جوزى طيار

لمحة نيوز

الطيران والهندسة.
ابتسمت وسط دموعي.
وقررت أكمل رسالته.
كل سنة، في عيد جوازنا، كنت أروح المدرسة وأسلم أول طالب المنحة بنفس إيدي.
وبعد عشرين سنة، وقف شاب على منصة التخرج في كلية الطيران، وقال أمام الجميع
لولا منحة الكابتن شريف... ما كنتش واقف هنا النهارده.
صفق الحضور، بينما كنت أجلس في آخر القاعة، أبتسم في صمت.
وفي طريقي إلى البيت، رفعت عيني إلى السماء، فرأيت طائرة تعبر ببطء فوق الغيوم.
همست بابتسامة هادئة
رحلتك خلصت يا شريف... لكن أثرك لسه بيبدأ كل يوم مع شخص جديد.
وهكذا بقي اسم شريف حيًا، ليس لأنه كان طيارًا بارعًا فقط، بل لأنه كان إنسانًا ترك خلفه حبًا، ورحمة، وأملًا لا ينتهي. بعد مرور سنوات طويلة، أصبحتُ أنا الجدة التي تحكي الحكايات.
كان أحفادي يلتفون حولي كل ليلة، ويطلبون مني دائمًا
احكيلنا حكاية جدو شريف والطائرة.
فأبتسم، وأبدأ من البداية...
من يوم حجزت التذكرة في السر، ومن لحظة ما سمعت صوته في المايك، ومن الخوف اللي حسيت بيه قبل ما أعرف إنه كان بيحقق حلم أمه.
وفي كل مرة أوصل لنهاية الحكاية، يسألني أصغر حفيد
يا تيتا... هو جدو كان بيحبك أوي كده؟
أرد بابتسامة
كان بيحبني بالأفعال قبل الكلام.
وفي أحد الأيام، جاءني خطاب من شركة الطيران.
كانوا قد قرروا إطلاق اسم الكابتن شريف على قاعة تدريب الطيارين الجدد، تقديرًا لسيرته المهنية وأخلاقه.
حضرت الافتتاح، وعندما أزيح الستار عن اللوحة، قرأت العبارة المكتوبة تحت اسمه
الاحتراف يصنع طيارًا... أما الأخلاق فتصنع قدوة.
شعرت وقتها أن كل سنوات التعب، وكل ساعات الانتظار، لم تذهب هباءً.
عدت إلى البيت، وفتحت ألبوم الصور للمرة الأخيرة.
توقفت عند الصورة التي التقطت لنا داخل الطائرة في عيد جوازنا الثاني عشر.
ابتسمت وأنا ألمس الصورة بأطراف أصابعي، ثم أغلقت الألبوم برفق وقلت
شكرًا يا شريف... لأنك علمتني
أن الحب لا يُقاس بطول العمر، بل بصدق الأيام التي نعيشها معًا.
وخارج النافذة، عبرت طائرة في السماء، تاركة خلفها خطًا أبيض طويلًا...
تمامًا كالأثر الجميل الذي يتركه الإنسان بعد رحيله.
انتهت الحكاية، لكن معناها يبقى في كل قلب عرف قيمة الوفاء. بعد مرور أعوام، كانت منى قد تجاوزت الثمانين من عمرها.
وفي صباح هادئ، طلبت من أولادها أن يساعدوها في الذهاب إلى المطار للمرة الأخيرة.
استغربوا، لكنهم نفذوا رغبتها.
جلست أمام المدرج، في نفس المكان الذي اعتادت الجلوس فيه كل عيد زواج، وهي تراقب الطائرات تقلع وتهبط.
أغمضت عينيها، وكأنها تسمع صوت شريف من جديد
سيداتي وسادتي... معاكم الكابتن شريف...
ابتسمت وقالت بهمس
أنا جاهزة يا شريف... المرة دي أنا اللي جاية لك.
وفي تلك اللحظة، مرّت طائرة فوقها، فرفعت رأسها إليها وابتسمت للمرة الأخيرة.
رحلت منى في هدوء، وعلى وجهها نفس الابتسامة التي ارتسمت يوم خرج شريف من قمرة القيادة يحمل لها الورود.
وبعد أيام، نفّذ أولادهما وصيتهما.
زرعوا في حديقة بيتهما شجرتي ياسمين متجاورتين، ووضعوا بينهما لوحة صغيرة كُتب عليها
هنا عاش قلبان... لم تمنعهما المسافات، ولا الرحلات، ولا الزمن، من اختيار بعضهما كل يوم.
وكان كل ربيع، تمتلئ الشجرتان بالزهور البيضاء، فيقف الأحفاد تحت ظلهما، ويحكون لأولادهم حكاية الكابتن شريف ومنى...
الحكاية التي بدأت بتذكرة طائرة سرية...
وانتهت بحبٍ بقي حيًا حتى بعد أن انتهت كل الرحلات. بعد عشرات السنين، كان أحد الأحفاد يقف في مطار القاهرة مرتديًا بدلة كابتن طيران لأول مرة.
قبل أن يتجه إلى قمرة القيادة، فتح محفظته، وأخرج صورة قديمة باهتة.
كانت صورة جده شريف وجدته منى، وهما يبتسمان داخل الطائرة في عيد زواجهما.
ابتسم وقال في نفسه
ادعولي... زي ما كنتوا بتدعوا لبعض.
صعد إلى الطائرة، وجلس في مقعد القائد.
وحين جاء
وقت الترحيب بالركاب، أمسك الميكروفون وقال
