طفل حافى القدمين

لمحة نيوز

زمان إني ما أفرطش في كرامتي... وأهو الوعد لسه مكمل.
ثم أعاد الصورة إلى جيبه، ومشى في هدوء.
وبقيت قصته تُحكى من جيل إلى جيل، لا لأن طفلًا فقيرًا أنقذ رجلًا غنيًا، بل لأن إنسانًا اختار أن يفعل الصواب في لحظة كان الجميع فيها يتفرجون.
وكان ذلك القرار الصغير... سببًا في تغيير حياة آلاف البشر بعد سنوات طويلة، تجاوز عمر الستين من عمره، وبدأ يبتعد عن إدارة المؤسسة، ويسلّم المسؤولية لجيل جديد تربّى على نفس المبادئ.
وفي أحد الأيام، طلب منهم طلبًا غريبًا.
قال
فيه مكان لازم أروحله... وآخر مرة هطلب منكم تيجوا معايا.
ركبوا جميعًا الأتوبيس، ووصلوا إلى ضفة النيل.
نفس المكان...
الذي قفز منه وهو طفل عمره 12 سنة.
وقف عمر صامتًا، ثم أخرج من حقيبته الشوال القديم، الذي احتفظ به عشرات السنين.
نظر إليه طويلًا، ثم قال
الشوال ده كان كل ثروتي في الدنيا.
اقترب أحد الشباب وسأله
ليه محتفظ بيه لحد النهارده؟
ابتسم عمر وقال
عشان كل ما أنجح، ما أنساش أنا بدأت منين.
ثم سلّمه إلى متحف صغير أنشأته المؤسسة بعنوان رحلة أمل، ليكون شاهدًا على أن أصعب البدايات لا تمنع أعظم النهايات.
وبينما الجميع يستعد للمغادرة، لمح عمر طفلًا صغيرًا يجلس وحده على الرصيف، يبكي.
اقترب منه وسأله
مالك يا بطل؟
قال الطفل
أبويا توفى... وماما مريضة... ومش عارف هعيش إزاي.
جلس عمر بجواره، ووضع يده على كتفه.
وقال بابتسامة دافئة
زمان... كنت بقول نفس الكلام.
رفع الطفل رأسه باستغراب.
فأكمل عمر
لكن ربنا بيفتح أبواب ما نعرفهاش. المهم ما تفقدش الأمل.
أخذ الطفل معه إلى المؤسسة، وهناك بدأ فصل جديد من حياته.
وبعد سنوات، أصبح ذلك الطفل مديرًا لأحد أكبر فروع المؤسسة.
وفي يوم افتتاح الفرع، علق لافتة عند المدخل كتب عليها
هنا يبدأ الأمل... كما
بدأ يومًا مع طفل حافي القدمين آمن أن الخير لا يضيع.
ابتسم عمر وهو يقرأ الكلمات، وأغمض عينيه للحظة.
شعر أن رسالته اكتملت.
لم يكن أعظم إنجاز حققه هو المال، ولا الشهرة، ولا المباني التي شيدها...
بل أنه ترك وراءه بشرًا يحملون الخير إلى غيرهم.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن أثرها ظل حيًا، ينتقل من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل، ليؤكد أن عملًا واحدًا مخلصًا قد يغيّر حياة إنسان... ثم يغيّر حياة وطن بأكمله بعد انتهاء الاحتفال، عاد عمر إلى منزله متعبًا.
وفي الليل، جلس يكتب رسالة بخط يده، ووضعها داخل ظرف، وكتب عليه
تُفتح بعد رحيلي.
لم يُخبر أحدًا بما فيها.
وبعد سنوات، رحل عمر بهدوء، كما عاش.
لم يترك وراءه قصورًا فاخرة ولا حسابات يتحدث عنها الناس...
لكنه ترك آلاف الشباب الذين تعلموا، وعملوا، وصاروا يساعدون غيرهم.
وفي يوم قراءة وصيته، اجتمع مجلس أمناء المؤسسة.
فتحوا الظرف، وبدأ المحامي يقرأ
إذا كنتم تقرأون هذه الرسالة، فأنا قد رحلت إلى رحمة الله.
لا تبنوا تمثالًا لي، ولا تسموا شارعًا باسمي.
إن أردتم أن تكرموني، فابحثوا كل سنة عن طفل واحد فقط... طفل فقد أهله أو حرمته الدنيا من فرصة.
علموه، واحترموه، وأعطوه فرصة يقف على قدميه.
وإذا سألكم يومًا لماذا تفعلون هذا؟
قولوا له
لأن طفلًا حافي القدمين آمن يومًا أن الخير لا يموت.
ساد الصمت في القاعة.
ثم انفجر الجميع بالبكاء.
وفي نفس العام، أطلقت المؤسسة مبادرة جديدة.
كل عام كانت تختار طفلًا واحدًا يحمل قصة صعبة، وتتكفل بتعليمه ورعايته حتى يصبح قادرًا على الاعتماد على نفسه.
ومع مرور الوقت، لم يعد العدد طفلًا واحدًا...
بل مئات الأطفال كل عام.
وصارت وصية عمر تُقرأ في بداية كل دفعة جديدة، لتذكرهم أن أعظم ميراث يتركه الإنسان ليس المال، وإنما الأثر
الطيب.
