لقيت ان حبيبى

لمحة نيوز

دموعها نزلت.
قالت بصوت مرتعش الحمد لله... لقيتك يا ابني.
حمزة اتجمد مكانه.
قال باستغراب حضرتك تعرفيني؟
الست طلعت صورة قديمة لطفل عنده خمس سنين.
الصورة كانت لحمزة.
إلهام، اللي كانت موجودة وقتها، أول ما شافت الصورة، اتغير لون وشها.
قالت الصورة دي... منين؟
الست ردت لأن الطفل ده عاش أول خمس سنين من عمره في حضني... قبل ما الظروف تفرقنا.
ساد الصمت.
لكن الرجل المسن، جد حمزة، خرج من مكتبه وقال بهدوء
كفاية أسرار.
ثم التفت إلى حمزة وقال
الست دي كانت المربية اللي ربتك بعد وفاة والدك، وكانت بالنسبة لك زي الأم الثانية. اضطرت تسافر بعد مرض شديد، وانقطعت أخبارها سنين طويلة. أول ما عرفت إنك بخير، أصرت تيجي تشوفك.
حمزة قرب منها ببطء، وعيناه امتلأتا بالدموع.
قال يعني... حضرتك الحاجة أمينة؟
ابتسمت وهي تبكي أيوه يا ابني... ولسه فاكرة أول شوكولاتة أكلتها معايا وإنت صغير.
بدون تردد، حضنها حمزة وسط تصفيق كل الموجودين.
ريتان ابتسمت وهي شايفة المشهد، وقالت لنفسها
أحيانًا... أجمل المفاجآت مش بتكون فلوس ولا شهرة، لكنها ناس افتكروا يحبونا بصدق.
ومن يومها، بقت الحاجة أمينة واحدة من أفراد العيلة، وكانت أول واحدة تدوق أي نوع شوكولاتة جديد قبل ما ينزل للبيع، وهي تضحك وتقول
طول عمرك يا حمزة بتحب الشوكولاتة... لكن المرة دي اخترت أحلى حاجة في حياتك... اخترت ريتان. بعد مرور خمس سنوات...
في ليلة هادئة، كانت العيلة كلها مجتمعة في البيت للاحتفال بعيد ميلاد ابنهما الصغير آدم.
ريتان كانت بتوزع التورتة، وآدم بيجري في كل مكان وهو يضحك، وحمزة قاعد يبص لهم بابتسامة، كأنه أخيرًا لقى الحياة اللي كان بيدور عليها.
وفجأة رن تليفون حمزة.
بص للشاشة... رقم مجهول.
رد بهدوء
ألو؟
جاله صوت راجل كبير في السن
الأستاذ حمزة القاضي؟
أيوه.
معاك المستشار
محمود عادل. في وصية اتفتحت النهارده، واسم حضرتك واسم مدام ريتان مكتوبين فيها. لازم تحضروا بكرة.
استغرب حمزة.
قال وصية مين؟
رد المستشار
رجل الأعمال الراحل فريد النجار.
حمزة بص لريتان باستغراب.
إحنا ما نعرفوش.
قال المستشار
هو كان يعرفكم... كويس جدًا.
...
تاني يوم، دخلوا مكتب المحامي.
المستشار فتح ظرف قديم، وقال
قبل وفاته، الأستاذ فريد سجل رسالة فيديو، وطلب تتعرض ليكم شخصيًا.
اشتغلت الشاشة.
ظهر رجل سبعيني، ملامحه هادئة.
ابتسم وقال
لو الرسالة دي وصلتلكم... يبقى أنا خلاص سبت الدنيا.
يمكن تستغربوا أنا ليه كتبت اسمكم في وصيتي... لكن الحقيقة إني كنت واحد من زباين محل ريتان من أول يوم فتح.
ريتان شهقت.
كمل الرجل
كنت كل أسبوع أطلب شوكولاتة باسم مختلف، وأبعت موظف يستلمها، من غير ما تعرفوا أنا مين.
وفي مرة شفت بعيني ريتان وهي بترفض تزود السعر على أرملة بسيطة، وقالت لها ادفعي اللي تقدري عليه، والباقي هدية.
وساعتها عرفت إن الرزق الحقيقي مش الفلوس... الرزق الحقيقي الأخلاق.
ثم ابتسم وهو يبص للكاميرا.
أما حمزة... فكنت عارف حقيقته من البداية، لكن شفته واقف في المحل بينضف الأرض، ويشتغل بإيده من غير ما حد يعرف إنه وريث مليارات.
وقلت لنفسي... الناس دي تستحق فرصة تكبر حلمها.
المحامي أغلق الشاشة بهدوء.
وقال
الأستاذ فريد أوصى بتخصيص مبنى كامل ليكون أكاديمية مجانية لتعليم صناعة الشوكولاتة والحلويات للشباب، على أن تتولى إدارتها ريتان وحمزة.
دمعت عينا ريتان.
وقالت
ده أكبر من أي حلم حلمته.
ابتسم حمزة، وأمسك يدها.
وقال
يبقى نحقق حلم ناس كتير... زي ما حققنا حلمنا.
وهكذا، لم تعد قصة ريتان وحمزة مجرد قصة حب، بل أصبحت قصة أمل، بدأتها قطعة شوكولاتة، وكملها الصدق، والعمل، والوفاء. تمت بعد افتتاح الأكاديمية بستة أشهر...
كانت ريتان
بتلف بين المتدربين، تتابع شغلهم بنفسها، وتعلمهم أسرار صناعة الشوكولاتة.
