جوزى طيار

لمحة نيوز

ست استحملت غيابي، وقلقي، وساعات السفر الطويلة، من غير ما تشتكي. زوجتي هي شريكتي في كل إنجاز.
ثم ناداني لأصعد بجواره.
وسط تصفيق الحضور، سلمني الدرع وقال
مكانه في بيتنا... لأنه اتبنى بتعبنا إحنا الاتنين.
رجعنا يومها إلى المنزل، ووضعنا الدرع فوق المكتبة بجوار أول صورة جمعتنا قبل اثني عشر عامًا.
وبينما كنت أنظر إليه، أدركت أن أجمل قصة حب ليست التي تخلو من الغياب أو الصعوبات، بل التي يختار فيها الطرفان أن يعود كل منهما إلى الآخر، مهما أبعدتهما الرحلات.
النهاية. بعد مرور خمس سنوات، كان شريف بيستعد لآخر رحلة في مشواره المهني قبل التقاعد.
المطار كله كان مختلف في اليوم ده.
زمايله واقفين في صفين، يحيّوه بتحية الشرف، والمضيفين بيصفقوا، والركاب كانوا عارفين إنهم على متن آخر رحلة يقودها كابتن قضى أكثر من ثلاثين سنة في السماء.
قبل الإقلاع، فتح المايك كعادته، وقال
سيداتي وسادتي... دي آخر مرة هتسمعوا صوتي من قمرة القيادة. شرفت إني كنت مسؤول عن سلامتكم طوال السنين دي. ولو في حد يستحق الشكر، فهي زوجتي... اللي كانت دايمًا السبب إني أرجع من كل رحلة وأنا مشتاق للبيت.
كنت قاعدة في آخر الطيارة، ودموعي نازلة من غير ما أحس.
بعد الهبوط، خرجنا من المطار، وكانت المفاجأة الأخيرة في انتظارنا.
أخدني إلى قطعة أرض واسعة على أطراف المدينة.
وقال فاكرة زمان لما قولتي نفسك يبقى عندنا مكان هادي بعيد عن الزحمة؟
هززت رأسي.
سلمني مفتاحًا صغيرًا وملفًا.
فتحته، ولقيت عقد بيت جميل، بحديقة واسعة، وشجرة ياسمين في المدخل.
قال وهو يبتسم
طول عمري كنت باخد الناس لوجهاتهم... دلوقتي جه دوري أوصلك لحلمك.
بعد شهور، انتقلنا للبيت الجديد.
كل صباح كنا نشرب القهوة في الحديقة، ونضحك على حكايات الرحلات القديمة.
وفي كل عيد جواز، كان شريف
يطلع صندوق الرسائل والخاتمين، ويقول نفس الجملة
الحب مش رحلة بتنتهي بالهبوط... الحب هو الشخص اللي تحب ترجع له، مهما طرت بعيد.
وعاشت قصتهما مليئة بالمودة والاحترام والامتنان، وظل كل واحد منهما يرى في الآخر أجمل رحلة بدأت بمقعد على طائرة... وانتهت بعمر كامل من السعادة. بعد عشرين سنة، بقى البيت مليان ضحك الأحفاد.
كان شريف كل ما يقعد معاهم، يطلع من درج قديم الكابينة الصغيرة اللي كان محتفظ فيها بأول شارة كابتن لبسها، ويقول لهم
الطيارة علمتني أوصل لأي مكان... لكن جدتكم هي اللي علمتني يعني إيه يكون عندك بيت.
وفي يوم عيد الجواز الثاني والثلاثين، قررت أعمل أنا المفاجأة.
تواصلت في السر مع شركة الطيران اللي كان شريف اشتغل فيها عمره كله، وطلبت منهم يسمحوا لينا نزور الطيارة اللي بدأ عليها أول رحلة كقائد.
وافقوا بكل ترحيب.
أول ما دخلنا الطيارة، كان كل شيء ساكت.
مشيت معاه لحد قمرة القيادة.
بص حواليه، ولمس العدادات بإيده، وابتسم ابتسامة كلها حنين.
قلت له اقعد مكانك مرة أخيرة.
جلس على مقعد الكابتن، وهو يضحك.
لكن فجأة، اشتغلت السماعات داخل الطائرة.
وكان الصوت... صوت أولادنا وأحفادنا.
كل واحد فيهم سجل رسالة قصيرة.
شكراً يا بابا...
شكراً يا جدو...
إنت علمتنا إن المسؤولية مش شغل... المسؤولية حب.
ولما خلصت الرسائل، دخل الأحفاد وهم شايلين تورتة كبيرة على شكل طائرة.
أما أنا، فأخرجت من حقيبتي صندوقًا صغيرًا.
فتحه شريف، فوجد بداخله ساعة اليد القديمة التي أهداها لي يوم خطوبتنا، بعد أن كنت قد أصلحتها في السر.
قلت له بابتسامة
العقارب دي وقفت سنين... لكن حبنا عمره ما وقف.
احتضنني، وقال وهو ينظر من زجاج قمرة القيادة إلى السماء
لو خيروني أعيش حياتي من أولها... هختارك إنتِ في كل مرة.
وفي تلك اللحظة، أدرك أحفادنا
أن أعظم رحلة لا تحتاج إلى جناحين... بل تحتاج إلى قلبين يعرفان كيف يبقيان معًا مهما مرّ الزمن.
