يعنى بتحبى ركوب الخيل
التي طالما حلمت بركوبها.
اقترب منها مدحت وقال
فاكرة وعدي؟
التفتت إليه باستغراب
وعد إيه؟
ابتسم وقال
لما قولتلك بعد الجواز هعلمك ركوب الخيل على أصوله.
ضحكت وقالت
أيوه... فاكرة.
ناولها خوذة الحماية وقال
والتعلم يبدأ من النهارده... بس بهدوء ومن غير تهور.
نظرت إليه بدهشة
يعني هتركبني دلوقتي؟
أومأ برأسه وهو يبتسم
ما هو الوعد وعد.
ترددت قليلًا، ثم ارتدت الخوذة.
ساعدها على الصعود بهدوء، وظل ممسكًا باللجام حتى لا تشعر بالخوف.
قال لها مطمئنًا
متقلقيش... أنا جنبك.
تنفست بعمق، وبدأ الحصان يتحرك بخطوات بطيئة.
بعد دقائق، بدأت ملامح الخوف تختفي من وجهها، لتحل محلها ابتسامة واسعة.
قالت وهي تضحك
والله... كنت فاكرة الموضوع أصعب من كده.
ضحك مدحت وقال
لسه إحنا في البداية.
كان الجد يقف بعيدًا يتابع المشهد، فابتسم وقال لعبدالتواب
شوف البت... كأنها اتولدت فوق الحصان.
ضحك عبدالتواب وقال
من وهي صغيرة وهي نفسها تتعلم.
تنهد الجد براحة وقال
الحمد لله... ربنا جمع القلوب بالحلال، ودي أكبر نعمة.
نظر مدحت إلى نهال وهي تضحك لأول مرة دون خجل، وشعر أن كل ما تمناه بدأ يتحقق، بينما كانت هي تنظر إليه بعينين تمتلئان بالامتنان، وقد أيقنت أن حياتها المقبلة ستكون مليئة بالمواقف الجميلة، ما دام الاحترام والمودة هما أساس علاقتهما بعد مرور أسبوع...
استيقظت البلدة على حركة غير معتادة داخل ساحة دار العائلة، فقد قرر الجد أن يقيم سباقًا وديًا للخيل بين شباب العائلة احتفالًا بخطبة مدحت ونهال، وإدخال البهجة إلى القلوب.
كان الجميع منشغلًا في تجهيز الأحصنة، بينما وقفت نهال تراقب من بعيد، وعيناها لا تفارقان الخيل.
اقترب منها مدحت مبتسمًا وقال
شكلك نفسك تشاركي.
هزت رأسها بخجل
نفسي... بس لسه قدامي كتير.
قال بثقة
كل حاجة بتبدأ بخطوة، وإنتِ بدأتيها.
في تلك اللحظة اقترب عاصم وهو يضحك
يا دكتور، سيبها دلوقتي، دي لو ركبت النهارده هتسبقنا كلنا بعد شهر.
ضحك الجميع، فضحكت نهال معهم لأول مرة دون خجل.
بدأ السباق وسط تشجيع العائلة، وانطلق الشباب في مضمار قصير داخل الأراضي الواسعة.
انتهى السباق وسط التصفيق والضحكات، ولم يكن المهم من فاز، بل الفرحة التي جمعت الجميع.
بعدها قال الجد بصوت مرتفع
النهارده
هز الجميع رؤوسهم موافقين.
أما مدحت، فاقترب من نهال وهمس لها
فاكرة أول مرة سألتك جولي آه؟
ضحكت وهي تخفض رأسها
وكنت زنّان بطريقة مستفزة.
ضحك وقال
ولو رجع بيا الزمن... هقولها بنفس الطريقة.
رفعت رأسها إليه وقالت بابتسامة واسعة
وأنا... كنت هقول آه برضه... بس يمكن أسرع شوية.
ابتسم مدحت، وشعر أن تلك الكلمة كانت أجمل ما سمعه في حياته.
وفي المساء، اجتمعت العائلة حول مائدة كبيرة امتلأت بالأحاديث والضحكات، بينما كانت نهال تنظر إلى أفراد أسرتها وتشعر بالطمأنينة، فقد بدأت رحلة جديدة، عنوانها المودة والاحترام، وسط أهل يجمعهم الحب وصلة الرحم مرَّت عدة أيام في هدوء، حتى جاء صباحٌ حمل معه خبرًا أسعد أهل البيت جميعًا.
