طفل حافى القدمين

لمحة نيوز

طفل حافي القدمين عمره 12 سنة رمى نفسه في نهر النيل عشان ينقذ راجل لابس بدلة غالية... من غير ما يعرف هو مين. واللي حصل بعد كده خلّى البلد كلها تقف مصدومة.
طفل النيل
لما شاف عمر عبدالسلام راجلًا أنيقًا يقع في نهر النيل، ماكنش يتخيل إن لحظة الشجاعة دي هتغيّر حياة واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر... وكمان هتغيّر مستقبله هو للأبد.
كانت شمس الضهر حارقة فوق القاهرة، والجو حر بشكل يخنق، والتراب مالي الشوارع، والهوا واقف من شدة الحر. عند ضفة نهر النيل، كان طفل حافي القدمين اسمه عمر عبدالسلام ماشي بهدوء، شايل على كتفه شوال قديم. ماكنش بيدور على مشاكل... كان بيلم زجاجات بلاستيك وعلب كانز فاضية يبيعها لتاجر خردة بكام جنيه يساعدوه يعيش.
كان لابس تيشيرت مقطع، وبشرته اسمرّت من كتر الوقوف في الشمس، ووشه عليه تراب. لكن عينيه كان فيهم حاجة الفقر عمره ما قدر يسرقها... قوة هادية، من النوع اللي ما بيتكلمش كتير، لكنه بيسند صاحبه وقت الشدة. ودي كانت نفس القوة اللي كانت جدته الحاجة أمينة دايمًا توصيه يحافظ عليها.
عدّى تلات شهور على وفاتها. تلات شهور وهو بينام على دكك الشوارع، وياكل أي حاجة يقدر يلاقيها، ويتعلم يعيش بقوانين قاسية فرضتها عليه الدنيا.
كانت جدته دايمًا تقوله
يا ابني... الفقر عمره ما كان عيب، لكن العيب إن الواحد يفرّط في كرامته. طول ما إيدك بتشتغل بالحلال، ربنا عمره ما هيسيبك.
والكلام ده فضل محفور جواه، كأنه بوصلة بترشده في كل خطوة.
يوم عادي... قلب حياته كلها
في العصر، كانت مياه نهر النيل هادئة، وأشعة الشمس بتلمع على سطحها. انحنى عمر على ضفة النهر، ومد إيده عشان يجيب زجاجة بلاستيك كانت واقفة بين نباتات البوص. وهو بيعمل كده، كان بيدندن بصوت واطي أغنية كانت جدته بتغنيها

وهي بتطبخ... لحن بسيط، لكنه كان بالنسباله حضن افتقده.
وفجأة...
الهدوء اتكسر.
صرخات... ناس بتجري... ولخبطة بتزيد ثانية بعد الثانية.
رفع عمر راسه، فشاف زحمة عند الكوبري. واحد بيشاور ناحية الميه وإيده بتترعش.
وفي وسط نهر النيل...
كان راجل لابس بدلة سودة شيك بيتخبط بعنف، وبيحاول يطلع راسه فوق الميه. التيار ماكنش قوي، لكن المشكلة إنه ماكانش بيعرف يعوم.
لمعت جزمته الجلد لحظة...
وبعدين سحبته الميه لتحت.
الناس كانت بتصرخ...
لكن محدش اتحرك.
فيه اللي طلع موبايله يصور...
وفيه اللي فضل واقف يتفرج، كأن الخوف مسك رجليه في الأرض.
أما عمر...
فمافكرش حتى.
رمى الشوال من على كتفه...
وجري بأقصى سرعته ناحية النهر.
باقي القصة في أول تعليق... افتح كل التعليقات مرّت سنوات أخرى، وظن الجميع أن قصة عمر انتهت عند هذا الحد.
لكن في صباح شتوي هادئ، دخل شاب في العشرينات إلى مقر المؤسسة، وكان يحمل في يده ملفًا قديمًا.
طلب مقابلة عمر عبدالسلام.
ولما دخل المكتب، وقف للحظات وهو ينظر إلى عمر، ثم قال
حضرتك أكيد مش فاكرني... لكن أنا يوسف.
ابتسم عمر ونهض من مكانه واحتضنه.
قال يوسف وهو يفتح الملف
أنا خلصت كلية الطب النهارده... وجيت أرجعلك أول حاجة ادتهالي.
أخرج من الملف ورقة قديمة جدًا.
كانت أول استمارة انضمام لبرنامج فرصة، وعليها توقيع عمر.
قال يوسف والدموع في عينيه
الورقة دي غيرت حياتي كلها.
ابتسم عمر وقال
اللي غير حياتك هو تعبك وإصرارك.
رد يوسف
لا... إنت بس فتحتلي الباب.
وفي نفس الأسبوع، اجتمع مجلس إدارة المؤسسة، وأعلن يوسف قرارًا فاجأ الجميع.
قال
أنا هشتغل هنا يومين كل أسبوع من غير أي مقابل، أعالج الأطفال والأسر اللي مش قادرة تدفع.
صفق الجميع بحرارة.
ابتسم عمر وهو يشعر أن الخير الذي بدأه قبل
سنوات أصبح ينتقل من شخص لآخر.
وبعد عدة أشهر، تلقّت المؤسسة رسالة من رجل مسن.
كان واحدًا من الناس الذين وقفوا يوم حادثة النيل يتفرجون من بعيد ولم يجرؤوا على المساعدة.
كتب في رسالته
فضلت طول عمري ندمان إني ما اتحركتش يومها. لكن قصتك علمتني إن الإنسان يقدر يصلح أخطاءه. ومن النهارده، كل مدخراتي هتكون وقفًا لمساعدة الأطفال.
قرأ عمر الرسالة في صمت، ثم قال
الخير الحقيقي مش إنك ما تغلطش... الخير إنك لما تعرف غلطك، تصلحه.
وفي نهاية اليوم، خرج عمر يتمشى على كورنيش النيل.
مرّ بجوار نفس المكان الذي قفز منه وهو طفل.
وقف قليلًا، وابتسم.
لم يعد يرى ذلك الطفل الحافي الفقير...
لكنه كان يشعر أنه ما زال يعيش بداخله، يذكّره كل يوم أن الشجاعة، والرحمة، والكرامة، هي أعظم ثروة يمكن أن يمتلكها الإنسان بعد أيام قليلة، كان عمر راجع من زيارة لأحد فروع المؤسسة، وفجأة رنّ هاتفه.
المتصل كان مدير أحد المستشفيات الحكومية.
قال بصوت متوتر
يا أستاذ عمر... عندنا طفلة محتاجة عملية قلب عاجلة، وأهلها باعوا كل اللي يملكوه ولسه المبلغ ناقص.
سأل عمر بهدوء
كام المبلغ؟
رد المدير.
ابتسم عمر وقال
اعتبروا العملية اتدفعت بالكامل... ومحدش يبلغ الأسرة مين اللي دفع.
وبالفعل، تمت العملية بنجاح.
بعد أسبوع، خرجت الطفلة تمشي على رجليها لأول مرة من شهور.
والدها وقف يبكي وهو يقول
نفسي أعرف مين اللي أنقذ بنتي عشان أبوس إيده.
لكن إدارة المستشفى اكتفت بالرد
فاعل خير.
بعد أشهر، وبينما كان عمر يفتتح مركزًا جديدًا لتعليم الأطفال، تقدمت نحوه فتاة صغيرة تحمل باقة ورد.
قالت له
حضرتك فاكرني؟
هز رأسه بالنفي.
ابتسمت وقالت
أنا البنت اللي عملت عملية القلب.
تجمد عمر في مكانه.
ثم انحنى إلى مستواها وقال
الحمد لله إنك بقيتي بخير.

