عيطت
نسبقهم بخطوة.
في اللحظة دي، رن موبايل نادية مرة تانية.
رسالة واحدة.
لو عايزة تعرفي مين زوّر قسيمة جوازك... روحي لخزنة فرع البنك في شارع التحرير. المفتاح تحت دواسة عربية حسام.
نادية اتسعت عينيها.
مين بعت الرسالة دي؟
كريم أخد الموبايل بسرعة.
الرقم... غير موجود.
ولا يمكن تتبعه.
خرجوا من البيت من الباب الخلفي، ولما وصلوا لعربية حسام، لقت نادية المفتاح فعلًا تحت الدواسة.
اتبادلوا نظرة صامتة.
الرسالة كانت حقيقية.
بعد نصف ساعة، كانوا واقفين قدام خزنة البنك.
الموظف طلب بطاقة نادية، ثم فتح الخزنة.
كان بداخلها صندوق خشبي صغير.
فتحته بيدين مرتعشتين.
فيه عشرات المستندات، وأسطوانة تسجيل قديمة، ومظروف أصفر مكتوب عليه
يُفتح إذا حاول حسام التخلص من نادية.
فتحت المظروف بسرعة.
كان فيه خطاب بخط رجل اسمه إبراهيم الشرقاوي... والد حسام.
بدأت تقرأ
إذا وصل هذا الخطاب إلى نادية، فاعلمي أن ابني تجاوز كل الحدود. حاولت أمنعه، لكنه اختار الطمع. لقد زوّر أوراقًا، وأخفى ممتلكات، واستعان بمأذون فاسد ومحامٍ مرتشٍ... وإن حدث لي شيء، فاعلمي أن حياتي لم تنتهِ طبيعيًا.
شهقت نادية.
رفعت رأسها ببطء نحو كريم.
وقبل أن تنطق...
سمع الاثنان صوت تصفيق هادئ يأتي من خلفهما.
استدارا بسرعة...
فوجدا حسام واقفًا عند باب غرفة الخزائن.
رغم أنه كان من المفترض أن يكون في المستشفى مصابًا بالجلطة.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
واضح إن الرجوع بالزمن مش حصل ليكم لوحدكم... أنا كمان فاكر كل حاجة اتجمدت نادية مكانها.
أما كريم، فاتراجع خطوة وهو بيبص لأبوه بعدم تصديق.
قال بصوت مخنوق
مستحيل... الدكتور قال إنك في العناية المركزة!
ضحك حسام بهدوء.
كنت لازم أخرج. لما شفت
رفع عينيه ناحية نادية وقال
المرة دي ما جريتيش تنقذيني... ودي أول علامة.
نادية ضمت المظروف لصدرها وقالت بثبات
خلاص يا حسام... اللعبة انتهت.
ابتسم بسخرية.
لسه بدأت.
وبحركة سريعة، أخرج جهاز تسجيل صغير من جيبه وضغط على زر التشغيل.
خرج صوت واضح...
صوت نادية نفسها.
أنا اللي فتحت الخزنة... وأنا اللي أخدت المستندات.
قال حسام وهو يبتسم
التسجيل ده هيخلي الكل يصدق إنك حاولتي تسرقي أوراقي.
هزت نادية رأسها.
لا... لأنك نسيت حاجة.
رفع حاجبه باستغراب.
أخرجت من حقيبتها هاتفها.
وضغطت على زر التسجيل.
ابتسمت وقالت
من أول ما دخلت، وأنا مسجلة كل كلمة قولتها.
اختفت الابتسامة من على وجه حسام لأول مرة.
لكن قبل أن يرد...
دخل رجال الشرطة إلى غرفة الخزائن.
وفي المقدمة كان الرائد محمود.
رفع بطاقته وقال
أستاذ حسام الشرقاوي... أنت مقبوض عليك.
ابتسم حسام بثقة.
بتهمة إيه؟
اقترب الرائد وقال
التزوير، وإخفاء مستندات رسمية، وغسل أموال...
ثم أضاف وهو ينظر إلى المظروف في يد نادية
ولو المستندات دي صحيحة... هتضاف ليها تهم أكبر بكتير.
في اللحظة دي...
ضحك حسام بصوت عالٍ.
ضحكة خلت الجميع يسكت.
ثم قال بهدوء مخيف
قبضتوا على الشخص الغلط...
لأن اللي زوّر قسيمة الجواز...
مش أنا.
كل الأنظار اتجهت إليه.
وأشار بإصبعه ناحية شخص كان واقفًا خلف رجال الشرطة منذ البداية...
المحامي أشرف فوزي.
وشّ المحامي اصفر فجأة...
وأدرك أن السر الذي أخفاه لأربعين سنة... انكشف أخيرًا اصفرّ وجه المحامي أشرف فوزي.
اتراجع خطوة وهو بيهز راسه بعصبية.
كدب... ده بيحاول يلبسني كل حاجة!
لكن حسام ابتسم ابتسامة غريبة.
افتحوا الدرج اليمين في
الرائد محمود بص لواحد من الضباط.
