حماتي كانت تاخد
الضابط في استكمال قراءة الاعتراف الضابط أخد نفس عميق، وبدأ يقرأ الورقة.
في حالة القبض علينا، المسؤول الأول عن كل الاتفاقات هو...
وسكت.
كل اللي في الغرفة كانوا مستنيين الاسم.
رفع عينه وقال
الاسم المذكور... هو محامي العيلة.
بعد دقائق، تم استدعاء المحامي.
دخل بثقة، وحط شنطته على المكتب.
لكن أول ما شاف الظرف، عرف إن اللعبة انتهت.
قال
أنا مستعد أتكلم... بس لازم الحقيقة كلها تتقال.
الضابط قال اتفضل.
قال المحامي
أنا فعلًا كنت بعمل العقود والتوكيلات... لكني ما كنتش صاحب الفكرة. كنت فاكر إن الزوجة موافقة، وإن كل حاجة بتتم برضاها. ولما اكتشفت إن توقيعات اتاخدت منها على أوراق مختلفة، انسحبت.
الضابط سأله وليه ما بلغتوش؟
رد لأنهم هددوني ينشروا مستندات مزورة باسمي ويتهموني إني شريك.
ثم أخرج فلاشة أخرى من شنطته.
وقال
دي نسخة احتفظت بيها لنفسي.
تشغلت الفلاشة.
ظهر تسجيل داخل بيت حماتي.
كانت بتقول لابنها
لو مراتك سألت عن أي ورقة، قولها دي إجراءات بنك أو تأمين... أهم حاجة متقرأش قبل ما تمضي.
وجوزي رد بصوت منخفض
ولو اكتشفت؟
قالت
وقتها هنقول إنها هي اللي كانت بتدير كل حاجة.
جوزي انهار في البكاء.
وقال
أنا غلطت لما سكت... لكني ما كنتش متخيل إن الموضوع هيكبر بالشكل ده.
بعد أسابيع من التحقيق، أثبتت تقارير الطب الشرعي وفحص المستندات أن عددًا من التوقيعات استُخدم في غير الغرض الذي وُقعت من أجله، كما ثبت وجود مستندات مزورة وأخرى تم تحريرها دون علم أصحاب الأسماء.
تم حفظ حقي في القضية، وبدأت الإجراءات لمحاسبة كل من ثبت تورطه وفقًا لما كشفته التحقيقات.
أما أنا...
فأول حاجة عملتها بعد ما خرجت من القسم، إني رجعت لكل ورقة كنت ماضية عليها في حياتي، واتعلمت درسًا عمره ما هيتنسى
مافيش توقيع يستاهل الثقة العمياء، حتى لو الورقة جاية من أقرب الناس ليك.
فتحت الورقة تاني يمكن ألاقي أي حاجة تانية.
كان في ظهرها عنوان.
مش عنوان بيت...
عنوان مستشفى قديم اتقفل من سنين.
الضابط قال نتحرك دلوقتي.
وصلنا المستشفى قبل الفجر.
المكان كان مهجور، الشبابيك مكسورة، والتراب مغطي كل حاجة.
وأول ما دخلنا، سمعنا صوت جهاز كهربا شغال.
اتبعنا الصوت لحد البدروم.
كان فيه باب حديد.
لما اتفتح...
لقينا أوضة منورة.
وفيها مكتب.
وكاميرات.
وشاشات.
وكل شاشة عليها بيت من البيوت اللي كانت أسماؤها موجودة في الدفتر الأسود.
يعني اللي كان بيدير الموضوع كان بيراقب الكل.
وفوق المكتب لقينا لابتوب لسه شغال.
الفني حاول يفتحه.
لكن أول ما ضغط زر، ظهرت رسالة
لو بتقرأ الرسالة دي... يبقى وصلت متأخر.
وبعدها بدأ الجهاز يمسح الملفات لوحده.
الفني فصل الكهرباء بسرعة، وقدر ينقذ جزء من البيانات.
وأثناء التفتيش، أحد العساكر نادى
يا فندم... في باب سري.
وراء دولاب حديد كان فيه ممر ضيق.
نزلنا فيه.
وفي آخره لقينا أوضة صغيرة.
كان فيها كرسي واحد...
وعليه جاكيت أسود.
الضابط مسكه.
وفي الجيب الداخلي كانت بطاقة شخصية.
رفعها وبص فيها.
واتغير وشه.
قلت مين؟
ناولني البطاقة.
بصيت فيها...
واتجمدت.
الاسم كان
أحمد... جوزي.
لكن تاريخ إصدار البطاقة كان من 12 سنة.
قبل جوازنا بثلاث سنين.
والعنوان المكتوب فيها ماكنش بيت أهله...
ولا أي مكان أعرفه.
كان عنوان المستشفى المهجور نفسه.
