أعضاء اسرتي

لمحة نيوز

تضغط بأصابعها على ذراع الكرسي.
إصبع واحد مرفوع...
ثم اثنان...
ثم ثلاثة.
ابتسم ميلز فجأة.
دي مش حركة عشوائية.
تقصد إيه؟
أعاد تشغيل الصورة على الشاشة الكبيرة.
ثم قال
دي شفرة.
دققت النظر.
كانت أمي تغيّر وضع أصابعها في كل صورة من الصور الثلاث المرسلة.
1...
3...
2...
ثم تشير بعينيها إلى الحائط.
كبرنا الصورة أكثر.
وهناك...
على الحائط المتشقق...
كان مكتوبًا بقلم رصاص رقم صغير جدًا
132
قال ميلز
ده رقم غرفة... أو مخزن.
قررنا الذهاب إلى الموقع.
لكن هذه المرة لم نخبر أحدًا.
كان المكان مصنعًا مهجورًا منذ أكثر من عشرين عامًا.
دخلناه بحذر.
الممرات مظلمة...
ورائحة الرطوبة تملأ المكان.
حتى وصلنا إلى باب معدني صدئ.
مكتوب عليه
132
تبادلنا النظرات.
ثم فتح ميلز الباب ببطء.
صرير الباب اخترق الصمت.
وفي الداخل...
لم نجد أمي.
وجدنا غرفة مليئة بالشاشات.
عشرات الشاشات.
كل شاشة تعرض بثًا مباشرًا لعائلة مختلفة.
أطفال...
بيوت...
مدارس...
حدائق.
شعرت بالغثيان.
إيه ده؟
اقترب ميلز من أحد الأجهزة.
وكانت الملفات كلها تحمل أسماء غريبة.
الهدف 18
الهدف 27
الهدف 41
ثم...
تجمد في مكانه.
على آخر شاشة...
ظهر اسم ابنتي.
الهدف 52.
وقبل أن نتمكن من استيعاب ما نراه...
اشتغلت إحدى الشاشات وحدها.
وظهر عليها آدم.
كان ينظر إلينا مباشرة، وكأنه يعلم أننا في الغرفة.
ابتسم ابتسامة غامضة وقال
مبروك... أنتم وصلتوا للمرحلة الأولى.
ثم رفع جهاز تحكم صغيرًا بيده.
وأضاف بهدوء
لكن المشكلة... إنكم دخلتم المكان بعد دقيقة واحدة من اللازم.
ضغط الزر...
وفجأة بدأ عداد أحمر على الحائط يومض.
0059... 0058... 0057...
ثم دوى صوت إنذار في أنحاء المصنع...
بينما انغلقت جميع الأبواب الحديدية تلقائيًا توقفنا عن الحركة تمامًا.
كان صوت الخطوات يقترب ببطء...
طق... طق... طق...
ثم ظهر ظل طويل عند باب الغرفة.
رفع الرجل المصباح نحو وجهه.
وعندما رأيته...
عرفته فورًا.
إنه الضابط الذي كان يتولى التحقيق في قضية ابنتي منذ البداية.
تنفست الصعداء.
الحمد لله... أخيرًا الشرطة وصلت.
لكن ميلز لم يتحرك.
ظل ينظر إليه دون أن ينطق.
همست
مالك؟
قال بصوت منخفض جدًا
ده مش نفس الضابط.
نظرت إليه باستغراب.
إزاي؟
أشار إلى كتف الرجل.
رتبته مختلفة... والضابط الحقيقي كان عنده أثر حرق في إيده اليسرى.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
الرجل ابتسم.
ابتسامة باردة.
ثم قال
ملاحظتك ممتازة يا ميلز.
عرف اسمه...
رغم أننا لم ننطق به.
في تلك اللحظة أدركنا...
أنه لم يكن شرطيًا.
كان يرتدي الزي فقط.
أغلق الباب خلفه بهدوء.
ثم نظر إلى الهارد الموجود في يدي.
وقال
سلميه... وننهي الموضوع.
شدد ميلز قبضته على الهارد.
مستحيل.
ابتسم الرجل.
وأخرج جهازًا صغيرًا من جيبه.
ضغط عليه.

فانطفأت كل الشاشات في الغرفة دفعة واحدة.
ثم أضاءت شاشة واحدة فقط.
ظهرت عليها...
