ.
نورهان ردت بهدوء
نورهان بعد كل اللي حصل... مبقاش من حقك تمنعني أعرف الحقيقة.
وضغطت على الملف.
فتح ملف نصي بسيط.
في أول سطر كان مكتوب
لو بتقري الكلام ده، يبقى كل حاجة خرجت عن سيطرتي.
ساد صمت في الغرفة.
بدأت نورهان تقرأ بصوت مسموع
نورهان أنا شريف... بأكتب الكلام ده عشان لو المشروع فشل أو حصلي أي حاجة، يبقى واضح إن نورهان ملهاش أي ذنب.
والده قرب أكتر وهو بيسمع.
المبلغ اللي أخدته من حسابها أخدته باستخدام التوكيل اللي مضته من غير ما تعرف معناه الحقيقي... وأنا المسؤول عن القرار ده بالكامل.
شهقت والدته، وحطت إيدها على بقها.
نورهان كملت القراءة وهي بتحاول تثبت صوتها
كنت ناوي أول ما المشروع ينجح أرجع لها المبلغ كامل، وألغي التوكيل، وأعترف لها بالحقيقة. لكن كل يوم كنت بأجل، لحد ما الكذبة كبرت.
سكتت لحظة.
كان واضح إن الملف انتهى.
رفعت عينيها لشريف.
نورهان يبقى كنت عارف إنك غلطان من أول يوم.
شريف مسح دمعة نزلت من غير ما يحس.
شريف أيوه... وعشان كده كتبت الاعتراف.
لكن الرجل القادم من الشركة قال فجأة
الرجل استنوا... الملف لسه فيه صفحة تانية.
ضغط على السهم.
ظهرت صفحة جديدة.
كل الموجودين اتفاجئوا.
كان فيها جدول بأسماء المستثمرين، وقيمة مساهمة كل واحد.
وفي آخر الجدول...
اسم نورهان.
وأمام اسمها كانت نسبة ملكية في المشروع.
نورهان عقدت حاجبيها.
نورهان يعني إيه نسبة ملكية؟
الرجل راجع الورقة بدقة.
وقال
الرجل بحسب المستندات... الفلوس اللي دخلت من حسابك اتسجلت كرأس مال، يعني المفروض يبقى ليكي نصيب في المشروع.
شريف رفع رأسه بسرعة.
شريف أنا عملت كده عشان لو المشروع نجح... كل الأرباح تبقى من حقها الأول.
عمه قال باستغراب
عمه وليه مخبي الورق
شريف رد بصوت منخفض
شريف لأني بعد ما المشروع اتعطل... خفت محدش يصدقني، وخفت نورهان تفتكر إني كنت بسرقها.
نورهان ظلت تنظر إلى الأوراق دون أن تنطق.
كانت تشعر أن الصورة لم تكتمل بعد.
فالاعتراف أثبت أنه خدعها، لكن المستندات أوضحت أيضًا أن القصة أعقد مما بدت عليه في البداية.
وفي تلك اللحظة...
وقعت من بين الأوراق ورقة صغيرة مختومة بختم رسمي لم يلاحظها أحد من قبل.
التقطها الرجل القادم من الشركة، وما إن قرأ أول سطر فيها حتى تغيرت ملامحه تمامًا.
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى شريف قائلًا
دي أول مرة أشوف المستند ده... وإحنا لازم نفهم هو وصل عندك إزاي.
وتبادل الجميع النظرات في دهشة، بينما بقيت الورقة في يده، دون أن يكشف بعد ما الذي كُتب فيها الرجل ظل ممسكًا بالورقة وهو يقرأها أكثر من مرة.
ثم رفع عينيه نحو شريف وقال ببطء
الرجل المستند ده نسخة من ملحق للعقد... بس النسخة الأصلية عمرها ما اتسلمت للشركة.
شريف اتفاجأ بجد.
شريف إزاي؟! أنا استلمتها مع باقي الأوراق.
الرجل الغريب إن الملحق ده عليه ختم الشركة، لكن مفيش تسجيل ليه في ملفاتنا.
نورهان مدت إيدها.
نورهان ممكن أشوفه؟
ناولها الورقة.
بدأت تقراها بهدوء.
كان مكتوب فيها إن أي مبلغ يدخل في المشروع باسم أحد المستثمرين يظل محفوظًا بحق صاحبه، ولا يجوز التصرف النهائي فيه إلا بعد توقيع جميع الأطراف على التسوية النهائية.
رفعت رأسها وقالت
نورهان يعني... الفلوس ماكانتش هتضيع بمجرد دخولها المشروع.
الرجل هز رأسه.
الرجل نظريًا... لأ.
شريف جلس على الكرسي وكأنه فقد كل طاقته.
قال بصوت منخفض
شريف أنا ماكنتش أعرف البند ده.
