جول بحبك

لمحة نيوز

تُشترى.
قرأ عاصم الرسالة، واغرورقت عيناه بالدموع.
وقال
حتى وهو غايب... لسه بيعلمنا.
بدأت رحلة البحث في السجلات القديمة، ليكتشف الجميع أن هناك خطأ في تسجيل الحدود منذ عشرات السنين، وأن النزاع كله سببه ورقة لم تُحدَّث منذ زمن.
وبعد مراجعة المحكمة، ظهر أن لعائلة فؤاد حقًا في جزء صغير من الأرض، بينما بقيت أغلبها ملكًا لعائلة ياسين.
مد عاصم يده إلى فؤاد وقال
مبروك عليك حقك.
ابتسم فؤاد وصافحه بقوة وقال
وأنا مبروك عليك إنك حافظت على اسم جدك... لأنك اخترت العدل بدل الخصام.
وهكذا انتهت الأزمة الجديدة كما انتهت القديمة... بالحق، والحكمة، والكلمة الطيبة، لتظل عائلة ياسين مثالًا يُحتذى به في البلدة مرت عدة أشهر على انتهاء قضية الأرض، وعادت الحياة إلى هدوئها، حتى جاء صباح قلب البلدة رأسًا على عقب.
دخل عبد الرحيم دار عاصم مسرعًا وهو ينادي
يا عاصم... إلحق!
خرج عاصم على الفور وقال بقلق
خير يا عبد الرحيم؟
التقط عبد الرحيم أنفاسه وقال
الترعة غرقت منها ماكينة الري الكبيرة، والمية داخلة على أراضي الناس، ولو اتأخرنا المحصول كله هيبوظ.
لم ينتظر عاصم لحظة، ونادى بأولاده ورجال البلدة
يا رجالة... كل واحد يجيب اللي يقدر عليه. جراكن، أجولة رمل، جرارات... المهم نلحق الزرع.
في أقل من نصف ساعة، كانت البلدة كلها في الحقول. لم يسأل أحد لمن الأرض، أو من المستفيد، بل وقف الجميع كتفًا بكتف حتى أُغلقت فتحة الترعة، وتم إنقاذ معظم الأراضي.
بعد انتهاء العمل، وقف أحد كبار المزارعين وقال
والله يا عاصم، لو كنت جيت من عشرين سنة، كان كل واحد وقف يحرس أرضه بس. النهارده كلنا اشتغلنا كأن الأرض أرضنا كلنا.
ابتسم عاصم وقال
دي بركة إننا اتعلمنا من أخطاء زمان.
في المساء، جلس مع أولاده في فناء الدار.
قال ابنه ياسين
يا بوي... الناس بتحترمك أوي.
هز عاصم رأسه وقال
الاحترام الحقيقي مش بيتطلب، بيتبني بالمواقف.
سألته ابنته سميحة
يعني أهم حاجة في الراجل إيه؟
ابتسم وقال
الأمانة... ولو ضاعت الأمانة، ضاع كل شيء.
سكت لحظة، ثم أكمل
وجدكم ياسين علمني إن الراجل يُعرف وقت الشدة، مش وقت الراحة. وأنا نفسي أسيب لكم نفس السيرة الطيبة اللي سابهالي.
نظر إليه أولاده بإعجاب، بينما كانت بدور تتابع الحديث من بعيد، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة رضا.
شعرت أن رحلة
الألم التي عاشاها لم تذهب سدى، بل صنعت بيتًا قائمًا على المحبة، وأبناءً تربوا على الشهامة، وبلدةً أصبحت أكثر تماسكًا مما كانت عليه يومًا بعد أيام قليلة، كان عاصم يجلس في مضيفة الدار مع رجال العائلة، عندما دخل سالم وعلى وجهه ابتسامة لم يروها منذ سنوات.
سأله عاصم
خير يا بوي؟ شكلك مخبي خبر.
جلس سالم وقال
النهارده وصلني جواب من المحافظة.
تناول عاصم الظرف، وقرأه بهدوء، ثم رفع رأسه بدهشة.
بيعرضوا علينا نشارك في مشروع استصلاح الأراضي الجديدة؟
ابتسم سالم وقال
أيوه... واختاروك تكون ممثل المزارعين في المركز كله.
نظر عاصم إلى الحاضرين وقال
دي مسؤولية كبيرة.
رد عبد الرحيم ضاحكًا
وأنت قدها يا أبو ياسين، محدش أحق منك.
بعد أسبوع، سافر عاصم إلى المحافظة لحضور الاجتماع.
