ابويا
أبويا أخد تذكرتي ال VIP الوحيدة لحفلة تخرجي من الكلية الحربية وإداها لبنت مراته، وزقني بره في المطر وقالي إني مستاهلش أكون هناك. كان فاكرني مجرد عسكري ملوش لازمة هيتدارى وسط الزحمة، وماكنش يعرف إن الحفلة كلها واقفة ومستنياني أنا بالذات، لأني كنت أول الدفعة ومن غيري الحفلة مش هتبدأ أصلاً.
بعد 22 ساعة خدمة متواصلة وهلك تان، رجعت البيت وأنا بجر رجلي، وكل أملي أخد دوش وأناملي ساعتين.
بس أول ما فتحت الباب، وقبل حتى ما أحط شنطتي، لقطتني مرات أبويا بصوتها العالي يا خديجة، اغسلي المواعين دي بسرعة.. هايدي عندها جلسة تصوير بكرة ومش عايزة البيت يبقى مكركب كده.
أبويا، اللي اسمه مدحت، ما رفعش عينه حتى من على التابلت بتاعه.
طلعت بهدوء من شنطتي ظرف عليه الختم الذهبي بتاع الكلية.
وقلت براحة يا بابا.. تخرجي يوم الجمعة الجاية. هما إدوني تذكرة VIP واحدة بس، وكان نفسي بجد تيجي.
وقبل ما أكمل كلامي، شد التذكرة من إيدي ومن غير ما يفكر ثانية، حطها في إيد هايدي.
وقال بحدة بلاش أنانية.. أنتِ مجرد ملازم جديد لسه في أول السلم، لكن هايدي هتعرف تستغل التذكرة دي صح. هتقابل هناك لواوات وقادة كبار وناس مهمة.. سيبي أختك تاخد لقطتها.
كلامه وجعني، بس ما فاجئنيش.
طول أربع سنين، كنت مخبية كل نجاحاتي لنفسي. عمري ما قلتلهم إني طالعة الأولى على الدفعة في كل سنة، ولا جبت سيرة مشروع البحث العسكري اللي أخدت عليه تكريم على مستوى الجمهورية، ولا إني خلاص هتعين معيدة في الكلية.
هما افترضوا إني فاشلة وعادية، وأنا ما حاولتش أصلح لهم الفكرة.
جه يوم التخرج، والجو كان مطر وساقعة تلج.
مقر الكلية كان شكله مهيب رغم المطر.. أعلام مصر مالية الممرات، وفرقة الموسيقى العسكرية بتظبط الآلات، وأهالي الخريجين الفرحانين مالين المدخل.
وقفت عربية
نزل منها أبويا الأول، وبعده مرات أبويا وهايدي، اللي كانت ماسكة التذكرة الذهبية بكل فخر وبتلوح بيها.
هايدي ضحكت وقالت الصور ه تطلع تجنن على إنستجرام.. الناس كلها هتفتكر إني أعرف كل القيادات المهمة دي.
مشيت أنا ناحية المدخل الرئيسي.
كخريجة من الكلية، أنا أصلاً مش محتاجة تذكرة VIP، كارنيه الكلية بتاعي كفاية وزيادة.
بس قبل ما أطلعه للظابط اللي واقف على التأمين، أبويا قفشني من دراعي ب قسوة وجعاني.
حكايات_شروق_خالد
وزعق فيا أنتِ بتعملي إيه هنا؟ بصي لمنظرك.. مبلولة ومبهدلة!
وبص على هايدي وقال ما تبوظيش عليها الصور.. خليكي بعيد ومتظهريش في الكادر.
وراح زاققني لورا.
اتكعبلت على سلم الحجر اللي غرقان بمية المطر، وهما دخلوا من البوابات البرونزية الكبيرة من غير ما حد فيهم يبص ورايا حتى.
فضلت واقفة مكاني للحظات.
أربع سنين من التضحية.. أربع سنين من قلة النوم.. أربع سنين من التدريب القاسي والموت.. وكل ده ملوش قيمة عند الناس اللي ضيعت عمري كله وأنا بحاول أرضيهم وأخليهم يشوفوني.
وفجأة، المطر مبقاش ينزل عليا.
شمسية سوداء كبيرة اتفتحت فوق دماغي.
بصيت لفوق.. كان واقف قدامي مدير الكلية الحربية بنفسه، بكامل بدلتة العسكرية الرسمية.
ملامحه اتغيرت أول ما شافني وقال ب ذهول سيادة الملازم خديجة؟ أنتِ واقفة هنا بتعملي إيه؟
ما عرفتش أرد.
كمل وقال مجلس الإدارة، وقادة القيادة العامة، وكل الضيوف المهمين بيدوروا عليكي بقالهم نص ساعة!
بص ناحية البوابات اللي عيلتي لسه داخلة منها، ورجع بصلي تاني
المرسم مش هيبدأ من غيرك.. أنتِ أول الدفعة النهاردة، وأنتِ اللي هتقولي كلمة الخريجين.. وفاضل كام دقيقة وتستلمي أعلى وسام للقيادة والبحث العسكري في الكلية.