وقبل ما حد ينطق...
سمعنا صوت تصفيق جاي من آخر الممر.
لفينا كلنا.
كان راجل واقف في الضلمة.
وشه مش باين.
وقال وهو بيضحك
أخيرًا وصلتوا... بس للأسف، كل اللي عرفته لحد دلوقتي كان اللي أنا عايزكم تعرفوه.
ثم ضغط على زر صغير في إيده...
وانطفأت كل الأنوار دفعة واحدة، ودوّى إنذار في المكان، لتبدأ فوضى جديدة لم يكن أحد مستعدًا لها انطفأت الأنوار.
المكان كله غرق في الظلام.
وصوت الإنذار كان بيدوي في كل الممرات.
الضابط صرخ
محدش يتحرك لوحده!
لكن في نفس اللحظة، سمعنا صوت جري.
الكشافات اشتغلت.
جرينا ناحية الصوت.
وصلنا لآخر الممر، لقينا باب حديد مفتوح.
خلفه نفق ضيق.
دخلت قوة من الشرطة.
بعد حوالي خمسين متر، النفق انتهى عند مخزن قديم.
لكن الراجل اختفى.
كان سايب حاجة واحدة بس.
ساعة يد.
الضابط لبس جوانتي ومسَكها.
وقلبها.
كان محفور من جوه
إلى أحمد... سامحني.
بصيت للضابط.
قلت
دي ساعة جوزي.
قال
واضح إنها كانت مع الشخص اللي هرب.
وفي نفس الوقت، الفني نادى من فوق
يا فندم... قدرنا نسترجع جزء من ملفات اللابتوب.
رجعنا بسرعة.
فتحوا أول ملف.
كان عبارة عن فيديو.
شغلناه.
ظهر جوزي.
قاعد قدام الكاميرا.
واضح إنه كان متوتر.
وقال
لو الفيديو ده بيتشاف، يبقى أنا يا إما هربت... يا إما مت.
حبست نفسي.
كمل كلامه
أنا غلطت لما سمعت كلام أمي، لكن في شخص كان بيهددنا كلنا.
طلع صورة قدام الكاميرا.
الصورة كانت لنفس الراجل اللي في صورة حماتي القديمة.
وقال
اسمه الحقيقي مش حسن الجمال.
الضابط قرب من الشاشة.
جوزي كمل
اسمه... محمود الرفاعي.
وفجأة...
الفيديو وقف.
الفني قال
باقي الملف اتحذف.
وفي اللحظة دي، رن موبايل الضابط.
رد.
وسكت.
ثم قال
إحنا جايين حالًا.
قفل المكالمة، وبصلي.
قلت
في إيه؟
قال
لقوا عربية جوزك.
اتحركنا بسرعة.
العربية كانت واقفة على طريق زراعي.
الأبواب مفتوحة.
المفاتيح في الكونتاكت.
لكن مفيش حد.
وأثناء تفتيش العربية، أحد العساكر طلع ظرف من تحت الكرسي.
كان مكتوب عليه بخط جوزي
لو العربية اتلاقت قبل ما أرجع... اعرفوا إن محمود سبقكم بخطوة.
وقبل ما الضابط يقفل الظرف، سمعنا صوت عربية بتقف بعيد.
كلنا بصينا.
نزل منها راجل كبير في السن.
رفع إيده وقال
أنا أعرف محمود الرفاعي... ولو كنتوا عايزين تقبضوا عليه، يبقى لازم تسمعوا اعترافي الأول.
يتبع...نزل الراجل من العربية وهو ماسك عصاية، ووشه كان باين عليه الإرهاق.
الضابط سأله
إنت مين؟
قال
اسمي عادل... واشتغلت مع محمود الرفاعي أكتر من عشرين سنة.
اتقبض عليه واتاخد على القسم.
أول ما قعد، قال
أنا مش جاي أنكر... أنا جاي أصلح آخر غلطة عملتها.
فتح شنطة جلد قديمة، وطلع منها ملف.
الملف كان مليان صور وإيصالات وتحويلات.
لكن أكتر حاجة لفتت انتباه الضابط كانت صورة لجوزي.
الصورة كانت بتاريخ قبل جوازنا بست شهور.
وجوزي واقف قدام محل الجزارة اللي القضية كلها بدأت منه.
قلت
يعني أحمد كان يعرفه من قبل الجواز؟
عادل هز راسه وقال
كان يعرفه... لكن مش بإرادته.
الضابط سأله
وضح كلامك.
قال
أحمد كان عليه ديون بسبب مشروع فشل، ومحمود استغل ظروفه. قاله اشتغل معايا سنة، وأنا هسدد كل ديونك.
في الأول كان شغل عادي.
توصيل بضاعة، وإنهاء أوراق.