دخل الحاج عبدالتواب إلى المجلس وهو يحمل هاتفه، وقال بصوت مرتفع
يا جماعة... الشيخ أكد معاد كتب الكتاب، هيكون بعد شهر إن شاء الله.
ارتفعت الزغاريد من الداخل، بينما تبادل الرجال التهاني.
أما مدحت، فاكتفى بابتسامة واسعة، ثم نظر إلى جده وقال
الحمد لله.
ابتسم الجد وربت على كتفه
ربنا يتمملك على خير يا ولدي.
في الداخل...
جلست نهال بين والدتها وبدور ونيرة، وقد احمر وجهها من شدة الخجل.
قالت بدور وهي تمازحها
أهو خلاص... بقى العد التنازلي.
ردت نهال وهي تخفي وجهها بطرف طرحتها
يا بنتي بطلي كلام.
ضحكت نيرة وقالت
من دلوقتي كده؟ أمال يوم كتب الكتاب هتعملي إيه؟
ضحكت الفتيات، بينما اكتفت نهال بالابتسام وهي تحاول تغيير الحديث.
وفي المساء...
خرج مدحت يتمشى في ساحة الدار، فوجد عاصم يجلس وحده.
اقترب منه وسأله
مالك؟ شكلك سرحان.
تنهد عاصم وقال
بفكر... يا ترى الدور هييجي عليّا إمتى؟
ابتسم مدحت وربت على كتفه
كل واحد بياخد نصيبه في وقته، متستعجلش.
هز عاصم رأسه وهو يبتسم
ربنا يكتب الخير.
في اليوم التالي...
كانت نهال تقف في الإسطبل تطعم المهر الصغير الذي تعلقت به منذ أول يوم رأته.
وصل مدحت، فوقف يراقبها للحظات دون أن تشعر به.
ثم قال مبتسمًا
واضح إنه بقى بينافسني.
التفتت إليه وهي تضحك
مين؟
أشار إلى المهر وقال
ده... بقيتي تقضي معاه وقت أكتر مني.
ابتسمت نهال وقالت
ده حبيبي الصغير.
اقترب مدحت وهو
وأنا؟
خفضت رأسها خجلًا، ثم قالت بصوت بالكاد يُسمع
ليك مكانة تانية.
توقف للحظة، وكأن تلك الكلمات كانت كافية لتملأ قلبه سعادة.
ثم قال وهو ينظر إليها
المهم تفضلي تضحكي كده على طول... لأن ضحكتك بقت أجمل حاجة بشوفها كل ما أرجع البلد.
احمر وجه نهال، بينما ابتسمت في خجل، وشعرت أن الأيام القادمة تحمل لها حياة هادئة مليئة بالمودة والرحمة، بعيدًا عن أي خلافات، وبين عائلة اجتمعت قلوبها على الخير عندما سمعت صوت سيارة مدحت يتوقف أمام البيت.
ابتسمت دون أن تشعر، ثم عادت تتظاهر بالانشغال.
دخل مدحت يُلقي السلام على الجميع، وما إن لمحها حتى قال ضاحكًا
يعني حتى السلام مش هترديه؟
رفعت رأسها وقالت بخجل
وعليكم السلام... أنا رديت في سري.
ضحك وقال
وأنا مالي بالسر؟ أنا عايز أسمعه.
هزت رأسها بيأس من مشاكسته، بينما كانت بدور تراقبهما من بعيد وتكتم ضحكتها.
قالت بصوت مرتفع
يا جماعة... الحقوا الدكتور، من ساعة ما اتخطب وهو بقى يتلكك عشان يسمع كلمتين.
ضحك الجميع، بينما نظر مدحت إلى بدور وقال
والله شكلك هتفضلي تفضحيني.
أجابته بسرعة
دي مهمتي.
بعد الغداء...
اقترح الجد أن يخرج الجميع إلى المزرعة المجاورة لقضاء بقية اليوم.
وافقت العائلة، وانطلقوا وسط الحقول الخضراء.
كان الأطفال يركضون أمامهم، بينما جلس الكبار تحت شجرة جميز كبيرة.
أما نهال، فكانت تتمشى بهدوء، حتى لحق بها مدحت.
قال وهو يسير بجوارها
مبسوطة؟
ابتسمت وهي تنظر إلى الحقول
جدًا... أنا بحب المكان ده من وأنا صغيرة.
سكت قليلًا، ثم قال
نفسي بعد الجواز نبني بيت صغير قريب من هنا... نصحى كل يوم على الهوا ده.