ابنتي.
كانت نائمة في سريرها داخل غرفتها.
صرخت
دي كاميرا بيتنا!
ابتسم الرجل مرة أخرى.
إحنا بنوصل لأي مكان.
ثم حرك الصورة.
ظهر شخص يقف خارج نافذة غرفة ابنتي.
وجهه مغطى.
لكنه كان يراقبها.
شعرت أن قدمي لم تعودا تحملانني.
إنتوا عملتوا إيه؟!
قال ببرود
لسه... معملناش حاجة.
ثم أشار إلى الهارد.
ده مقابل أمان بنتك.
ساد صمت قاتل.
كنت أنظر إلى الشاشة...
ثم إلى الهارد.
إذا سلمناه...
ستضيع الحقيقة.
وإذا احتفظنا به...
فربما يعرض ذلك ابنتي للخطر.
وقبل أن أتخذ أي قرار...
انفتح باب جانبي في الغرفة بعنف.
ودخل آدم وهو يلهث.
كان مصابًا في كتفه، وملابسه ملطخة بالدم.
رفع مسدسًا نحو الرجل المزيف وهو يصرخ
أبعد عنها!... كفاية لحد كده!
وفي اللحظة نفسها...
استدار الرجل ببطء نحو آدم.
ثم خلع قبعة الشرطة...
وأزال اللحية الصناعية من على وجهه.
وعندما ظهر وجهه الحقيقي...
شهقت أنا وآدم في وقت واحد.
لأن الشخص الذي كان يقف أمامنا...
لم يكن غريبًا.
بل كان شخصًا من العائلة...
شخصًا كنا نظنه مات منذ أكثر من خمسة عشر عامًا انطلق صوت الإنذار في كل أرجاء المصنع.
0049... 0048...
اندفع ميلز نحو الباب الحديدي.
شده بكل قوته.
لم يتحرك سنتيمترًا واحدًا.
صرخ
اتقفلت إلكترونيًا!
أما أنا...
فلم أستطع أن أرفع عيني عن الشاشة.
آدم لم يغادر.
كان ما يزال ينظر إلينا.
لكن هذه المرة لم يكن يبتسم.
قال بهدوء
لو كنتوا سمعتوا التسجيل كامل... ما كنتوش دخلتوا الغرفة.
صرخت فيه
فين أمي؟!
نظر إلى الأرض للحظة، ثم قال
ليلي خرجت من هنا من ساعة.
مين خرجها؟
قبل أن يجيب...
ظهر شخص آخر في الشاشة.
رجل يرتدي بدلة سوداء.
لم يظهر وجهه.
فقط صوته.
قال لآدم بلهجة حادة
أنت اتكلمت كتير.
انطفأت الشاشة فجأة.
0031...
كان الوقت ينفد.
بدأ ميلز يفتش الغرفة بسرعة.
فتح الأدراج.
كسر جهازين.
ثم صاح
لقيت حاجة!
ركضت إليه.
كان يحمل ملفًا ورقيًا قديمًا.
على الغلاف مكتوب
المشروع انعكاس
فتحناه بسرعة.
أول صفحة كانت عبارة عن صور لعشرات الأطفال.
وبجوار كل طفل ملاحظات.
سهل التأثر.
الأهل كثيرو الظهور على مواقع التواصل.
مناسب لحملة الانتشار.
شعرت بالقشعريرة.
قلبت الصفحة التالية...
فتوقفت أنفاسي.
كانت صورة ابنتي.
لكن الصورة لم تُلتقط من حساباتنا.
كانت صورة لها وهي تلعب في حديقة المدرسة...
من زاوية لا يمكن أن يلتقطها إلا شخص كان يقف داخل المدرسة نفسها.
همست
كان فيه حد بيراقبها...
0017...
فجأة...
رن هاتف موجود على المكتب.
نظرنا إليه.
كان هاتفًا قديمًا.
لا يوجد عليه اسم.
فقط كلمة واحدة على الشاشة
رد.
ضغط ميلز زر الإجابة ووضعه على مكبر الصوت.
جاء صوت آدم متوترًا هذه المرة.

اسمعوني كويس... العداد ده مش قنبلة.
نظرنا إلى بعضنا.
أمال إيه؟
قال بسرعة
ده نظام مسح.