ناولته الفتاة رسمة مرسومة بالألوان.
كان فيها ولد صغير حافي القدمين، بيشد رجلًا من النيل، وفوقهم مكتوب
البطل الحقيقي يساعد الناس حتى لو محدش يعرف اسمه.
لم يتمالك عمر نفسه، ودمعت عيناه.
علق الرسمة في مكتبه، بجوار الشوال القديم، وقال لكل من يسأله عنها
دي أغلى شهادة تقدير أخدتها في حياتي.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت المؤسسة لا تكتفي بمساعدة المحتاجين، بل كانت تعلم كل طفل يدخلها أن الخير لا يُقاس بما تعطيه، بل بالأثر الذي تتركه في قلوب الناس.
وهكذا ظل اسم عمر عبدالسلام مرتبطًا بكل عمل خير، لا لأنه كان أغنى الناس... بل لأنه لم ينسَ أبدًا ذلك الطفل الحافي الذي قفز في النيل يومًا لينقذ إنسانًا لا يعرفه، فأنقذ معه مستقبل أجيال كاملة مرّت خمسة وعشرون سنة.
وأصبح اسم مؤسسة فرصة معروفًا في كل أنحاء مصر، لكن عمر ظل يرفض أن يُكتب اسمه على أي مبنى أو قاعة.
كان يقول دائمًا
الخير لازم يفضل أكبر من صاحبه.
وفي صباح أحد الأيام، تلقى اتصالًا من محافظة بعيدة.
قال المتصل
يا أستاذ عمر، في ولد عنده 13 سنة أنقذ طفلًا من الغرق، ولما سألناه اتعلمت منين، قال من دورة مجانية عملتها مؤسسة فرصة.
سكت عمر للحظة، ثم ابتسم.
قال في نفسه
يبقى الخير لسه بيجري... زي النيل.
وبعد أسابيع، أقيم احتفال كبير لتكريم ذلك الطفل.
الجميع كان منتظر كلمة عمر.
وقف أمام الميكروفون، ونظر إلى الحضور، ثم قال
الناس فاكرة إن البطولة هي إنك تنقذ حد مرة واحدة... لكن البطولة الحقيقية إنك تفضل تعمل الخير كل يوم، حتى لو محدش شافك.
ساد الصمت في القاعة.
ثم أضاف
أنا كنت طفلًا حافي القدمين، لا أملك بيتًا ولا مالًا، لكن كان عندي كنز واحد... تربية ست عظيمة اسمها الحاجة أمينة.
صفق الجميع بحرارة.
وفي نهاية الحفل، خرج عمر بهدوء كعادته.

مرّ على ضفة النيل قبل أن يعود إلى منزله.
أخرج من جيبه صورة قديمة لجدته، كانت باهتة من كثرة السنين.
ابتسم وقال
وعدتك
تم نسخ الرابط