ولأول مرة في حياتي، ما ترددتش وأنا داخلة
لأني ما كنتش داخلة كالبنت اللي عيلتها بتهمشها وبتدوس عليها.. أنا كنت داخلة ك الظابط اللي عمرهم ما صدقوا إني ممكن أكونه في يوم من الأيام.
حكايات_شروق_خالد
القصة كاملة اول التعليق أخذ مدير الكلية خطوة للأمام، ثم أدى لها التحية العسكرية بكل احترام.
اتفضلي يا سيادة الملازم... الجميع في انتظارك.
وقفت خديجة، مسحت قطرات المطر عن وجهها، وعدلت هندامها العسكري، ثم دخلت بجواره. في اللحظة نفسها كانت أسرتها قد جلست في مقاعد ال، وهايدي منشغلة بتصوير كل شيء بهاتفها، وهي تظن أن وجودها هناك مجرد فرصة لالتقاط الصور.
وفجأة، انطفأت الأضواء لثوانٍ، ثم أُضيئت المنصة الرئيسية.
أعلن المذيع العسكري بصوت قوي السيدات والسادة... نبدأ الآن حفل تخرج الدفعة الجديدة. ويسعدنا أن نستقبل الأولى على الدفعة، وصاحبة أعلى تقدير في تاريخ الكلية لهذا العام... الملازم خديجة مدحت.
ساد الصمت.
هايدي شهقت وهي تنظر إلى المنصة.
أما مدحت، فوقف من مقعده لا يصدق ما يسمعه.
وفي اللحظة التالية، دخلت خديجة بخطوات ثابتة، تؤدي التحية العسكرية وسط تصفيق حاد من القاعة كلها، بينما وقف جميع الضباط والقيادات احترامًا لها.
همس أحد الضيوف الجالسين بجوار مدحت هي دي بنت حضرتك؟
ابتلع ريقه بصعوبة، ولم يجد كلمة يرد بها.
ثم صعد قائد الكلية إلى المنصة وقال هذه الضابطة لم تحقق التفوق الدراسي فقط، بل قادت فريقًا بحثيًا عسكريًا حصل على المركز الأول على مستوى الجمهورية، وكانت مثالًا للانضباط والشرف طوال سنوات الدراسة.
ارتفع التصفيق مرة أخرى، بينما بدأت هايدي تخفض هاتفها ببطء، بعدما أدركت أن صاحبة الحفل الحقيقية لم تكن هي... بل خديجة.
ثم نادى قائد الكلية نتشرف الآن بأن تلقي الملازم خديجة كلمة الخريجين.
أخذت خديجة نفسًا عميقًا، وتقدمت إلى
يتبع...وقفت خديجة أمام الميكروفون، ونظرت للحضور للحظات قبل أن تبدأ حديثها بثبات
سيادة القادة... السادة الضيوف... زملائي الخريجين... النهارده مش يوم نجاح شخص واحد، ده يوم حصاد تعب سنين طويلة. كل واحد فينا مر بأيام افتكر فيها إنه مش هيقدر يكمل، لكن تعلمنا هنا إن الجندي الحقيقي بيكمل حتى وهو مرهق.
ساد الصمت في القاعة، والجميع ينصت لها.
وأضافت وأحب أقول لكل شاب أو بنت حاسين إن محدش مقدرهم... قيمتك مش بتتحدد بنظرة الناس ليك، قيمتك بتتحدد بتعبك وأخلاقك وإخلاصك.
انتهت الكلمة، فوقف الحضور كله يصفق لها بحرارة.
ثم صعد قائد الكلية مرة أخرى وقال والآن، يشرفنا منح الملازم خديجة وسام التميز العلمي والقيادي، وتعيينها معيدة بالكلية الحربية.
علق الوسام على صدرها وسط تصفيق مدوٍ، ثم التفت إليها مبتسمًا وقال أمام الجميع نفخر بكِ يا خديجة.
في هذه اللحظة، شعر مدحت أن الأرض تهتز تحت قدميه.
خرج من مقعده مسرعًا، وبعد انتهاء مراسم التكريم حاول الاقتراب منها.
قال بصوت منخفض خديجة... أنا فخور بيكي.
نظرت إليه بهدوء، ثم قالت الكلمة دي كنت محتاجاها وأنا طفلة... مش بعد ما بقيت ضابطة.
انخفض رأسه خجلًا، ولم يجد ما يقوله.
أما هايدي، فأغلقت هاتفها تمامًا، بعدما أدركت أن الصورة الأهم في ذلك اليوم لم تكن صورة تنشرها على مواقع التواصل، بل صورة أختها وهي تقف مكرمة أمام الوطن كله.
يتبع...بعد انتهاء الحفل، كانت القيادات العسكرية تتوافد لتهنئة خديجة واحدة تلو الأخرى.
صافحها أحد كبار القادة وقال من النهارده، أنتِ مثال لكل طالب بيدخل الكلية. اسمك هيتكتب في سجل أوائل الدفعات.
ثم طلب منها المصور الرسمي الوقوف لالتقاط الصورة التذكارية
وفي هذه الأثناء، حاول مدحت الاقتراب مرة أخرى.
قال بصوت