جوزى بيتعاطى ممنوعات

لمحة نيوز

وبص من الزجاج.
شاف سهام واقفة وسط العاملات، الكل بيناديها يا أستاذة سهام.
وشاف عياله بيساعدوها وهم رافعين راسهم.
حاول يدخل.
لكن ابنه الكبير وقف قدامه وقال بهدوء
لو جاي تعتذر... ربنا يسامحك. ولو جاي ترجع... الزمن رجعنا إحنا، لكن عمره ما هيرجع الأيام اللي ضاعت.
وقف محمود ساكت، وبص لولاده، ثم نزلت دموعه لأول مرة.
لف ومشي من غير ما ينطق بكلمة.
أما سهام، فكانت واقفة من بعيد، شافته وهو ماشي، وقالت في سرها
أنا مسامحاك... لكن حياتي اللي بنيتها بعرقي، مش هرجع أهدها بإيدي.
ثم رجعت لشغلها، وهي تسمع صوت ماكينات الخياطة يدق في المكان... نفس الصوت اللي كان يومًا سبب نجاتها، وأصبح الآن صوت حياة جديدة صنعتها بنفسها في اليوم اللي بعده، كانت سهام واقفة في المشغل بتراجع شغل البنات، لما دخل عليها ولد صغير وقال
يا طنط... فيه راجل كبير بره عايز يقابلك.
خرجت، ولقت محمود واقف، لكن المرة دي كان شكله مختلف تمامًا. هدومه بسيطة، جسمه هزيل، ووشه باين عليه تعب السنين.
أول ما شافها، قال بصوت مكسور
أنا مش جاي أطلب ترجعيلي... ولا جاي أطلب فلوس. أنا جاي أقول كلمة واحدة... آسف.
سهام سكتت، وسيبته يكمل.
قال وهو بيبكي
أنا ضيعت عمري، وضيعت شبابي، وضيعت بيتي وولادي بإيدي. كنت فاكر إن الممنوعات هي اللي هتنسيني همومي، لكنها خدت مني كل حاجة.
في اللحظة دي، خرج ابنه الكبير من المشغل.
بص لأبوه وقال
إحنا عمرنا ما تمنينا لك الشر... كنا بس نفسنا يبقى عندنا أب.
انفجر محمود في البكاء.
قال عارف... وعارف إن اللي اتكسر صعب يتصلح.
مدت سهام له ظرفًا صغيرًا.
استغرب وقال إيه ده؟
قالت بهدوء
ده عنوان مركز علاج مجاني للإدمان، ومعاه مبلغ بسيط تبدأ بيه حياتك بعد العلاج. أكتر من كده مقدرش أعمل.
فضل باصص لها ثواني، وبعدها أخد الظرف بإيد بترتعش.
قال بعد كل اللي عملته...
لسه بتعملي فيا خير؟
ردت
أنا بعمل كده عشان ضميري، مش عشانك. ولادي لازم يتعلموا إن الرحمة غير الرجوع، وإن التسامح غير إن الإنسان يكرر نفس الغلط.
هز محمود رأسه، ومشي وهو ماسك الظرف بقوة.
وبعد سنة كاملة، وصل للمشغل جواب.
كان مكتوب فيه
أنا خلصت رحلة العلاج، وبقيت بشتغل بالحلال. مش مستني منكم حاجة، لكن حبيت تعرفوا إن الفرصة اللي ادهالي ربنا على إيدك أنقذت اللي باقي من عمري. ادعولي أفضل ثابت.
ابتسمت سهام، وطوت الجواب، وقالت لأولادها
أهو... الإنسان طول ما فيه نفس، باب التوبة مفتوح. لكن أهم حاجة، ما نسمحش لحد يكسرنا مرتين.
وساد الصمت، ثم عاد صوت ماكينات الخياطة يملأ المكان، بينما كانت سهام تنظر لأولادها بفخر، وقد أدركت أن أصعب معاركها انتهت، وأن المستقبل أصبح ملكًا لهم مرت خمس سنين.
المشغل الصغير بقى مصنع بسيط، بيشتغل فيه أكتر من عشرين ست، وكل واحدة فيهم كانت بتحكي نفس الحكاية تقريبًا... ظروف قاسية، لكن فرصة واحدة غيرت حياتها.
وفي يوم، كانت سهام بتقص شريط افتتاح فرع جديد للمشغل، ولما الصحفي سألها
إيه سر نجاحك؟
ابتسمت وقالت
سر نجاحي إني في يوم خسرت كل حاجة... فمعادش عندي حاجة أخاف عليها غير كرامتي.
الناس صفقت بحرارة.
وفجأة، شافت وسط الزحمة راجل واقف بعيد.
كان محمود.
لكن المرة دي كان لابس هدوم شغل بسيطة، وواقف في آخر الصف، بيصفق في هدوء، ومن غير ما يحاول يقرب.
بعد انتهاء الافتتاح، جه يمشي.
نادت عليه
يا محمود.
وقف مكانه.
قالت له
سمعت إنك بقالك سنين شغال ومستقيم.
هز رأسه وقال
الحمد لله... ربنا سترها.
قالت
فرحتلك.
ابتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية، وقال
وده يكفيني.
في اللحظة دي، ابنهم الصغير، اللي بقى شاب، قرب من أبوه ومد إيده يصافحه.
وقال
إحنا مش هنرجع للماضي... لكن نتمنى تعيش باقي عمرك في سلام.
مسك محمود إيد ابنه وهو بيبكي.