مسح إيه؟
كل الأدلة الموجودة في المصنع... أول ما يوصل للصفر، كل الأجهزة هتتحرق إلكترونيًا، والهاردات هتتمسح للأبد.
صرخت
طب نعمل إيه؟!
قال
فيه هارد واحد فقط مش متوصل بالنظام.
فين؟!
ساد صمت لثانيتين...
ثم قال
تحت الكرسي اللي واقفة جنبه.
نظرت إلى الكرسي.
كان قديمًا ومهترئًا.
قلبه ميلز بسرعة.
وجد أسفله صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحناه.
وفي داخله...
هارد أسود.
لكن لم يكن وحده.
كان فوقه ظرف أبيض.
فتحت الظرف بسرعة.
وجدت ورقة مكتوبًا عليها بخط يد أعرفه جيدًا.
خط أمي.
ولم يكن فيها سوى جملة واحدة
إذا وصل هذا الهارد إليك... فلا تثقي بآدم مهما قال... لأنه لم يخبرك بعد من التقط أول صورة لابنتك.
0003...
0002...
نظرت إلى ميلز...
ثم إلى الهارد...
ثم إلى الورقة...
وقبل أن أصل إلى الصفر...
سمعنا صوت باب حديدي يُفتح في نهاية الممر...
وأقدام شخص يقترب ببطء من الغرفة... بينما يحمل مصباحًا ويقول
أخيرًا... لقيتكم ساد صمت مرعب.
لم أستطع أن أصدق ما أراه.
حدقت في وجه الرجل ثانية...
وثالثة...
ثم خرج الاسم من فمي دون إرادة
خالي... سامح؟!
تراجعت خطوة إلى الخلف.
مستحيل...
لقد حضرنا جنازته قبل خمسة عشر عامًا.
أتذكر النعش...
أتذكر عزاءه...
أتذكر أمي وهي تبكي حتى فقدت وعيها.
كيف يقف الآن أمامي حيًا؟
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة وقال
واضح إن التمثيلية كانت مقنعة.
أما آدم...
فخفض سلاحه للحظة، وكأنه هو الآخر لم يتوقع أن يرى هذا الوجه.
قال بصوت غاضب
كنت فاكر إنك هتفضل مستخبي للأبد.
ضحك سامح.
وأنت كنت فاكر إنك هتقدر توقفني؟
لم أفهم شيئًا.
صرخت
حد يفهمني... إيه اللي بيحصل؟!
نظر إليّ آدم، ثم قال
كل اللي عرفتيه لحد دلوقتي... مجرد جزء صغير.
وأشار إلى سامح.
هو اللي أسس الشبكة.
شبكة إيه؟
شبكة بتجمع صور الأطفال من أي مكان... وتستخدمها في حملات تلاعب وانتشار وابتزاز... وأي حد يعترض...
نظر إلى سامح.
...يختفي.
ارتجفت يداي.
التفت إلى سامح.
يعني... أنت السبب في اللي حصل لبنتي؟
ابتسم ابتسامة غامضة.
ثم قال
لا.
تجمدت.
أنتِ السبب.
شعرت وكأن أحدًا صفعني.
إيه؟!
قال بهدوء
أنتِ اللي كنتِ بتنشري صورها في كل مناسبة... عيد ميلاد... مدرسة... رحلة... أول يوم دراسة... وكل صورة كانت بتدينا معلومة.
بدأت أسترجع كل ما نشرته عبر السنوات.
أماكن...
تواريخ...
زي المدرسة...
الحديقة...
كل شيء.
أخفضت رأسي.
لم أكن أتخيل أن شيئًا بهذه البراءة يمكن أن يُستغل بهذه الطريقة.
لكن قبل أن يتكلم سامح مرة أخرى...
سمعنا صوت إطلاق نار.
دوووم!
اخترقت الرصاصة الزجاج خلفه.
التفت الجميع.
كانت قوة خاصة تقتحم المصنع من جميع الجهات.
صرخ أحد الضباط
ارموا
السلاح! المكان محاصر بالكامل!
نظر سامح حوله بسرعة.
ثم ابتسم ابتسامة أخيرة.
وقال
تفتكروا إن القبض عليّ هيخلص اللعبة؟
وأخرج جهازًا صغيرًا من جيبه.
ضغط عليه.
وفي اللحظة نفسها...
رنّت عشرات الهواتف الموجودة على الطاولة معًا.
