ابويا

لمحة نيوز

متردد ينفع... ناخد صورة سوا؟
نظرت إليه للحظات، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت أكيد يا بابا... الصورة دي هتفضل ذكرى حلوة، لكن الذكريات اللي قبلها محتاجة وقت علشان تلتئم.
احمر وجهه من شدة الخجل.
أما زوجته، فظلت واقفة بعيدًا لا تعرف ماذا تقول، بعدما تذكرت كيف كانت تعامل خديجة طوال السنوات الماضية.
وفجأة، اقترب قائد الكلية من مدحت وسأله حضرتك والد الملازم خديجة؟
أجاب مدحت بصوت منخفض أيوه... أنا والدها.
ابتسم القائد وقال إذن اسمح لي أشكرك. بنتك من أكثر الضباط التزامًا واجتهادًا مروا على الكلية. كانت قدوة لزملائها، ولم نسمع عنها إلا كل خير.
كادت دموع مدحت تنزل، لأنه كان يسمع لأول مرة من الغرباء ما كان يجب أن يعرفه عن ابنته بنفسه.
أما خديجة، فلم تحمل في قلبها رغبة في الانتقام، لكنها قررت شيئًا واحدًا...
أن تعيش حياتها من أجل نفسها، لا من أجل إثبات قيمتها لمن لم يرها يومًا.
النهاية بعد عدة أشهر...
كانت خديجة قد بدأت عملها في الكلية، وأصبحت تشرف على تدريب دفعة جديدة من الطلبة. كان الجميع يعرفها بانضباطها واحترامها، ولم تكن تستغل مكانتها أبدًا.
وفي أحد الأيام، تلقت اتصالًا من والدها.
ترددت للحظة، ثم أجابت.
قال مدحت بصوت مكسور يا خديجة... أنا في المستشفى.
سكتت ثوانٍ، ثم سألت بهدوء خير يا بابا؟
رد تعبان شوية... ولو تقدري تيجي.
تركت ما بيدها، وتوجهت إلى المستشفى. دخلت الغرفة فوجدت والدها أضعف بكثير مما تتذكر، ونظر إليها بعينين امتلأتا بالندم.
قال أنا ظلمتك سنين... وكل مرة كنت أختار غيرك، كنت بخسرك أكتر. سامحيني لو تقدري.
جلست بجواره وقالت الاعتذار ما يمحيش الماضي... لكنه يقدر يفتح باب لبداية جديدة.
بكى مدحت لأول مرة أمامها.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ يحاول إصلاح ما أفسده. لم يعد يفرق بين خديجة
وأحد، وأصبح يفتخر بها في كل مجلس.
أما خديجة، فلم تنسَ ما مرت به، لكنها اختارت ألا تجعل الألم يحكم مستقبلها.
كانت تؤمن أن أعظم انتصار ليس أن يرى الناس قيمتك... بل أن تعرف أنت قيمتك، حتى لو تأخر الجميع في معرفتها بعد عامين...
كانت خديجة قد حصلت على ترقية جديدة، وأصبحت من أصغر الضباط الذين يشاركون في تدريب وتأهيل الدفعات الجديدة.
وفي يوم من الأيام، تلقت دعوة لحضور احتفال تكريم أوائل الجمهورية في إحدى المدارس العسكرية.
دخلت القاعة، فتقدمت نحوها فتاة صغيرة ترتدي الزي العسكري الخاص بالطلاب، وقالت بخجل
حضرتك الملازم أول خديجة؟
ابتسمت خديجة وقالت أيوه.
قالت الفتاة ودموعها في عينيها أنا كنت هسيب حلمي بسبب إن أهلي كانوا شايفين إني مش هنجح... لكن لما سمعت قصتك، كملت. والنهارده أنا الأولى على دفعتي.
تأثرت خديجة وربتت على كتفها قائلة متخليش حد يحدد مستقبلك غيرك. النجاح الحقيقي بيبدأ لما تؤمني بنفسك.
في تلك اللحظة، كان مدحت يقف في آخر القاعة، ينظر إلى ابنته بفخر حقيقي، ليس لأنها الأولى فقط، بل لأنها أصبحت مصدر إلهام لغيرها.
وبعد انتهاء الحفل، اقترب منها وقال
يا بنتي... النهارده فهمت إن أعظم وسام خدتيه مش اللي على صدرك... أعظم وسام إن الناس بقت تتعلم منك.
ابتسمت خديجة، وردت بهدوء
وأنا كفاية عليّ إنك أخيرًا شفتني كما أنا.
ثم خرجا من القاعة معًا، وقد بدأت بينهما علاقة جديدة، أساسها الاحترام والتقدير بعد سنوات طويلة من الجفاء.
تمت بعد خمس سنوات...
في صباح هادئ داخل الكلية، توقفت سيارة رسمية أمام مبنى القيادة، ونزلت منها الرائد خديجة بثقة ووقار. كان الطلبة الجدد يقفون في ساحة العرض، يتابعونها بإعجاب.
وفجأة، لمحت بين أولياء الأمور رجلًا تعرفه جيدًا.
كان والدها.
لكن هذه المرة لم يكن يسير أمامها.
.. بل وقف في آخر الصفوف ينتظر أن تنتهي من عملها، احترامًا لمكانتها.