وفجأة، دخل شاب في أوائل العشرينات، هدومه بسيطة، وقال بخجل
لو سمحت... أنا جاي أقدم هنا.
ابتسمت ريتان وقالت اتفضل، اسمك إيه؟
قال يوسف.
ناولها ملف التقديم، لكنها لاحظت إنه فاضي.
سألته فين شهاداتك؟
ابتسم بحرج وقال معنديش... أنا اتعلمت لوحدي.
في اللحظة دي، افتكرت ريتان نفسها يوم ما بدأت بمطبخ صغير وماكنش معاها غير حلم.
قالت خلاص... وريني شغلك.
بعد ساعة، يوسف عمل قطعة شوكولاتة بسيطة، لكن طعمها كان مميزًا.
حمزة داقها وقال مبتسمًا الموهبة دي مينفعش تضيع.
اتقبل يوسف في الأكاديمية، وبعد شهور بقى من أمهر المتدربين.
وفي يوم التخرج، وقف قدام الجميع وقال
لو ما كانتش ريتان صدقت فيا، كنت لسه بدور على فرصة.
ابتسمت ريتان وقالت وأنا كمان حد صدق فيا يومًا ما... ودلوقتي دوري أصدق في غيري.
صفق الجميع بحرارة، وشعرت ريتان أن النجاح الحقيقي لم يعد في عدد الفروع أو حجم الأرباح، بل في عدد الأحلام التي ساعدت على تحقيقها.
وفي نهاية اليوم، رجع حمزة معها إلى أول محل في شبرا.
وقفا أمام الباب القديم، الذي احتفظا به كتذكار، وقال حمزة وهو يبتسم
تفتكري لو ما دخلتش المحل ده أول مرة، كانت حياتنا هتبقى عاملة إزاي؟
ضحكت ريتان وقالت
يمكن ما كنتش هعرف إن أجمل الحكايات بتبدأ أحيانًا بأبسط الصدف.
أغلقا الباب، وسارا معًا، بينما كانت أضواء المحل تلمع خلفهما... شاهدة على رحلة بدأت بشاب ظنته عامل دليفري، وانتهت بعائلة صنعت نجاحها بالحب والصدق والعمل. بعد عام...
كان اسم أكاديمية ريتان بقى معروف في كل المحافظات، وكل شهر كانت بتخرج دفعة جديدة من الشباب والبنات اللي بدأوا مشاريعهم الخاصة.
وفي صباح يوم جمعة، كانت ريتان واقفة في المطبخ الرئيسي، لما دخل عليها حمزة وهو ماسك ظرف
أبيض.
ابتسم وقال وصلنا جواب غريب.
فتحت الظرف، ولقت رسالة مكتوبة بخط اليد
أنا ست كبيرة في السن، وعندي وصفة شوكولاتة عمرها أكتر من 70 سنة، ومش عايزة السر يضيع بعد ما أموت. سألت عن أكتر ناس يحافظوا عليها، وكل الناس قالتلي ريتان وحمزة.
بصت له وقالت لازم نروح.
في اليوم التالي، سافروا لقرية صغيرة في الصعيد.
استقبلتهم سيدة مسنة بابتسامة دافئة، وقالت كنت مستنياكم.
أخذتهم إلى مطبخ قديم، وأخرجت دفترًا أصفر مهترئًا.
قالت الدفتر ده كتبته أمي، وجدتي قبلها. كل وصفة فيه وراها حكاية.
جلست ريتان تسمعها لساعات، وكتبت كل ملاحظة باهتمام، بينما كان حمزة يصور الدفتر ويحافظ على كل صفحة.
وقبل أن يغادروا، قالت لهم السيدة
أوعوا تبيعوا الوصفات دي باسمكم... علموها للناس، وخلوها تعيش.
رجعوا القاهرة، وقرروا يخصصوا قسمًا جديدًا في الأكاديمية اسمه تراث الحلويات المصرية، يعلموا فيه الوصفات القديمة مجانًا، ويحفظوا التراث بدل ما يندثر.
وفي يوم الافتتاح، وقفت ريتان وقالت
النجاح الحقيقي مش إنك تحتفظ بالسر لنفسك... النجاح إنك تسيب بعدك علم ينفع غيرك.
صفق الجميع بحرارة.
ابتسم حمزة وهو ينظر إليها، وقال بهدوء
أول مرة شوفتك فيها، كنت فاكر إني بدور على واحدة تحبني بعيدًا عن اسمي... لكن اكتشفت إن ربنا كان بيجهزلي شريكة عمر، وشريكة رسالة كمان.
ابتسمت ريتان، وأمسكت يده، بينما كان الأطفال والمتدربون يملؤون المكان بالضحكات... لتبدأ حكاية جديدة، ليست عن الثراء، بل عن الأثر الذي يتركه الإنسان بعده بعد عشر سنوات...
كان الاحتفال بمرور عشر سنين على تأسيس ريتان شوكولاتيه.
القاعة كانت مليانة ناس من كل المحافظات، وأصحاب المشاريع الصغيرة اللي خرجوا من الأكاديمية.
وقفت ريتان على المسرح، وقالت بابتسامة
من عشر سنين كنت واقفة بأبورن عليه بقع شوكولاتة، وخايفة
أخسر كل حاجة... النهارده واقفة بنفس القلب، لكن معايا عيلة كبيرة.
وسط التصفيق، لمح حمزة بنت صغيرة واقفة عند الباب،
تم نسخ الرابط