النهاية الحقيقية. بعد سنوات طويلة، جلس شريف على كرسيه في شرفة البيت، ينظر إلى السماء كعادته كلما سمع صوت طائرة تعبر فوقه.
ابتسم وقال لي لسه كل مرة أشوف طيارة... قلبي بيطير معاها.
ضحكت وقلت وأنا لسه كل مرة أسمع صوتها... أدعي لكل اللي فيها يوصلوا بالسلامة، زي ما كنت بدعيلك.
في صباح هادئ، دخل حفيدنا الصغير وهو يجري، وقال بحماس
جدو... المدرسة طلبت مننا نكتب عن بطل بنحبه.
سأله شريف مبتسمًا وهتكتب عن مين؟
رد الطفل من غير تردد عنك.
ابتسم شريف، لكن عينيه امتلأتا بالدموع.
قال له البطل الحقيقي مش اللي بيسوق طيارة... البطل هو اللي يحافظ على الناس اللي بيحبهم.
بعد سنوات قليلة، رحل شريف بهدوء، وهو ممسك بيدي، بعد عمر طويل مليء بالحب والوفاء.
وفي يوم وداعه، حضر زملاؤه القدامى، واصطفوا ببدلاتهم الرسمية، يؤدون له التحية الأخيرة.
وفي السماء، مرّت طائرة في اللحظة نفسها، فرفع الجميع رؤوسهم إليها في صمت.
ابتسمت رغم دموعي، وهمست
رحلتك الأخيرة كانت إلى مكان أجمل... وربنا يجعل هبوطك في الجنة آمنًا.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمعت صوت طائرة، لا أشعر بالحزن...
بل أبتسم، لأنني أتذكر الرجل الذي علّمني أن الحب الحقيقي ليس في عدد السنوات التي نعيشها معًا، بل في الأثر الجميل الذي يتركه الإنسان في قلب من يحب.
وهكذا انتهت الحكاية... لكن الذكريات بقيت تحلّق في السماء، تمامًا كما كان يحلّق شريف دائمًا. بعد رحيل شريف بسنوات، كنت كل عيد جواز أروح المطار في نفس الموعد اللي سافر فيه في أول عيد جواز ضاع بسبب الشغل.
أقعد قدام المدرج، وأشوف الطيارات وهي تقلع واحدة ورا التانية.
كان الناس يستغربوا.
حضرتك مستنية حد؟
فأبتسم وأقول لا..
. أنا بفتكر حد.
وفي يوم، وأنا خارجة من المطار، لقيت شابًا في أوائل الثلاثينات ينادي عليّ
حضرتك مدام منى؟
استغربت وسألته أيوه... تعرفني؟
قال بابتسامة أنا كريم... كنت طفل صغير على واحدة من رحلات الكابتن شريف.
حاولت أتذكر، لكنه أكمل
كنت مريض جدًا، وحصلتلي أزمة في الجو. الكابتن غير مسار الرحلة بالكامل عشان ينقذ حياتي، رغم إن القرار كلف الشركة خسائر كبيرة.
وسكت لحظة، ثم قال
أنا النهارده بقيت دكتور قلب... والسبب بعد ربنا هو القرار اللي أخده جوز حضرتك.
مدّ لي صندوقًا صغيرًا.
فتحته، فوجدت بداخله شارة طيار من الفضة، منقوش عليها
الإنسان لا يُقاس بعدد الرحلات التي قادها... بل بعدد الأرواح التي عاد بها سالمين.
ماقدرتش أتمالك دموعي.
رفعت بصري إلى السماء، وكانت طائرة ترسم بخطها الأبيض سحابة طويلة.
ابتسمت وقلت في سري
شايف يا شريف؟... لسه خيرك بيعيش في الناس، ولسه اسمك بيتقال بكل احترام.
وأدركت أن بعض البشر لا تنتهي قصصهم برحيلهم... بل تبدأ حكاياتهم الحقيقية في قلوب كل من لمسوا حياتهم بالخير.
تمت. بعد سنوات، كنت أنضف مكتبة البيت، ولما فتحت درجًا قديمًا في مكتب شريف، لقيت ظرفًا أصفر مكتوب عليه بخطه
يُفتح بعد عشر سنوات من رحيلي.
إيديا ارتعشت وأنا بفتحه.
كان جواه جواب طويل، بيقول فيه
يا منى... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا سافرت الرحلة اللي مفيش منها رجوع. بس أوعي تفتكريني غبت... لأن الإنسان بيعيش في الدعوة الحلوة، وفي الذكرى الطيبة، وفي القلوب اللي حبها بصدق.
لو زعلتي... بصّي للسما. ولو اشتقتِ... اسمعي صوت الطيارات. كل مرة هتشوفيها، افتكري إن الحب الحقيقي عمره ما بيهبط.
وفي آخر الرسالة، كانت فيه ورقة مطوية.
فتحتها، فلقيت عنوان مدرسة صغيرة في إحدى القرى، وعقد تبرع.
كان شريف، قبل وفاته، قد خصص جزءًا
من مدخراته لإنشاء منحة سنوية باسم والده ووالدته، تساعد الطلاب الفقراء اللي بيحلموا يدرسوا
تم نسخ الرابط