بعد انتهاء مراسم الاستقبال، اقترب منها وقال
لو تسمحيلي... أقدمك للناس وأقول إنك بنتي.
ابتسمت خديجة ابتسامة خفيفة وقالت
زمان كنت بتخبي وجودي... النهارده بقى عايز تعرف الناس بيا؟
خفض رأسه وقال
أيوه... لأني ندمت على كل لحظة كسرت فيها قلبك.
وقبل أن ترد، جاء أحد الطلبة الجدد يجري نحوها.
يا فندم... والدتي نفسها تسلم على حضرتك.
التفتت، فوجدت سيدة كبيرة في السن تمسك بيد ابنها، وقالت والدموع في عينيها
حضرتك السبب إن ابني ما استسلمش. كان بيقرأ عن تفوقك وإصرارك، وكان دايمًا يقول لو هي قدرت، أنا كمان هقدر.
ابتسمت خديجة وصافحتها في هدوء.
ثم نظرت إلى والدها وقالت
شايف يا بابا؟ الإنسان ممكن يسيب أثر طيب في ناس عمره ما قابلهم... وده أغلى من أي تكريم.
أومأ مدحت برأسه، والدموع تملأ عينيه.
في تلك اللحظة، أدرك أن ابنته لم تنتصر لأنها أصبحت ضابطة كبيرة... بل لأنها حافظت على إنسانيتها رغم كل ما مرت به.
النهاية بعد عدة أشهر، وبينما كانت خديجة في مكتبها تراجع ملفات الطلبة، دخل إليها أحد الضباط وقال
يا فندم، في وفد من الكلية جاي يكرم حضرتك بمناسبة مرور عشر سنوات على تخرج دفعتكم.
ابتسمت خديجة وقالت العشر سنين عدوا بسرعة.
وفي يوم الاحتفال، امتلأت القاعة بالضباط والخريجين القدامى. عُرضت صور الدفعة على الشاشة الكبيرة، ثم ظهرت صورة خديجة وهي تتسلم وسام التفوق يوم التخرج.
وقف الجميع يصفق.
ثم صعد مدير الكلية الجديد وقال
في كل دفعة بيكون فيه متفوقون... لكن قليل جدًا اللي يفضل أثرهم موجود بعد سنين. الرائد خديجة لم تكن مجرد الأولى على دفعتها، بل خرجت أجيالًا من الضباط.
وفي نهاية كلمته، أعلن عن مفاجأة
قرر مجلس الكلية إطلاق اسم الرائد خديجة
على قاعة المحاضرات الخاصة بالتفوق العلمي، تكريمًا لمسيرتها.
وقفت القاعة كلها احترامًا، بينما امتلأت عيناها بالدموع.
كان والدها يجلس في الصف الأول هذه المرة، ولم ينتظر حتى ينتهي التصفيق، بل وقف وقال بصوت سمعه الجميع
أنا مدحت... والد خديجة.
ساد الصمت.
ثم أكمل
زمان أنا ما قدرتش بنتي، وكسرت قلبها كتير. النهارده واقف قدامكم أقول إن أكبر غلطة في حياتي كانت إني ما شوفتش قيمتها وهي جنبي. لو في أب بيسمعني، أوعى تأجل كلمة فخور بيك... يمكن ييجي يوم تقولها، لكن يكون فات وقتها.
ساد القاعة تأثر شديد، ثم دوّى التصفيق.
نزلت خديجة من المنصة، واحتضنت والدها لأول مرة منذ سنوات طويلة.
وقالت بهدوء
الماضي عمره ما هيتغير... لكن الحمد لله إن النهاية كانت أحسن من البداية.
وانتهت الحكاية، بعدما أثبتت خديجة أن النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى اعتراف مبكر... لكنه في النهاية يفرض نفسه على الجميع بعد الاحتفال بأيام قليلة، كانت خديجة في مكتبها عندما دخل إليها ضابط برتبة لواء يحمل ملفًا أحمر مختومًا.
قال بابتسامة مبروك يا رائد خديجة... صدر قرار بترقيتك وتكليفك بقيادة برنامج إعداد الضباط المتفوقين على مستوى الجمهورية.
فتحت الملف بيد ثابتة، لكنها شعرت أن سنوات التعب كلها تمر أمام عينيها في لحظة واحدة.
وفي المساء، عادت إلى بيتها.
وجدت والدها ينتظرها في الحديقة، يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
قال الصندوق ده كان بتاع والدتي... جدتك. كانت دايمًا تقول إنك هتبقي حاجة كبيرة، وأنا للأسف ما صدقتهاش.
فتحت الصندوق، فوجدت بداخله صورًا لها وهي طفلة، وشهادات تقدير كانت تخفيها جدتها، ورسالة مكتوبة بخط يدها.
قرأت فيها
يا خديجة... لو في يوم حسيتِ إن محدش شايف تعبك، افتكري إن ربنا شايفه. الناس ممكن تتأخر في تقديرك، لكن ربنا لا يضيع
أجر المجتهد.
لم تتمالك دموعها.
أغلقت الرسالة، ونظرت إلى السماء، ثم ابتسمت لأول
تم نسخ الرابط