طردها جوزها من البيت
المحتويات
تبص للمشهد وهي دموعها نازلة.
يونس بص لها باستغراب.
دي... أختي؟
ابتسمت زينب وسط دموعها.
أيوه... دي سلمى، أختك اللي اتولدت بعد ما خرجت من القصر.
قرب يونس من سلمى، وقال
يعني طول السنين دي كان ليا أخت وأنا معرفش؟
سلمى حضنته وهي بتعيط.
وأنا كان نفسي يبقى عندي أخ كبير.
ولأول مرة من عشرين سنة، حسّت زينب إن ربنا رد لها جزءًا من حقها.
لكن فرحتهم ما كملتش...
لأن عربية فخمة وقفت قدام البيت، ونزل منها جلال.
كان شعره شاب، وملامحه اتغيرت، لكن كبرياؤه لسه ظاهر.
وقف يبص ليونس وهو واقف جنب زينب، وقال بغضب
ارجع معايا حالًا يا يونس... وسيب الست دي.
رفع يونس رأسه لأول مرة في حياة أبوه، وقال بثبات
دي مش الست دي... دي أمي. والنهارده عرفت الحقيقة كلها... ومن النهارده مش هسمح لحد يظلمها تاني.
اتغيرت ملامح جلال، لأنه أدرك أن الأسرار التي أخفاها عشرين عامًا بدأت تنهار... وأن المواجهة الحقيقية لم تبدأ إلا الآن وقف جلال مكانه وهو شايف ابنه لأول مرة يقف قدامه من غير خوف.
قال بصوت حاول يخليه قوي
يعني هتسيب أبوك علشان واحدة رمتكم ومشيت؟
يونس بصله بثبات وقال
كفاية كذب يا أبوي... عرفت كل حاجة. عرفت إنك إنت اللي طردتها، وإنت اللي حرمتني منها عشرين سنة.
سكت جلال، ولأول مرة معرفش يرد.
زينب مسكت إيد سلمى وقالت بهدوء
امشوا يا ولاد... أنا ماليش كلام معاه.
لكن جلال نادى عليها
استني يا زينب... اسمعيني.
لفت ناحيته، وكانت نظرتها كلها وجع سنين.
بعد العمر ده كله... فاضل إيه يتقال؟
نزل جلال رأسه وقال بصوت مكسور
ظلمتك... ويمكن ده أكبر ذنب عملته في حياتي.
يونس اتصدم... عمره ما شاف أبوه بيعترف بغلطه.
لكن زينب قالت بحزم
الاعتذار بيرجع العمر؟ بيرجع أول خطوة
معرفش جلال يجاوب.
وفجأة...
طلع راجل كبير من العربية كان ساكت طول الوقت.
أول ما زينب شافته، وشها اصفر.
همست
عمي...!
كان عبدالرحمن، عم جلال، وكبير العيلة.
قال بصوت هادئ
يا زينب... أنا جيت علشان أقول الحقيقة اللي اتدفنت عشرين سنة.
بصلهم كلهم وقال
جلال ما طردكيش من دماغه بس... كان في واحد زور له دليل وخلاه يصدق إنك خنتيه.
شهقت سلمى وقالت
مين؟
رد عبدالرحمن
ابن عم جلال... منصور.
وأكمل
منصور كان طمعان في أرض العيلة. وكان عارف إن وجودك جنب جلال هيمنعه يسيطر على كل حاجة، فلفق صور وخطابات كدب، وخلى جلال يصدق إنك خنتيه... ولما اكتشف الحقيقة بعد سنين، كان الأوان فات، وخاف يعترف لأنه كان هيخسر ابنه واحترام الناس.
التفتت الأنظار كلها إلى جلال.
نزلت دموعه لأول مرة أمام الجميع، وقال
أيوه... أنا اكتشفت الحقيقة بعد فوات الأوان... لكن خوفي وكبريائي منعوني أدور عليكي.
زينب أغمضت عينيها، والدموع نزلت في صمت.
أما يونس، فقبض على يده وقال
يبقى اللي ضيع عمرنا كله... لسه عايش، ولازم يتحاسب في اليوم التالي...
جمع يونس كل أفراد العائلة في الديوان الكبير، وأصر إن منصور يحضر.
دخل منصور وهو واثق من نفسه، وقال باستهزاء
خير يا ولاد العم؟ إيه الاجتماع ده؟
رد يونس وهو حاطط قدامه ملف قديم
الاجتماع ده علشان الحقيقة اللي دفنتها عشرين سنة.
ابتسم منصور وقال
حقيقة إيه؟!
فتح يونس الملف، وطلع منه جوابًا قديمًا، وتقارير، وصور أصلية أثبتت إن الصور اللي اتقدمت لجلال كانت مزورة.
ثم دخل رجل مسن وقال
أنا المصور اللي اتجبرت أركب الصور دي... ومنصور هو اللي دفعلي فلوس، وأنا مستعد أشهد قدام أي محكمة.
اتغير
صرخ جلال فيه
يعني ضيعت بيتي... وحرمتني من مراتي وابني عشرين سنة علشان شوية أرض؟!