وقال
دي أغلى مصافحة أخدتها في حياتي.
مشي بعدها في طريقه، من غير ما يطلب يرجع، ومن غير ما يحاول يغير قرار سهام.
أما سهام، فبصت لأولادها، وقالت
افتكروا دايمًا... الإنسان ممكن يسامح، لكن لازم يتعلم من وجعه. والكرامة لما تضيع مرة، لازم نحافظ عليها العمر كله.
رفعوا راسهم بفخر، ودخلوا المصنع، بينما استمر صوت ماكينات الخياطة يدق... نفس الصوت الذي بدأ بماكينة واحدة مستعملة، وانتهى بحياة كاملة بُنيت بالصبر، والعمل، والرزق الحلال. تمت بعد شهور من افتتاح الفرع الجديد، كانت سهام قاعدة في مكتبها بتراجع دفاتر الحسابات، لما السكرتيرة خبطت على الباب وقالت
يا مدام سهام... في وفد من المحافظة بره، وعايزين يقابلوكي.
استغربت وخرجت تستقبلهم.
قال المسؤول وهو بيصافحها
إحنا سمعنا عن مشروعك، وإنك مش بس بتشتغلي... لكن كمان بتعلمي السيدات المهنة مجانًا. عشان كده اخترناك ضمن أصحاب المشروعات الصغيرة الناجحة.
ابتسمت في خجل وقالت
الفضل لله وحده.
وبعد أيام، اتكرمت في احتفال كبير، واتصورت مع عشرات السيدات اللي كانت سبب في رزقهم.
ولما طلبوا منها كلمة، وقفت قدام الميكروفون وقالت
أنا مش بطلة... أنا مجرد أم كانت خايفة على ولادها من الجوع. كل واحدة فيكم مهما كانت ظروفها صعبة، أوعوا تستسلموا. اطلبوا الحلال، حتى لو كان طريقه طويل.
الكلمة انتشرت على مواقع التواصل، وبقت قصتها مصدر إلهام لناس كتير.
وفي نفس الليلة، رجعت البيت، لقت عيالها مجهزين لها مفاجأة.
علقة بسيطة على الحيطة مكتوب عليها
إلى أعظم أم... شكراً لأنك علمتينا إن التعب بالحلال بيكسب في الآخر.
مقدرتش تمسك دموعها.
حضنتهم واحد واحد، وقالت
أنتوا أكبر مكافأة خدتها في حياتي.
كبر الأولاد، وكل واحد اختار طريقه.
الكبير بقى مهندس، والوسطاني فتح مشروعه الخاص، والبنت خلصت تعليمها وبقت تدير المشغل مع
أمها، ورفضت تسيب
الستات اللي بدأوا معاهم من أول يوم.
أما سهام، فكل ما كانت تسمع صوت ماكينة خياطة، كانت تفتكر الماكينة القديمة اللي اتباعت ظلم، وتبتسم.
لأنها فهمت إن الماكينة الحقيقية ما كانتش الحديد...
كانت إيديها، وإرادتها، وإيمانها إن بعد كل ضيق... فيه فرج من عند ربنا بعد سنوات طويلة، بقى اسم مشغل سهام معروف في المحافظة كلها، وأولادها كبروا واستقرت حياتهم.
وفي يوم، جمّعوا الأسرة كلها في البيت الجديد عشان يحتفلوا بعيد ميلادها الستين.
وأثناء الاحتفال، دخل ابنها الكبير وهو شايل صندوق خشب قديم، وحطه قدامها وقال
افتحيه يا أمي.
فتحت الصندوق، واتفاجأت...
جواه ماكينة الخياطة السنجر القديمة.
نفس الخدش اللي كان في جنبها، ونفس مكان الخيط الأحمر اللي كانت سايباه فيها يوم اختفت.
شهقت وهي حاطة إيدها على بقها.
وقالت وهي بتبكي دي... دي ماكينتي!
ابتسم ابنها وقال
فضلت أدور عليها سنين، لحد ما لقيتها عند واحد كان محتفظ بيها، واشتريتها ورجعتها لصاحبتها.
حضنت الماكينة كأنها بتحضن عمرها كله.
وقالت بصوت مخنوق
الماكينة دي شهدت على أصعب أيام حياتي... ومنها بدأت رحلتنا.
ردت بنتها وهي تمسح دموعها
لا يا أمي... البداية الحقيقية ما كانتش الماكينة... البداية كانت يوم قررتي ما تستسلميش.
في تلك اللحظة، نظر أحفادها إليها باستغراب، فسأل أصغرهم
يا تيتة... هي الماكينة دي غالية أوي؟
ابتسمت سهام، ومسحت على شعره، وقالت
لأ يا حبيبي... الحديد عمره ما كان غالي. الغالي هو الإنسان لما يشتغل بعرقه، ويحافظ على كرامته، ويعرف يقوم بعد كل وقعة.
ساد صمت جميل في البيت.
ثم قامت سهام، وأدارت الماكينة القديمة بيدها مرة واحدة.
صدر منها صوتها المعروف...
تكتكت... تكتكت... تكتكت...
ابتسم الجميع.
لأنهم لم يكونوا يسمعون صوت ماكينة خياطة...
بل كانوا يسمعون صوت رحلة
طويلة من الصبر، والكفاح، والرزق الحلال، انتهت ببيت آمن، وأولاد صالحين، وقلب عرف أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
تمت.

تم نسخ الرابط