نظرت إليه بدهشة، ثم ابتسمت وقالت
وأكيد هيبقى فيه إسطبل.
ضحك وقال
ده أول شرط؟
هزت رأسها بحماس
طبعًا.
رد ضاحكًا
خلاص... الإسطبل قبل الجنينة كمان.
ضحكت حتى دمعت عيناها، فظل يتأملها في صمت، وقد أيقن أن أجمل ما فيها ليس جمالها فقط، بل تلك الروح البسيطة التي تجعل كل شيء حولها أجمل.
وقبل غروب الشمس...
وقف الجد يتأمل أبناءه وأحفاده، ثم قال بصوت هادئ
الحمد لله... البيت لما يبقى مليان محبة، يبقى أغنى من أي مال.
أومأ الجميع موافقين، بينما تبادل مدحت ونهال نظرة قصيرة، حملت وعدًا صامتًا بأن يحافظا على هذه المحبة
يتبع...مرَّ شهر كامل وسط استعدادات العائلتين، حتى جاء اليوم المنتظر.
امتلأ البيت بالأهل والأقارب، وتعالت الزغاريد منذ الصباح، بينما كان مدحت يقف في المجلس يحاول إخفاء توتره.
ربت الجد على كتفه مبتسمًا وقال
مالك يا دكتور؟ أول مرة أشوفك متوتر بالشكل ده.
ابتسم مدحت وقال
كل العمليات اللي دخلتها كانت أهون من اللحظة دي يا جدي.
ضحك الجميع، وفي الداخل كانت نهال تجلس وسط والدتها وبدور ونيرة، وقد بدا عليها الخجل الشديد.
قالت بدور وهي تمازحها
أهو خلاص... الدكتور بقى جوزك قدام الناس كلها.
ابتسمت نهال وهي تخفي وجهها، لتتعالى ضحكات الفتيات.
بعد قليل...
تم عقد القران وسط فرحة كبيرة، وبعد أن انتهى المأذون، صافح مدحت الجميع، ثم وقف أمام نهال وقال بهدوء
الحمد لله... أخيرًا بقيتي شريكة عمري.
ابتسمت له بخجل وقالت
وربنا يديم بينا المودة والرحمة.
صفق الجميع، وتعالت الدعوات لهما بالسعادة.
وبعد عدة أشهر...
كان مدحت قد أوفى بوعده.
وقف بجوار نهال داخل الإسطبل، وهي تمتطي الفرس بثقة لأول مرة دون خوف.
قال مبتسمًا
فاكرة أول مرة قولتي إن نفسك تبقي فارسة؟
ضحكت وهي تربت على عنق الفرس
وافتكرت إنك كنت بتهزر.
هز رأسه وقال
أنا عمري ما بهزر في وعد بوعده ليكي.
انطلقت بالفرس بخطوات هادئة، ثم عادت وهي تضحك من قلبها.
وقف الجد يتابعها بفخر وقال
الحمد لله... ربنا رزق كل واحد بالنصيب اللي يستاهله.
أما عاصم، فقد اقترب من الجميع وهو يحمل خبر خطبته هو الآخر، فضحك مدحت وربت على كتفه
أهو الدور جه عليك.
ضحك الجميع، وتحولت المناسبة إلى فرحتين بدلًا من واحدة.
ومع مرور السنوات...
أصبح بيت مدحت ونهال بيتًا يملؤه الود والاحترام.
أنشآ إسطبلًا صغيرًا كما حلمت نهال، وكانت تعلم الأطفال حب الخيل والرفق بالحيوان، بينما واصل مدحت عمله طبيبًا، يجمع بين نجاحه في عمله وسعادته مع أسرته.
أما الجد، فكان كلما رأى أبناء العائلة مجتمعين قال بابتسامته المعهودة
المال بيخلص... لكن العيلة اللي متماسكة هي أغلى رزق يديه ربنا للإنسان.
وفي إحدى الأمسيات، جلس مدحت بجوار نهال يتأملان غروب الشمس، فقال لها
فاكرة أول مرة قلتلك قولي آه؟
ضحكت وقالت
وافتكرتك وقتها مستعجل أوي.
ابتسم وهو يمسك بيدها
ولو
ابتسمت وهي تنظر إليه قائلة
وأنا... كل مرة هقولك آه.
وانتهت حكايتهما كما بدأت... بكلمة صغيرة خرجت بخجل، لكنها صنعت عمرًا كاملًا من المودة والرحمة.