بعد أقل من ساعة، رجع الضابط وهو شايل دفتر جلد أسود قديم.
حطه على الترابيزة.
فتح أول صفحة...
وكانت المفاجأة.
كل صفحة فيها اسم...
وتاريخ...
ورقم قضية...
ومبلغ مالي.
وعند اسم نادية كان مكتوب
قسيمة زواج مزورة 200 ألف جنيه.
سكتت القاعة كلها.
الرائد محمود رفع عينه للمحامي.
تقدر تفسر ده؟
أشرف انهار فجأة.
قعد على الكرسي ودفن وشه بين إيديه.
وبعد لحظات من الصمت قال
أنا... أنا اللي زورت القسيمة.
شهقت نادية.
لكنها كانت مستنية يكمل.
رفع رأسه وعينيه مليانة دموع.
بس... حسام ما كانش أول واحد طلب مني.
كل الموجودين بصوا له.
قال بصوت مرتعش
اللي جالي الأول... كانت سلوى.
ساد صمت ثقيل.
كريم همس
أمي...
أكمل أشرف
هي اللي قالت إن نادية لازم تفضل فاكرة إنها زوجة حسام... لأنها كانت محتاجة حد يرعاه، ويصرف عليه، ويخدم أهله... من غير ما يطالب بأي حق.
نادية حست إن رجليها خانتها.
يعني...
من أول يوم...
كانت حياتها كلها جزءًا من خطة.
وفجأة، فتح باب القاعة.
دخلت سلوى بكل هدوء، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي.
خلعت نضارتها، وبصت مباشرة لنادية.
وقالت بثقة
أيوه... أنا اللي بدأت الخطة.
لكن...
حسام نفسه ما يعرفش الحقيقة الكاملة.
ابتسمت ابتسامة باردة، ثم قالت
لأن الشخص اللي كتب السيناريو كله... ماكنش أنا.
كان... شخص من عيلة نادية نفسها.
وساعتها، لفتت نظرها إلى صورة قديمة كانت مع المستندات.
نادية مسكت الصورة بإيد مرتعشة...
ولما قلبتها...
قرأت الاسم المكتوب خلفها.
إهداء إلى أخي... عبد الحميد.
كان اسم والدها النهاية
نادية فضلت ماسكة الصورة وهي مش قادرة تتكلم.
لكن بعد ثوانٍ، رفعت رأسها
لأ... أبويا مستحيل يعمل كده.
ابتسم الرائد محمود وقال
وإنتِ عندك حق.
أخرج ملفًا قديمًا ووضعه أمام الجميع.
والدك عبد الحميد كان أول واحد اكتشف التزوير. ولما عرف إن حسام وسلوى والمحامي أشرف بيخططوا للنصب عليك، رفض يشاركهم، وهدد يبلغ عنهم.
فتح الرائد الملف.
كانت فيه محاضر قديمة ورسائل بخط عبد الحميد.
وفي آخر رسالة كتب
لو حصل لي حاجة، فأنا بريء. بنتي نادية ضحية، وأرجو ألا يضيع حقها.
شهقت نادية وهي تبكي.
يعني أبوها مات وهو بيحاول يحميها.
التفت الرائد إلى حسام وقال
التحقيقات أثبتت إنك أخفيت الرسائل دي، وزورت أوراق الزواج، وسجلت الممتلكات بأسماء مختلفة، واستغليت نادية أربعين سنة من غير أي حق.
أما سلوى، فاعترفت إنها شاركت في الخطة مقابل
الحفاظ على ثروة حسام.
والمحامي أشرف اعترف بكل وقائع التزوير أمام النيابة.
بعد شهور من المحاكمات...
صدر الحكم.
حُكم على حسام وسلوى وأشرف بالسجن لسنوات طويلة، وأُلغيت كل العقود التي ثبت أنها تمت بالتزوير.
كما قضت المحكمة برد كل الأموال التي أثبتت نادية أنها دفعتها من ميراث والدها، مع تعويض مالي كبير عن سنوات الغش والتدليس.
أما كريم...
فوقف أمام نادية وهو يبكي.
سامحيني... أنا صدقتهم وضيعت أحن إنسانة في حياتي.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت
المسامحة لله... لكن بعض الكسور عمرها ما ترجع زي الأول.
تركت له فرصة يبدأ حياته من جديد، لكنها اختارت أن تعيش بعيدًا عنه حتى يستحق ثقتها من جديد.
بعد عام...
كانت نادية قد اشترت بيتًا صغيرًا يطل على النيل، وعادت لعملها الذي تركته منذ سنوات، وافتتحت جمعية لمساعدة النساء اللاتي تعرضن للنصب أو الخداع في الزواج، حتى لا تعيش امرأة أخرى ما عاشته
وفي آخر مشهد...
وقفت أمام صورة والدها، ووضعت بجوارها وردة بيضاء.
وقالت والابتسامة تملأ وجهها
المرة دي... رجعت حقي، وحافظت على كرامتي... ووفيت بوعدي ليك يا بابا.
تمت.