وبعدين بدأ يطلب منه يفتح شركات ومحلات بأسماء ناس من معارفه.
أحمد رفض.
لكن محمود هدده بالدين وبالحبس.
سألته وأنا بغضب
وليه استخدمني أنا؟
بص في الأرض وقال
لأن أم أحمد هي اللي اقترحت اسمك. كانت شايفة إنك بتثقي فيهم ومش هتراجعي أي ورقة تمضيها.
السكوت خيّم على الغرفة.
الضابط قلب آخر ورقة في الملف.
ولقى كشف تحويلات.
كل الفلوس كانت بتخرج من المحلات وتدخل حسابات مختلفة.
وفي آخر التحويلات...
كان فيه حساب باسم شركة الأمان للاستيراد.
الضابط قال
دي أول مرة يظهر اسم الشركة دي.
وفي نفس اللحظة، دخل ضابط تاني ومعاه خبر جديد
يا فندم... لقينا أحمد.
وقفت من مكاني.
قلت
فين؟
رد
في المستشفى.
جرينا
دخلت أوضة الطوارئ.
لقيت جوزي على السرير، مصاب لكنه صاحي.
أول ما شافني، قال بصوت ضعيف
أنا عارف إنك مش هتسامحيني... لكن اسمعيني دقيقة.
قربت منه.
طلع من تحت المخدة مفتاح صغير.
وحطه في إيدي.
وقال
ده مفتاح المكتب اللي محمود مخبي فيه كل العقود الأصلية... لو وصلتوله، هتعرفي الحقيقة كلها.
وقبل ما أكلمه، دخل الدكتور وقال
لازم يخرج دلوقتي يعمل أشعة.
أخدوه على السرير وخرج.
لكن بعد عشر دقائق...
رجع الممرض يجري وهو بيصرخ
المريض اختفى!
كل الموجودين جَروا على أوضة الأشعة.
كانت فاضية.
الشباك مفتوح.
وعلى السرير، ورقة واحدة مكتوب فيها
متدوروش على أحمد... هو اللي رايح يجيب محمود بنفسه بعد 48 ساعة من اختفاء أحمد، البلد كلها كانت بتتكلم عن القضية.
وفجأة...
رن تليفون الضابط.
المكالمة كانت قصيرة.
لكن بعدها ابتسم لأول مرة من بداية القضية.
قال
لقيناه.
خرجت قوة كاملة إلى مخزن قديم خارج المدينة.
ولما دخلوا...
لقوا أحمد واقف، رافع إيده، وبجانبه رجل آخر مكبل بالحبال.
قال أحمد
ده محمود الرفاعي... هربت من
المستشفى عشان كنت عارف إنه هيغير مكانه أول ما يعرف إن الشرطة قربت منه.
اتقبض على محمود، واتعرض على النيابة.
ومع التحقيقات، ظهرت الحقيقة كاملة.
اتضح إن محمود كان بيدير شبكة بتستغل أشخاصًا بسطاء، وتفتح شركات ومحلات بأسمائهم باستخدام توقيعات حصل عليها بالخداع أو مستندات مزورة.
أما حماتي...
فاعترفت قبل وفاتها إنها شاركت في استغلالي، وإنها كانت تظن إن الموضوع مجرد تهرب من الديون، لكنها اكتشفت بعد كده إنه أكبر من كده بكتير، وخافت تبلغ.
وجوزي...
اعترف إنه أخطأ لما سكت، ولما سلّم صورة بطاقتي، ولما سمح لأمه تستخدم اسمي، لكنه قرر في النهاية يساعد الشرطة بعد ما عرف حجم الكارثة، ولذلك سلّم كل الأدلة اللي كانت مخبية مكان العقود الأصلية.
وبعد شهور من التحقيقات، صدر الحكم.
حُكم على محمود وشركائه بالسجن لسنوات طويلة في قضايا التزوير واستعمال المحررات المزورة والنصب، بينما حصلت أنا على حكم ببراءة ساحتي بعد ثبوت أن اسمي استُخدم دون علمي في كثير من الإجراءات.
أما أحمد...
خرج من القضية ببراءة في بعض الاتهامات، وأُدين في الاتهامات التي ثبتت عليه بسبب مشاركته وسكوته، ونال عقوبته القانونية.
بعد انتهاء كل شيء، رجعت البيت.
فتحت الفريزر.
كان فاضي.
قفلته وأنا بافتكر إن كل المصيبة بدأت من كيس
واتعلمت درسًا مش هنساه طول عمري
الخير عمره ما يضيع، لكن الثقة لازم يكون ليها حدود. ومهما كان اللي قدامك قريب، ما تمضيش أي ورقة من غير ما تقراها، وما تسلمش مستنداتك الشخصية لحد من غير سبب واضح.
تمت.