جوزى سابنى انا وبناتى
وقبل ما الباب يتقفل سمعنا صوت رجل بيصرخ
عارف إنكم هنا! سلّموا الدفتر وخلاص!
عرفت الصوت...
كان صوت شريك جوزي القديم.
خرجنا من النفق بعد دقائق، ووصلنا لبيت قديم في آخر الشارع.
هناك، فتح الحاج فؤاد التسجيل مرة أخرى.
قال
لازم تسمعي باقي الرسالة.
اشتغل الصوت
أنا والد سلمى... حصلت خيانة من أقرب الناس ليا. اكتشفت إن فيه ناس بتستخدم الأطفال وأسماءهم عشان يغطوا على جرائم مالية. لما حاولت أبلغ، هددوني ببنتي. اضطررت أختفي عشان أحميها.
سلمى كانت بتسمع وهي ساكتة.
دموعها نزلت وقالت
يعني بابا كان بيحبني؟
قربت منها وحضنتها
أكيد يا حبيبتي... أكيد كان بيحبك.
في اللحظة دي، رن هاتف الحاج فؤاد.
نظر للشاشة، ثم قال
ده رقم قديم... الرقم ده مستحيل يشتغل إلا لو صاحبه عايز يوصلنا.
رد.
وفجأة تغيرت ملامحه.
ناولني الهاتف.
سمعت صوت رجل هادئ
أخيرًا... قدرت أوصلك يا بنتي.
اتجمدت.
بصيت للحاج فؤاد.
قلت
بنتي؟
الصوت كمل
أنا مش هطلب منك تصدقي أي حاجة دلوقتي... لكن لازم تعرفي إن سلمى مش بس بنتي... هي مفتاح كشف أكبر جريمة حصلت في العيلة دي.
سكت لحظة، ثم قال
أنا والد سلمى... وأنا عايش.
وقعت الموبايل من إيدي.
بعد 15 سنة من الغياب...
الرجل اللي اعتقدنا إنه اختفى للأبد...
كان على الطرف الآخر من المكالمة فضلت واقفة مكاني مش قادرة أتكلم.
كل الأفكار كانت بتجري في دماغي مرة واحدة.
أبو سلمى عايش؟!
الحاج فؤاد أخذ الهاتف مني بهدوء وقال
لازم نتأكد الأول... ممكن يكون فخ.
لكن الصوت من الناحية التانية قال
فؤاد... فاكر يوم ما أنقذتني من رجالة أبو جوزها؟ فاكر المكان اللي خبّيت فيه الأوراق؟ أنا مش غريب عليك.
سكت الحاج فؤاد.
وبعد لحظات قال
محمود؟
الصوت رد
أيوه... أنا محمود.
جلست على الكرسي
بعد دقائق اتفقنا نقابله في مكان آمن.
وفي اليوم التالي، دخل علينا رجل في الخمسينات.
كان ملامحه هادئة، لكن عينيه مليانة تعب سنين.
أول ما شاف سلمى...
وقف مكانه.
وسلمى بصتله باستغراب.
قال بصوت مكسور
كبرتي يا بنتي...
لم تتحرك.
نظرت لي وقالت
ماما... مين ده؟
اقترب الرجل ببطء، ولم يحاول يلمسها.
قال
أنا الشخص اللي اتحرم منك غصب عني.
أخرج صورة قديمة.
كانت صورة لطفلة صغيرة بين ذراعيه.
نفس الإسورة الذهبية كانت في يدها.
سلمى بدأت تبكي.
إنت كنت عارف عني؟
هز رأسه
كنت عارف كل يوم في حياتك... كنت بعيد عشان أحميكي. كل مرة كنت أشوفك من بعيد، كان نفسي أجري وأحضنك، لكن كنت عارف إن ظهوري هيعرضك للخطر.
سألته بغضب ودموع
ليه سبتني؟
خفض رأسه.
لأني وثقت في ناس غلط... ولما اكتشفت الحقيقة كان الوقت فات.
ثم نظر لي وقال
لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.
اقترب من الطاولة ووضع ملفًا أمامنا.
جوزك ما كانش بس بيحاول يستغل اسم سلمى...
فتح الملف.
كانت فيه مستندات تثبت أن هناك شخصًا آخر وراء كل شيء.
شخص لم نتوقعه أبدًا...
والد جوزي نفسه.
قال محمود
هو اللي بدأ الخطة من البداية... وهو اللي حاول يخفي حقيقة نسب سلمى عشان يسيطر على أموال عيلتكم.
وفي نفس اللحظة...
وصلت رسالة على هاتف الحاج فؤاد.
فتحها.
وكان مكتوب فيها
ابعدوا عن الحقيقة... المرة دي مش هسيب حد ينجو.
نظرنا لبعضنا.
وعرفنا إن المعركة الحقيقية...
لسه ما بدأتش بدأنا نفهم إن اللي حصل طول السنين اللي فاتت ماكانش مجرد طمع شخص واحد.
كان فيه خيط طويل من الأسرار مربوط ببعضه.
محمود فتح الملف وقال
قبل ما أختفي، كنت شغال على كشف شبكة كبيرة بتستخدم أسماء أطفال في شركات وهمية. لما قربت أوصل للرأس الكبير... اختفوني
سألته
يعني جوزي كان عارف إنك عايش؟
هز رأسه
لا... كان فاكر إني انتهيت. لكنه كان عارف إن فيه حد ممكن يفضحه، عشان كده كان مستعجل يسيطر على أوراق سلمى.