تحدث عن مشاكل الفلاحين، وطرق الري، وتسويق المحاصيل، واستمع إليه المسؤولون باهتمام.
وبعد انتهاء الاجتماع، اقترب منه أحدهم وقال
واضح إنك بتتكلم من واقع تجربة، مش مجرد كلام.
ابتسم عاصم وأجاب
الفلاح اللي بينزل أرضه كل يوم، هو أكتر واحد يعرف احتياجاتها.
عاد إلى البلدة، فاستقبله أهلها بالترحيب.
قال الحاج سالم وهو يربت على كتف ابنه
الحمد لله... كنت دايمًا أقول إن تعبك مش هيضيع.
وفي المساء، جلس عاصم مع بدور في شرفة البيت.
قالت وهي تقدم له كوب الشاي
كل ما أشوف الناس بتحبك، أفتكر يوم المستشفى.
ابتسم وقال
وأنا كل ما أبصلك، أفتكر إن أول حاجة سمعتها بعد ما فتحت عيني كانت صوتك.
ضحكت وقالت
ولسه فاكر؟
رد وهو ينظر إليها
أنسى نفسي ولا أنسى اللحظة دي؟
احمر وجه بدور كما احمر يوم اعترفت له بحبها لأول مرة، فقالت وهي تبتسم
واضح إنك عمرك ما هتبطّل تعايرني بيها.
ضحك عاصم، وتعالت ضحكاتهما مع أصوات أولادهما وأحفادهما في الفناء، بينما كان البيت يمتلئ بالسكينة التي انتظرها الجميع سنوات طويلة، لتبقى حياتهم شاهدة على أن الصبر والصدق يصنعان أجمل النهايات بعد مرور عام...
استيقظت البلدة على خبر أسعد الجميع.
دخل عبد الرحيم إلى الدار وهو يلوح بجريدة محلية ويصيح
يا عاصم... تعالى شوف!
أخذ عاصم الجريدة، فوجد صورته في الصفحة الأولى، وتحتها عنوان
تكريم المزارع عاصم ياسين بعد نجاحه في تطوير الزراعة وخدمة أهالي المركز.
ابتسم بخجل، وقال
ده فضل ربنا... ثم تعب كل واحد وقف معايا.
قال
سالم بفخر
لا يا ولدي... النجاح ده بتاعك، لأنك عمرك ما فكرت في نفسك بس.
وفي يوم التكريم، سافر معه أفراد العائلة.
وقف المحافظ يسلّمه درع التكريم، وقال أمام الحضور
الرجل ده أثبت إن القيادة مش بالمنصب... القيادة بالأخلاق.
صفق الجميع بحرارة.
لكن عاصم طلب الكلمة، وقال
الدرع ده مش ليا لوحدي... ده لكل راجل وست وقفوا جنب بعض وقت الشدة، ولكل فلاح بيصحى قبل الفجر عشان يزرع لقمة عيش بالحلال.
ازدادت القاعة تصفيقًا.
وفي طريق العودة، كانت بدور تنظر إليه بفخر.
قالت
تعرف؟ زمان كنت بخاف عليك... النهارده بقيت فخورة إني مراتك.
ابتسم وهو يمسك يدها وقال
وأنا فخور إن ربنا رزقني بزوجة كانت أول حد دعالي، وأول صوت سمعته لما رجعت للحياة.
ضحكت وقالت
ولسه فاكر؟
قال
الذكريات الحلوة عمرها ما بتتنسي.
عادوا إلى البلدة مع غروب الشمس.
كان الأطفال ينتظرونهم أمام الدار، يجرون نحو عاصم وهم يحيطون به.
ثم رفع بصره إلى السماء وقال
الحمد لله... على كل نعمة، وعلى كل ابتلاء علمني قيمة النعمة.
وقف سالم إلى جواره، وقال
كبرنا يا ولدي... لكن أهم حاجة إن سيرتنا فضلت طيبة.
أومأ عاصم وهو ينظر إلى بيته الكبير، وأهله، وأولاده، وأحفاده.
وأدرك أن أعظم نجاح لم يكن الدرع الذي حمله بيده...
بل العائلة التي بناها بالمحبة، والاسم الطيب الذي تركه بين الناس. بعد أيام من حفل التكريم، عاد الهدوء إلى البلدة، لكن هذه المرة كان الهدوء يحمل خبرًا مختلفًا.
دخل مدحت إلى الدار بعد انتهاء عمله في المستشفى، وجلس بجوار عاصم وقال بابتسامة
عندي ليك طلب.