وبقيت الحكاية تُروى للأجيال، لا باعتبارها قصة بطل خارق، بل قصة طفل فقير اختار أن ينقذ إنسانًا دون أن يعرف اسمه، فكتب الله له أن يغيّر حياة الآلاف.
تمت بعد مرور عشر سنوات على رحيل عمر، كان الناس ما زالوا يذكرون اسمه بكل خير.
وفي صباح يوم هادئ، دخل طفل صغير إلى متحف رحلة أمل مع فصله المدرسي.
وقف أمام الشوال القديم، وسأل المرشد
هو معقول شوال قديم يغيّر حياة ناس؟
ابتسم المرشد وقال
الشوال ما غيّرش حاجة... اللي غيّر الدنيا هو صاحب الشوال.
ظل الطفل ينظر إليه طويلًا.
وقبل أن يغادر، كتب في دفتر الزوار
لما أكبر، هساعد الناس زي عمر.
لم ينتبه أحد لما كتبه.
لكن بعد خمسة عشر عامًا...
تعرّضت إحدى القرى لسيول قوية، وجرفت المياه عددًا من المنازل.
كان أول من وصل لإنقاذ الأهالي شاب يقود فريقًا من المتطوعين.
أنقذ عشرات الأسر، وحمل الأطفال والمسنين إلى أماكن آمنة.
وعندما سأله أحد الصحفيين
إيه اللي خلاك تختار طريق خدمة الناس؟
ابتسم الشاب وقال
وأنا صغير، دخلت متحف فيه شوال قديم... وسمعت قصة طفل اسمه عمر عبدالسلام. من يومها، وعدت نفسي أكون سبب في نجاة حد، زي ما هو كان سبب في نجاة ناس كتير.
انتشر الحوار في كل مكان.
وعرف الجميع أن أثر عمر لم يتوقف عند جيل واحد، بل امتد لأجيال متعاقبة.
وفي المساء، وقف مدير المؤسسة أمام الشوال القديم، وقال لمن حوله
دلوقتي فهمت معنى الجملة اللي كان بيكررها الأستاذ عمر...
الخير عمره ما بينتهي عند صاحبه... الخير بيبدأ بصاحبه.
أطفئت أنوار المتحف، وبقي الشوال معلقًا خلف الزجاج، صامتًا...
لكنه كان يحكي لكل من يراه، أن طفلًا فقيرًا لا يملك شيئًا، استطاع بإخلاصه وشجاعته أن يترك أثرًا لا يموت.
وهكذا، لم تنتهِ الحكاية... لأنها أصبحت حكاية كل إنسان يختار أن يفعل
الخير وبعد أكثر من خمسين عامًا على حادثة النيل...
أصبح المكان الذي قفز منه عمر معروفًا بين الناس باسم مرسى الأمل.
لم يكن الاسم رسميًا، لكن الناس هم الذين أطلقوه، لأنهم كانوا يؤمنون أن كل من يسمع قصة الطفل الحافي يخرج منها أكثر إيمانًا بالخير.
وفي أحد الأيام، جاءت سيدة مسنة تمشي بصعوبة، تتكئ على عصا خشبية.
طلبت أن تجلس قليلًا أمام النيل.
اقترب منها أحد العاملين وسألها إن كانت تحتاج إلى مساعدة.
ابتسمت وقالت
أنا جاية أشكر راجل أنقذ حياتي... من غير ما يعرف.
تعجب العامل.
فسألها
حضرتك تعرفي الأستاذ عمر؟
هزت رأسها وقالت
لأ... لكنه أنقذ ابني.
ثم بدأت تحكي.
قالت
ابني كان واحدًا من الأطفال اللي المؤسسة علمتهم ببلاش. كبر، وبقى مهندس، واشتغل، وصرف عليّ وعلى إخواته، وأنقذ أسرتنا كلها من الفقر.
تنهدت وهي تنظر إلى مياه النيل.
وأضافت
عمر يمكن ما قابلش ابني غير مرة واحدة... لكنه غيّر عمرنا كله.
وصل الخبر إلى إدارة المؤسسة.
فقرروا في ذلك اليوم أن يكتبوا عبارة جديدة عند مدخل المتحف
قد لا تعرف مَن غيّرت حياته... لكن الخير الصادق يصل دائمًا إلى من يحتاجه.
ومنذ ذلك اليوم، صار كل زائر يخرج من المتحف وهو يحمل سؤالًا واحدًا في قلبه
مَن يمكن أن أكون سببًا في تغيير حياته اليوم؟
وكان هذا السؤال... هو أعظم إرث تركه طفل النيل، إرث لا يُقاس بالسنوات ولا بالأموال، بل بعدد القلوب التي أيقظ فيها الرغبة في فعل الخير.
وهكذا، بقيت قصة عمر عبدالسلام حيّة، لا لأنها قصة بطل، بل لأنها قصة إنسان عادي اختار في لحظة واحدة أن يفعل الصواب، فكتب الله لأثره أن يعيش طويلًا بعد رحيله وبعد انتهاء الاحتفال، وبينما كان الجميع يغادرون، بقي شاب في آخر العشرينات واقفًا أمام النيل.
كان يحمل في يده دفترًا قديمًا.
اقترب
منه مدير المؤسسة وسأله
بتدور على حد؟
ابتسم الشاب وقال
لأ... أنا جيت أحقق حلم جدي.
استغرب المدير.
فتح الشاب الدفتر،
تم نسخ الرابط