سلمى كانت ساكتة طول الوقت.
ثم قالت بصوت ضعيف
أنا تعبت من الأسرار... كل واحد بيقول إنه بيحميني، وفي الآخر أنا اللي بدفع الثمن.
الكلمة دي وجعتني.
قربت منها وقلت
معاكي حق يا بنتي... بس أوعدك إن من النهارده مفيش حد هيخبي عنك حاجة.
في اللحظة دي، رن جرس الباب.
اتوترنا كلنا.
الحاج فؤاد قرب من العين السحرية.
وبص للخارج.
رجع وهو وشه متغير.
قال
هو هنا.
سألته
مين؟
رد بصوت منخفض
جد جوزك... الشخص اللي بدأ كل ده.
بعد دقائق، سمعنا صوته من خلف الباب
أنا مش جاي أؤذي حد... أنا جاي أتكلم.
محمود قال
ما تصدقهوش.
لكن الرجل دخل بعد أن فتح له الحاج فؤاد، وكان معه محامٍ وملف كبير.
جلس وقال
أنا عارف إنكم فاكريني الشرير في القصة... ويمكن معاكم حق. لكن فيه جزء من الحقيقة محدش يعرفه.
نظر إلى سلمى وقال
أمك كانت تعرف إن حفيدي مش أبوك الحقيقي، لكنها أخفت الحقيقة عن الجميع.
شهقت.
قلت
أمي؟
فتح الملف وأخرج ورقة.
دي رسالة من أمك... كتبتها قبل وفاتها.
مدها لي.
إيدي كانت ترتجف وأنا أفتحها.
وكان أول سطر فيها
أنا آسفة يا بنتي... أخفيت عنك الحقيقة لأن الحقيقة كانت هتدمر عيلتين.
رفعت عيني وأنا مصدومة.
لأنني بدأت أدرك...
أن السر الأكبر لم يكن عن جوزي...
بل عني أنا فتحت الرسالة وأنا مش قادرة أتنفس.
كانت كلمات أمي مكتوبة بخط إيدها
يا بنتي... سامحيني. طول عمري كنت خايفة أقولك الحقيقة، مش عشان أخدعك، لكن عشان أحميكي.
وقفت عند الجملة دي.
قلبي كان بيدق بسرعة.
كملت القراءة
قبل جوازك بسنين، حصلت خيانة كبيرة من ناس قريبين
نظرت لمحمود، وكان واقف وعينيه مليانة دموع.
كملت
أما جوزك... فلم يكن هو الشخص الذي بدأ الخيانة. هو كان ضعيف، واتورط مع أبوه، وخاف يواجهه.
رفعت رأسي بدهشة.
يعني جوزي كان جزء من المؤامرة... لكنه لم يكن العقل المدبر؟
تابعت الرسالة
لكن أكبر سر هو أن والدك الحقيقي كان يعرف كل شيء. قبل وفاته، ترك مستندات تثبت ملكية الأرض، وطلب مني أخفيها حتى يأتي اليوم الذي تكوني فيه قادرة على حماية نفسك وبناتك.
شهقت.
يعني الأرض... أرض عيلتي؟
الحاج فؤاد هز رأسه
أيوه... لكن فيه مفاجأة أكبر.
أخرج من الملف عقدًا قديمًا.
وقال
أبوك لم يترك الأرض لكِ فقط... بل كتب جزءًا كبيرًا منها باسم سلمى وبناتها.
نظرت لسلمى.
كانت مذهولة.
لكن قبل ما نتكلم، سمعنا صوت سيارات تقف أمام البيت.
الحاج فؤاد نظر من الشباك.
وقال
واضح إنهم عرفوا مكاننا.
دخل الرجل الكبير الذي كان واقفًا معنا، وقال
المرة دي مش هنهرب.
ثم نظر للجميع وقال
معانا كل الأدلة... ولازم الحقيقة تظهر قدام الكل.
بعد ساعات، وفي المحكمة، وقفنا جميعًا.
ظهرت تسجيلات، ومستندات، وتحويلات مالية.
وانكشف أن والد جوزي كان يدير شبكة كبيرة من الاحتيال، وأنه استخدم ابنه كورقة لتنفيذ خططه.
أما جوزي...
فوقف لأول مرة وقال الحقيقة
أنا غلطت... وخفت أواجه أبويا. اخترت مصلحتي بدل ما أحمي الناس اللي كانوا عيلتي.
سلمى كانت تنظر له بصمت.
وبعد انتهاء الجلسة، خرجنا من المحكمة.
وقفت سلمى بجانبي وقالت
ماما... أنا مش عايزة أعيش طول عمري بنت الخوف والأسرار.
ابتسمت لها وقلت
ولا هتعيشي... من النهارده إنتِ بنت القوة.
لكن وأنا ماسكة إيدها...
وصلني ظرف صغير بدون اسم.
فتحته.
وكان بداخله سطر واحد فقط
لسه فيه شخص واحد ما ظهرش... وهو صاحب السر الحقيقي.
ونظرت للرسالة...
وعرفت إن الحكاية لم تنتهِ بعد.