شاشاتها أضاءت برسالة واحدة
تم إرسال النسخة الاحتياطية.
نظر آدم إلى الشاشة واتسعت عيناه.
ثم همس
لا...
سألته
إيه اللي حصل؟
رد بصوت مرتجف
كل الملفات اللي على الهارد... اتبعت لحد تاني.
وقبل أن يتمكن أي شخص من إيقافه...
ألقى سامح الجهاز من النافذة وقفز خلفه إلى الظلام...
بينما دوى صوت الضباط وهم يطاردونه في الخارج.
أما أنا...
فبقيت واقفة أحدق في الرسالة على الشاشة.
لأن أسفلها ظهر اسم المستلم.
اسم واحد فقط...
L.
ولم يكن أحد يعرف...
هل المقصود به ليلي...
أم شخص آخر لم يظهر بعد؟في اللحظة التي قفز فيها سامح من النافذة...
أطلقت القوة الخاصة النار على إطارات السيارة التي كانت تنتظره.
حاول الهرب راكضًا وسط الظلام.
لكن بعد دقائق...
وصل صوت عبر أجهزة اللاسلكي
تم القبض على الهدف.
أغمضت عيني لأول مرة منذ أيام.
انتهى الكابوس...
أو هكذا ظننت.
بدأت الشرطة تفريغ محتويات الهارد.
لم يكن يحتوي على صور ابنتي فقط.
بل آلاف الملفات.
قوائم بأسماء أطفال.
صور معدلة.
محادثات.
وحسابات بنكية كانت تستقبل أرباحًا من نشر المحتوى المسيء.
كل فرد في الشبكة كان مسجلًا بالاسم.
حتى الأشخاص الذين كانوا يختبئون خلف حسابات وهمية.
وفي أقل من أسبوع...
تم القبض على أكثر من ثلاثين شخصًا في محافظات مختلفة.
أما سامح...
فاعترف بكل شيء.
اعترف أنه زيف
خبر موته بمساعدة أحد العاملين في المستشفى قبل خمسة عشر عامًا، ليختفي ويبدأ شبكة إجرامية استغلت الإنترنت والإعلانات والابتزاز.
واعترف أيضًا أن أمي...
لم تكن العقل المدبر.
بل كانت ضحية لابتزازه.
كان يهددها بأنه سيؤذي أبناءها وأحفادها إذا لم تساعده في الوصول إلى صور العائلة.
ولهذا كانت تتصرف بغرابة.
ولهذا أخفت الحقيقة.
ولذلك أيضًا طلبت من آدم أن يحاول إيقافه في السر.
أما آدم...
فجلس أمامي بعد انتهاء التحقيق.
قال وهو ينظر إلى الأرض
أنا غلطت لما اختفيت... وغلطت لما حاولت أحارب لوحدي... لكن والله ما كنت يومًا ضدك.
مد يده نحوي.
ترددت طويلًا.
ثم صافحته.
لم نستطع استعادة السنوات التي ضاعت...
لكننا استطعنا أن نبدأ من جديد.
بعد ستة أشهر...
عادت ابنتي إلى حياتها الطبيعية.
وفي أول يوم إجازة...
طلبت أن نذهب إلى البحر.
كانت تركض على الرمال وتضحك.
التفتت إليّ وقالت
ماما... ممكن تصوريني؟
تجمدت للحظة.
ثم ابتسمت.
أخرجت هاتفي.
التقطت لها صورة جميلة وهي تضحك تحت أشعة الشمس.
لكن هذه المرة...
لم أرفعها على أي موقع.
احتفظت بها في هاتفي فقط.
لأنني أدركت
أن أجمل الذكريات...
ليست تلك التي يراها ملايين الغرباء.
بل تلك التي تبقى محفوظة بين أفراد العائلة.
وفي طريق العودة...
أمسكت ابنتي يدي وهمست
أنا مبقتش بزعل لما حد يبصلي.
ابتسمت لها.
ليه؟
ضحكت وقالت
لأني عرفت إن قيمتي مش في صورة... قيمتي في الناس اللي بتحبني بجد.
ابتسم ميلز وهو يقود السيارة.
وأمسك بيدي.
ولأول مرة منذ بدأت تلك الكارثة...
شعرت أن عائلتنا لم تنجُ فقط...
بل خرجت منها أقوى مما كانت.
تمت.

تم نسخ الرابط