نظر إليه عاصم ضاحكًا
أول مرة تدخل من غير ما تشرب الشاي، خير؟
قال مدحت
المستشفى العام بقت زحمة جدًا، والناس في القرى البعيدة بتتعب عشان توصل. بفكر أفتح مركز طبي صغير هنا في البلد.
رد عاصم دون تردد
الأرض موجودة، ولو المشروع هينفع الناس، أنا أول واحد هقف معاك.
ابتسم مدحت وقال
كنت عارف إن ردك هيكون كده.
لم تمر أشهر حتى بدأ البناء.
شارك أهل البلدة كلٌ بما يستطيع؛ منهم من تبرع بمواد البناء، ومنهم من ساعد بجهده، ومنهم من تكفل بتجهيز بعض الغرف.
وكان عاصم أول من يصل كل صباح ليتابع العمل.
قال له عبد الرحيم يومًا
أنت لو فضلت تشتغل بالطريقة دي، هتتعب.
ابتسم عاصم وقال
التعب في خدمة الناس راحة.
وبعد عام كامل، افتُتح المركز الطبي.

وقف مدحت أمام أهل البلدة وقال
المركز ده ما كانش هيقوم لولا تعاونكم.
ثم أشار إلى عاصم وأضاف
ولو في حد يستحق الشكر، فهو الراجل اللي فتح الباب للفكرة من أول يوم.
صفق الجميع، بينما اكتفى عاصم بابتسامة هادئة.
وفي المساء، عاد إلى بيته، فوجد بدور قد أعدت عشاءً جمع الأسرة كلها.
قالت له وهي تضع الطعام
النهارده حسيت إن تعب السنين كلها جاب ثماره.
أجابها وهو ينظر إلى أولاده وأحفاده حول المائدة
طول ما الخير بيكبر، يبقى تعبنا عمره ما راح هدر.
وساد البيت دفء عائلي جميل، بينما كانت البلدة تدخل مرحلة جديدة، عنوانها التعاون، والعلم، والخدمة، بفضل رجال ونساء آمنوا أن البناء خير من الخصام النهاية
مرّت الأعوام، وشابت الرؤوس، وكبر الأحفاد، لكن بيت الحاج ياسين ظل عامرًا كما كان دائمًا؛ بابه مفتوح للضيف، وقلبه مفتوح للناس.
وفي ليلة من ليالي رمضان، اجتمعت العائلة كلها حول مائدة واحدة. كان عاصم يجلس في المكان الذي كان يجلس فيه جده يومًا، وعن يمينه بدور، وحولهما الأبناء والأحفاد.
نظر إليهم طويلًا، ثم ابتسم وقال
فاكرين أول مرة اتجمعنا فيها بعد اللي حصل؟ كنا كلنا بنبكي، ومحدش كان عارف بكرة مخبي إيه.
أومأ الجميع في صمت.
أكمل وهو ينظر إلى أولاده
ربنا علّمنا إن الشدة بتعدي، لكن اللي بيفضل هو العِشرة والمحبة. أوعوا يوم تخلوا الدنيا تفرقكم.
مدّ ابنه ياسين يده وصافح إخوته أمام الجميع، وقال
أوعدك يا بوي... هنفضل إيد واحدة.
ثم فعل بقية الأبناء والأحفاد الشيء نفسه، وتحولت المائدة إلى مشهد من الدفء والمودة.
ابتسمت بدور، وهمست لعاصم
فاكر لما قلتلي أول ما فوقت قولي بحبك وانتي عينك في عيني؟
ضحك عاصم، رغم تجاعيد السنين التي ملأت وجهه، وقال
ولسه مستني أسمعها.
ابتسمت وهي تنظر في عينيه كما فعلت منذ سنوات طويلة، وقالت بهدوء
بحبك يا عاصم... وهفضل أحبك لآخر يوم في عمري.
أمسك يدها، ولم يقل شيئًا... فقد كانت الابتسامة في عينيه أبلغ من أي كلام.
رفع الجميع أيديهم بالدعاء للحاج ياسين، ولكل من رحل من أهل الدار، ثم علت ضحكات الأطفال وهم يركضون في الفناء، ليملأوا المكان بالحياة.
نظر عاصم إلى السماء وهمس
الحمد لله... بدأت حكايتي بين الحياة والموت، وأنهاها اليوم وسط أهلي وأولادي وأحفادي، راضيًا بكل ما كتبه الله لي.
وانطفأت أنوار الدار آخر الليل،
بينما بقيت قصة عاصم وبدور تُروى بين أهل البلدة جيلًا بعد جيل...
ليس لأنها بدأت بالمحنة، بل لأنها انتهت بالمحبة، والعدل، ولمّ الشمل.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط