لقيت ان حبيبى

لمحة نيوز

عمرها حوالي عشر سنين، وماسكة بوكيه ورد.
كانت واقفة مترددة.
نزل بنفسه وسألها
إنتِ جاية لمين يا بطلة؟
قالت بخجل
أنا جاية لمدام ريتان.
قربها من المسرح.
البنت مدت لها الورد، وقالت
ماما كانت بتشتغل عند حضرتك زمان... ولما تعبت، حضرتك فضلتي تصرفيلها مرتبها سنة كاملة لحد ما خفت... ماما ماتت من شهر، وقالتلي قبل ما تمشي لو كبرتي، روحي اشكري الست اللي وقفت جنبنا.
سكتت القاعة كلها.
ريتان نزلت على ركبتها، واحتضنت البنت بقوة وهي تبكي.
وقالت
الشكر الحقيقي لمامتك... لأنها كانت من أوفى الناس اللي اشتغلوا معانا.
حمزة مسح دموعه، وقال للحضور
النجاح مش عدد الفروع... النجاح إن حد يدعي لك من قلبه.
وقف الجميع يصفقون طويلًا.
وفي نهاية الحفل، خرجت ريتان وحمزة إلى سطح المبنى.
كانت القاهرة مضيئة تحتهم.
ابتسم حمزة وقال
فاكرة أول مرة وصلتك فيها بالموتوسيكل؟
ضحكت وقالت
وكنت فاكراك عامل دليفري غلبان.
رد وهو يضحك
وكنت فاكر إن رحلة صغيرة هتخلص بعد كام يوم... طلعت أجمل رحلة في حياتي.
أسندت رأسها على كتفه، وقالت
أهم حاجة إننا بقينا دايمًا بنحكي الحقيقة... من أولها.
أمسك يدها، ونظرا إلى المدينة التي شهدت بداية حكايتهما... بينما كانت رائحة الشوكولاتة تملأ المكان، لتبقى قصتهما دليلًا على أن الصدق، حتى لو تأخر، يمكن أن يبني حياة كاملة. 
تمت بعد خمسة عشر عامًا...
كانت ريتان جالسة في مكتبها بالمصنع الرئيسي، تراجع بعض الأوراق، عندما دخل آدم، ابنها الأكبر، وكان قد أنهى دراسته في إدارة الأعمال.
قال مبتسمًا ماما... عندي طلب.
رفعت رأسها وقالت خير يا حبيبي.
قال عايز أشتغل في الشركة... لكن من أول درجة.
ضحك حمزة، الذي كان يجلس في المكتب المقابل، وقال يعني عايز مكتب مدير على طول؟
هز آدم رأسه بسرعة.
لا... عايز أبدأ عامل تغليف.
ريتان ابتسمت، وسألته ليه؟
رد بثقة لأن حضرتك وبابا علمتوني إن اللي ما يعرفش تعب البداية... عمره ما هيعرف قيمة النجاح.
نظر حمزة إلى ريتان، وابتسم بفخر.
وفي اليوم التالي، دخل آدم المصنع مرتديًا زي العمال، ولم يعرف معظم الموظفين أنه ابن أصحاب الشركة.
كان يعمل مثل الجميع، ويحمل الصناديق، ويرتب الطلبات، ويقف ساعات طويلة دون أي معاملة خاصة.
وبعد
ثلاثة أشهر، اكتشف أحد الموظفين هويته بالصدفة.
انتشر الخبر في المصنع كله.
لكن آدم قال للجميع
لو عاملتوني على إني ابن أصحاب المكان، هسيب الشغل.
وصل الكلام لريتان.
ابتسمت وقالت
واضح إن حكايتنا بدأت تتكرر... لكن المرة دي من غير أي أسرار.
وفي نهاية العام، وقف حمزة يخطب في احتفال الشركة السنوي، وقال
زمان أنا تنكرت في شخصية عامل دليفري عشان أدور على الحقيقة... أما ابني، فاختار يبدأ من الصفر لأنه عرف الحقيقة من البداية.
صفق الجميع بحرارة.
أما ريتان، فنظرت إلى صورة قديمة معلقة على الحائط...
صورة لها وهي ترتدي الأبورن الملطخ بالشوكولاتة، وتحمل صينية أول أوردر كبير في حياتها.
ابتسمت وقالت بهدوء
الحمد لله... لو رجع بيا الزمن، همشي نفس الطريق بكل صعوبته... لأنه هو اللي وصلني لكل النعم اللي أنا فيها دلوقتي.
وأمسك حمزة يدها، بينما كانت رائحة الشوكولاتة تملأ المكان كما في أول يوم... لتثبت أن أجمل النهايات هي التي تبدأ ببداية بسيطة، وقلب صادق. بعد عشرين سنة...
كان المصنع يحتفل بإنتاج القطعة رقم مليار من الشوكولاتة.
الصحفيون والقنوات كانوا موجودين، لكن ريتان طلبت منهم حاجة واحدة
مفيش تصوير لحد قبل ما نخلص مفاجأة النهارده.
استغرب الجميع.
وقفت على المسرح، وقالت
من عشرين سنة، كان عندي محل صغير في شبرا، وكنت فاكرة إن النجاح معناه إن يبقى عندي فرع كبير... لكن اكتشفت إن النجاح الحقيقي إنك تسيب حد بعدك يكمل الطريق.
ثم نادت
يوسف... تعالى.
طلع يوسف، الشاب اللي دخل الأكاديمية زمان من غير شهادة، واللي بقى بعد السنين مدير الإنتاج.
ريتان سلمته مفتاحًا ذهبيًا رمزيًا، وقالت
من النهارده... أنت المدير التنفيذي لمجموعة ريتان شوكولاتيه.
يوسف اتصدم.
قال أنا؟!
ابتسمت وقالت
لأنك أثبت إن الأمانة والاجتهاد أهم من أي لقب.
صفق الحضور بحرارة.
وفي آخر الحفل، خرجت ريتان وحمزة من الباب الخلفي للمصنع، بعيدًا عن الكاميرات.
ركب حمزة الموتوسيكل الأحمر القديم، الذي احتفظ به طوال هذه السنين بعد أن أعاد ترميمه.
ضحكت ريتان وقالت
معقول لسه محتفظ بيه؟
ابتسم وهو يشغل المحرك
ده مش موتوسيكل... ده السبب اللي عرفني عليكي.
ركبت خلفه كما فعلت أول مرة.
ولما تحركا في شوارع شبرا، مرّا
أمام المحل الصغير.
كان المحل ما زال مفتوحًا، بنفس اللافتة القديمة
هذا الفرع لن يُباع أبدًا... لأنه بداية الحلم.
وقفت ريتان أمامه لحظة، ثم قالت
تعرف؟ لو في أمنية أخيرة أتمنّاها...
ابتسم حمزة وسألها
إيه هي؟
قالت وهي تنظر إلى المحل
إن بعد خمسين سنة، لما الناس تفتكر اسمنا، ما يفتكروش إننا كنا أغنياء... يفتكروا إننا كنا سبب في ابتسامة حد.
أمسك حمزة يدها وقال
ودي أمنية اتحققت من زمان يا ريتان.
ثم دخلا المحل الصغير، وطلبا قطعتين من الشوكولاتة بنفس الوصفة الأولى التي بدأت منها الحكاية... وجلسا يضحكان، وكأن الزمن عاد بهما إلى أول يوم التقيا فيه.
وهكذا عاشت قصة ريتان وحمزة، لا كحكاية عن المال، بل كحكاية عن الصدق، والعمل، والحب الذي كبر مع الأيام ولم يتغير. بعد خمسة وعشرين عامًا...
في صباح شتوي هادئ، كانت ريتان تمشي داخل الفرع الأول في شبرا، تمسح بيدها على الطاولة الخشبية القديمة التي رفضت تغييرها طوال السنين.
دخل حفيدها الصغير ياسين، وعمره ثماني سنوات، وسألها ببراءة
تيتا... هو صحيح جدو كان شغال دليفري؟
ضحكت ريتان، ونظرت إلى حمزة الذي كان يقف عند الباب.
قالت أيوه... وكان أحسن دليفري عرفته في حياتي.
ضحك حمزة وقال شكلك لسه مصدقة الحكاية دي!
أخرج ياسين صندوقًا قديمًا من أسفل الطاولة، وقال لقيت ده.
فتحت ريتان الصندوق ببطء...
كان بداخله الخوذة الحمراء القديمة، والأبورن الملطخ بالشوكولاتة، والدبلة الفضية التي بدأت بها حكايتهما.
سكتت للحظة، ثم قالت
دول أغلى من أي كنز.
في المساء، اجتمعت العائلة كلها.
قال آدم يا ماما... في متحف كبير عايز يشتري الحاجات دي بمبلغ ضخم، ويحطها ضمن قصص النجاح المصرية.
ابتسمت ريتان وهزت رأسها.
لا.
استغرب الجميع.
قالت الحاجات دي مكانها هنا... في أول محل بدأنا منه. كل شاب يدخل المحل ويشوفها يعرف إن النجاح مش بيبدأ بقصر... النجاح ممكن يبدأ بمطبخ صغير، وأبورن عليه بقع شوكولاتة.
بعد أيام، خصصوا ركنًا صغيرًا داخل الفرع الأول، وكتبوا فوقه
من هنا بدأت الحكاية.
ووضعوا فيه الخوذة، والأبورن، والدبلة، وأول قالب شوكولاتة صنعته ريتان.
صار الزوار يقفون أمام الركن يلتقطون الصور، لكن ريتان كانت تقول لكل من يسألها
متبصوش للحاجات
دي... بصوا للتعب اللي وراها.
وفي نهاية اليوم، خرجت مع حمزة من المحل.
نظر إليها وقال مبتسمًا
لو رجع الزمن، هتوافقي تركبي معايا الموتوسيكل تاني؟
ضحكت وقالت
أركب... بس بشرط.
إيه هو؟
المرة دي... تقولي اسمك الحقيقي من أول دقيقة.
ضحك الاثنان، بينما كان حفيدهما ياسين يجري أمامهما، حاملًا قطعة شوكولاتة في يده... لتبدأ مع الجيل الجديد حكاية أمل جديدة، عنوانها أن الصدق والمحبة والعمل الصادق هي أغلى ميراث يمكن أن يتركه الإنسان. بعد ثلاثين سنة...
كان فرع شبرا القديم هاديًا كعادته، لكن في ذلك اليوم كان مختلفًا.
وقفت سيارة أجرة أمام المحل، ونزلت منها فتاة في أوائل العشرينات، تحمل حقيبة صغيرة ودفترًا قديمًا.
دخلت وسألت
لو سمحت... مين
مدام ريتان؟
ابتسم الموظف وقال حضرتك تقصدي الحاجة ريتان؟ اتفضلي.
كانت ريتان جالسة في الركن الذي اعتادت الجلوس فيه كل صباح، تحت صورة قديمة لها ولحمزة أمام المحل.
اقتربت الفتاة وقالت بخجل
أنا اسمي مريم... وجاية من أسوان مخصوص عشان أشوفك.
ابتسمت ريتان وقالت أهلاً يا بنتي... خير؟
أخرجت مريم دفترًا قديمًا وقالت
الدفتر ده كان بتاع أمي... كانت من أول دفعة اتخرجت من الأكاديمية. قبل ما تتوفى، قالتلي لو حلمتي بحاجة وخفتي، روحي لريتان... هي أول واحدة هتفهمك.
تأثرت ريتان، وأخذت الدفتر.
كان مليئًا بوصفات الشوكولاتة، وبين صفحاته رسالة قصيرة
شكراً لأنك غيرتي حياتي... ووعديني تكملي تغيري حياة غيري.
أغلقت ريتان الدفتر، وقالت لمريم
حلمك إيه؟
قالت بخجل
نفسي أفتح أول مصنع شوكولاتة في أسوان... لكن معنديش الإمكانيات.
في تلك اللحظة، دخل حمزة وهو يستند على عصاه، بعدما تقدم به العمر.
ابتسم وقال
زمان، حد صدق حلم ريتان... ودلوقتي دورنا نصدق حلمك.
نظر إلى آدم، الذي أصبح يدير المجموعة، وقال
أول مشروع هتدعموه السنة دي... يكون مشروع مريم.
ابتسم آدم فورًا وقال
اعتبريه بدأ من النهارده.
بعد عام واحد...
افتُتح أول مصنع شوكولاتة في أسوان، وكانت مريم واقفة تقص الشريط، بينما وقفت ريتان وحمزة بعيدًا يصفقان لها.
همست ريتان
شايف يا حمزة؟
ابتسم وقال
الحلم لما يتشارك... عمره ما بيخلص.
نظرت إليه، وأمسكت يده كما فعلت منذ ثلاثين عامًا.
وفي تلك اللحظة،
شعرت أن أجمل شيء تركاه في الدنيا لم يكن شركة، ولا ثروة، ولا شهرة...
بل أشخاصًا صاروا يؤمنون أن الأحلام الصغيرة يمكن أن تصبح حقيقة، إذا وجدت من يمنحها فرصة.

تم نسخ الرابط