حاول منصور يهرب، لكن رجال العائلة منعوه، وبعدها بلغوا الشرطة، وتم القبض عليه وبدأت التحقيقات.
خرج جلال من الديوان وهو حاسس إن الدنيا كلها فوق كتفه.
وقف قدام زينب وقال
أنا عارف إن مفيش اعتذار هيعوضك، ومش بطلب ترجعيلي... بطلب بس تسامحيني قبل ما أموت.
بصت له زينب طويلًا، ثم قالت
أنا سامحتك علشان قلبي يرتاح... لكن اللي اتكسر بينا عمره ما هيرجع زي الأول.
هز جلال رأسه وهو راضٍ بالحكم.
أما يونس، فقرر يترك القصر ويعيش بجوار أمه وأخته في القاهرة، وعوضهما عن كل السنوات التي ضاعت.
وسلمى حققت حلمها، وتخرجت في كلية الحقوق، وأصبحت محامية تدافع عن المظلومين، وكانت أول قضية تتولاها هي استرداد حقوق أمها القانونية.
أما زينب، فكانت كل صباح تنظر إلى ولديها وهما يجلسان على مائدة واحدة، وتبتسم وهي تقول
ربنا قد يؤخر الفرج... لكنه لا ينسى دعوة أم مكسور قلبها.
تمت النهاية. بعد مرور سنة...
كانت زينب قاعدة في شرفة بيتها الجديد في القاهرة، تشرب الشاي وهي بتضحك لأول مرة من قلبها.
دخل يونس وهو شايل كيس حلويات، وقال بابتسامة
النهارده لازم نحتفل.
ضحكت زينب وقالت
خير يا ولدي؟
رد وهو يبوس إيدها
المحكمة حكمت برد كل حقوقك... ونصيبك من أملاك العيلة رجع باسمك رسمي.
نزلت دموع زينب، وقالت
والله ما كنت عايزة فلوس... كنت عايزة ولادي.
ابتسمت سلمى وقالت
وربنا اداكي الاتنين يا أمي.
في نفس الوقت...
كان جلال عايش لوحده في القصر الكبير.
القصر اللي كان زمان مليان ناس، بقى ساكت بشكل يخوف.
كل يوم كان يقعد قدام صورة قديمة لزينب ويقول
لو الزمن يرجع دقيقة
وفي يوم، حس بألم شديد في صدره، واتنقل للمستشفى.
أول شخص دخل عليه كان يونس.
بصله جلال والدموع في عينه.
كنت متأكد إنك مش هتيجي.
رد يونس بهدوء
مهما حصل... إنت أبويا.
مسك جلال إيده وقال
أوعدني تفضل سند لأختك وأمك... ومتكررش غلطتي.
هز يونس رأسه وهو متأثر.
وبعد أيام قليلة، توفي جلال بعد صراع مع المرض.
قبل وفاته، كتب وصية أوصى فيها بأن يُقسَّم ميراثه بالعدل، واعترف فيها بكل ما فعله من ظلم، وطلب من الجميع ألا يكرهوا زينب، لأنها كانت المظلومة وليست الظالمة.
وفي يوم قراءة الوصية، وقف كبير العائلة وقال
آخر كلام قاله جلال قبل ما يموت قولوا لزينب... سامحيني.
أغمضت زينب عينيها، ورفعت إيديها للسماء وقالت
اللهم اغفر له، واعفُ عنه، فأنت أرحم الراحمين.
وبدأت العائلة صفحة جديدة، بعد أن دفعت ثمن الكبر والظلم عشرين عامًا كاملة، وأصبح يونس وسلمى مثالًا للأخوة التي لم تهزمها السنين، بينما ظلت قصة زينب شاهدًا على أن الصبر قد يطول... لكن العدل يأتي في النهاية، ولو بعد حين. بعد ثلاث سنوات...
كانت الحياة رجعت هادئة، لكن في صباح يوم جمعة، رن هاتف يونس.
رد بهدوء، لكن ملامحه اتغيرت فجأة.
سلمى سألته بقلق
في إيه يا يونس؟
قال بصوت متوتر
في راجل من الصعيد بيقول إنه معاه سر خطير يخص أمي... ولازم يشوفها النهارده.
وصل الرجل بعد ساعات، وكان شيخًا كبيرًا تجاوز السبعين.
أول ما شافت زينب ملامحه، اتسعت عيناها.
عم سالم؟! لسه عايش؟
هز رأسه وقال
كنت مستني اليوم ده من عشرين سنة.
أخرج من جلبابه صندوقًا خشبيًا صغيرًا، وقال
الصندوق ده أبوكي الله يرحمه سابه أمانة عندي. قالي متسلموش لزينب إلا لما يجتمع ولادها حواليها.
فتحت زينب الصندوق
كان فيه عقد ذهب قديم، وصورة لها وهي صغيرة مع أبوها، ورسالة.
فتحت الرسالة، وبدأت تقرأ وهي تبكي
يا بنتي زينب... لو
متابعة القراءة