سيداتي وسادتي... معكم الكابتن عمر شريف.
ثم سكت لحظة، وأضاف
قبل سنوات طويلة، كان جدي يقف في هذا المكان، وكان يقول إن أجمل رحلة هي التي تنتهي بالعودة إلى من نحب. واليوم أهدي أول رحلة في حياتي إلى روحه وروح جدتي، اللذين علماني أن النجاح لا قيمة له إذا لم تجد في نهايته بيتًا دافئًا ينتظرك.
ساد الصمت داخل الطائرة، ثم انطلق تصفيق هادئ من الركاب.
وفي الصف الأخير، كانت تجلس طفلة صغيرة مع والدها.
سألته
هو الكابتن بيعيط ليه؟
ابتسم الأب وقال
دي دموع فرح يا حبيبتي... لأن في ناس بتموت، لكن حبها ما بيموتش.
حلّقت الطائرة في السماء، وكأنها تحمل معها قصة بدأت قبل عشرات السنين، عندما قررت زوجة أن تحجز تذكرة سرًا لتفاجئ زوجها في عيد زواجهما.
ولم تكن تعرف أن تلك التذكرة ستصبح بداية حكاية يتوارثها الأبناء والأحفاد، وتُروى كلما أقلعت طائرة نحو السماء.
وهكذا... انتهت الرحلات، لكن بقي الحب يحلّق إلى الأبد. بعد سنوات، وبينما كان الكابتن عمر يراجع سجلات قديمة في مركز تدريب الشركة، لفت نظره ملف جلدي عتيق مكتوب عليه
مقتنيات الكابتن شريف يُسلَّم للعائلة عند الطلب.
فتح الملف بفضول، فوجد دفترًا صغيرًا كان جده يكتبه طوال سنوات عمله.
لم يكن دفتر رحلات...
كان دفتر امتنان.
في كل صفحة اسم شخص، وتحته سطر أو سطران.
المضيفة هبة... أنقذت طفلًا بهدوئها.
المهندس سامح... اكتشف عطلًا قبل الإقلاع بدقائق.
الراكب الذي ابتسم لامرأة خائفة من الطيران... جعل الرحلة أسهل.
وفي آخر صفحة، وجد اسمًا واحدًا فقط.
منى.
وتحته كتب شريف
لو سألني أحد يومًا عن أعظم إنجاز في حياتي، فلن أذكر عدد ساعات الطيران، ولا الجوائز، ولا الرحلات.
سأقول إن أعظم إنجاز هو أنني وجدت امرأة جعلت كل هبوط... عودة إلى وطن.
أغلق عمر الدفتر وهو يمسح دموعه.
وفي عيد زواج جديه الخمسين،
جمع العائلة كلها في البيت القديم.
وضع الدفتر في صندوق زجاجي صغير، وقال
البيت ده ورثنا فيه أشياء كتير... لكن أغلى ميراث سابهولنا جدو مش البيت ولا الصور... أغلى ميراث هو الطريقة اللي كان بيحب بيها.
ساد الصمت.
ثم قامت حفيدته الصغيرة، التي لم تتجاوز السابعة، وأمسكت صورة شريف ومنى، وقالت ببراءة
لما أكبر... عايزة أحب حد بالطريقة دي.
ابتسم الجميع، بينما كانت نسمة خفيفة تحرك ستائر البيت، وكأنها تحمل سلامًا من روحين عاشتا عمرًا كاملًا، وأثبتتا أن الحب الصادق لا ينتهي بانتهاء العمر... بل يبدأ من الذكرى التي تظل حيّة في قلوب من بعدنا.
تمت بحمد الله. النهاية
مرت السنوات، وكبر الأبناء، ثم الأحفاد، وبقي بيت شريف ومنى عامرًا بالحب الذي زرعاه فيه.
وفي يوم من الأيام، اجتمعت العائلة كلها للاحتفال بمرور خمسين عامًا على زواجهما. وقف الابن الأكبر يحمل صورة قديمة التُقطت داخل الطائرة في تلك الليلة التي بدأت فيها الحكاية، وقال
لو ماما ما حجزتش التذكرة دي، ولو بابا ما اختارش يعبر عن حبه بالطريقة دي... يمكن ما كناش اتعلمنا إن أجمل حاجة في الدنيا هي إن الإنسان يقدر اللي معاه قبل ما يفقده.
ابتسم الجميع، ونظر شريف إلى منى، ثم أمسك يدها كما فعل أول مرة.
وقال وهو يبتسم
كل الرحلات اللي قدتها انتهت بهبوط... إلا الرحلة اللي بدأتها معاكي، دي عمرها ما انتهت.
ضحكت منى وهي ترد
وأنا لو رجع بيا الزمن ألف مرة... كل مرة هاحجز نفس التذكرة، عشان ألاقيك من جديد.
تعالت ضحكات الأبناء والأحفاد، والتقطوا صورة عائلية كبيرة.
وفي الخلفية، مرت طائرة في السماء، فرفع شريف عينيه إليها، ثم عاد ينظر إلى عائلته وقال
السماء كانت شغلي... لكن أنتم كنتوا حياتي.
وبعد عمر طويل، رحل شريف
ومنى بفارق أشهر قليلة، كما عاشا دائمًا... لا يطيق أحدهما البعد عن الآخر.
وبقيت صورتهما معلقة في البيت، وتحتها
عبارة كتبها أحفادهما
ليست كل قصص الحب تنتهي بالفراق... بعضها يستمر في القلوب، ويُورث للأجيال.
تمت.

تم نسخ الرابط