عمه رد عليه بغضب
عمه حتى لو ماكنتش تعرفه... ده ما يبررش إنك خدعت مراتك.
شريف ما ردش.
كانت المرة الأولى اللي ما يحاولش يدافع عن نفسه.
نورهان جمعت الأوراق قدامها.
كل ورقة كانت بتأكد حاجة، وتنفي حاجة تانية.
الحقيقة بقت أوضح، لكن لسه ناقصها جزء مهم.
رفعت نظرها للرجل وسألته
نورهان أنا عايزة أعرف حاجة واحدة... الفلوس اللي دخلت المشروع، موجود منها حاجة لحد دلوقتي ولا لأ؟
الرجل فكر ثواني، ثم قال
الرجل أنا مقدرش أجاوب من غير مراجعة الحسابات كلها.
وقبل أن يكمل...
رن هاتفه.
رد بسرعة.
استمع للحظات، ثم قال
تمام... ابعتولي النسخة حالًا.
أنهى المكالمة، ونظر إلى الجميع.
الرجل واضح إن الإدارة بعتت الملف الكامل للمشروع.
شريف رفع رأسه فجأة.
أما نورهان، فشعرت
أغلق الرجل حقيبته وهو يقول
بكرة الصبح هنعرف بالتفصيل كل جنيه دخل وكل جنيه خرج... وساعتها هتبان الحقيقة كاملة.
وانتهت الليلة على وجوه متعبة، وقلوب معلقة بما سيكشفه تقرير اليوم التالي، دون أن يعرف أحد هل سيعيد لنورهان حقها، أم سيكشف مفاجأة جديدة تقلب
الأحداث من جديد في صباح اليوم التالي، دخلت نورهان إلى مقر الشركة ومعها والد شريف، بينما جلس شريف صامتًا وكأنه ينتظر الحكم.
مدير الشركة وضع الملف الكامل أمامهم وقال
المدير راجعنا كل المستندات والحسابات.
قلب عدة أوراق، ثم قال
المدير الأستاذ شريف أخطأ خطأ كبيرًا لما استخدم التوكيل من غير علم زوجته، وده أمر بينكم وبين بعض. لكن من ناحية المشروع... الفلوس ما اتسرقتش، ولا اتبخرت.
رفعت نورهان رأسها بسرعة.
نورهان يعني إيه؟
المدير المشروع اتوقف فترة بسبب مشاكل في التراخيص، لكن رأس المال كان محفوظ. والخسارة كانت في الأرباح المتوقعة، مش في أصل الفلوس.
شريف رفع عينه لأول مرة.
شريف يعني... المبلغ لسه موجود؟
ابتسم المدير ابتسامة خفيفة.
المدير بل أكتر من كده... بعد تسوية الحسابات، قيمة الاستثمار زادت بنسبة بسيطة، لأن جزءًا من الأموال كان مودعًا في حساب استثماري مؤقت.
ناول نورهان كشفًا رسميًا.
كانت تقلب الصفحات وهي غير مصدقة.
كل جنيه كانت تعبت فيه... كان موجودًا.
بل زاد عليه عائد.
انهمرت دموعها، لكنها لم تكن دموع فرحة فقط، بل دموع وجع على الثقة التي انكسرت.
نظر شريف إليها وقال بصوت مرتعش
شريف أنا غلطت... ويمكن طول عمري أفضل ندمان. كنت فاكر إني هفاجئك بالنجاح وأرجعلك فلوسك قبل ما تعرفي أي حاجة، لكن غروري خلاني أخبي الحقيقة، والكذبة كبرت.
ردت نورهان بهدوء
نورهان المشكلة عمرها ما كانت الفلوس يا شريف... المشكلة إنك سلبتني حقي في الاختيار. لو كنت جيت واستأذنتني، كان ممكن أوافق. لكنك اخترت الخداع.
خفض رأسه ولم يجد ما يقوله.
بعد أيام، تم تحويل كامل المبلغ والعائد إلى حساب جديد باسم نورهان وحدها، وأُلغي التوكيل رسميًا أمام البنك.
أما ريهام، فلما عرفت الحقيقة كاملة، ذهبت إلى نورهان وقالت
ريهام أنا ظلمتك بكلامي قدام الناس. سامحيني.
ابتسمت نورهان ابتسامة هادئة وقالت
نورهان أنا مسامحاكي... لأنك كنتي بتتكلمي على اللي وصلك، مش على الحقيقة.
لكنها لم تستطع أن تعيد الثقة التي فقدتها في شريف.
مرت عدة أشهر.
حاول شريف كثيرًا
أما نورهان، فتعلمت درسًا لن تنساه أبدًا
المال قد يعود بعد ضياعه، لكن الثقة إذا انكسرت، فإن إعادتها تحتاج عمرًا كاملًا.
تمت.